اسماعيل العلوي: خطابات الملك تبقى حبرا على ورق.. وهذه الحكومة عاجزة عن تحقيق تطلعات الشعب (1/2)

المختار عماري

في هذا الجزء الأول من حوار أجراه معه "تيل كيل عربي"، يقول مولاي اسماعيل العلوي، رئيس مجلس الرئاسة لحزب التقدم والاشتراكية، إن خطابات الملك على الرغم من ملامستها للحقيقة إلا أنها تبقى حبرا على ورق، وأن الحكومة الحالية عاجزة عن تحقيق تطلعات الشعب، وأن من مصلحة حزب "الكتاب" مغادرة الحكومة.

محمد نبيل بنعبد الله في حديث إلى إسماعيل العلوي
محمد نبيل بنعبد الله في حديث إلى إسماعيل العلوي

ما هي الدفوعات التي قدمها رئيس الحكومة سعد الدين العثماني لحزبكم من أجل تعليل مقترحه بحذف كتابة الدولة في الماء؟ هل وجدتم هذه الدفوعات مقنعة؟

دفوعات رئيس الحكومة مطابقة لمضمون البلاغ الذي أطلع الرأي العام على قرار إلغاء كتابة الدولة في الماء، والذي ركز على أهمية التنسيق من أجل نجاعة عمل القطاع الذي على عاتقه صيانة هذه الثروة الوطنية المتمثلة في الماء وتعبئتها على النحو الأمثل والاستجابة إلى حاجات المواطنين المتعلقة بتوفير الماء الشروب لهم جميعا.

أعتبر شخصيا أن هذه الدفوعات غير مقبولة، بل هي سبة في وجه مناضلة أبانت دوما عن تفانيها في عملها. ولم تكن تظن، في يوم من الأيام، أن عملها سيمثل عرقلة أمام حسن سير عمل قطاع حكومي ما، فبالأحرى الحكومة برمتها. وأكثر من ذلك أعتبر أننا في حزب التقدم والاشتراكية، إذا كنا نمثل حجر عثرة في وجه أي كان،  فما علينا إلا أن نبتعد عمن يعتبر أننا لا نرضيه.

هل فعلا وجهت رسالة إلى قيادة الحزب تدعون فيها إلى الانسحاب من الحكومة؟ وعلى ما بنيتم هذا الموقف؟

التواصل بين مختلف مكونات أي هيئة سياسية فيما بيننا لا تهم إلا هذه المكونات بذاتها والهيئة التي تجمعها، لكن حيث أننا نسعى إلى العمل في إطار الشفافية، أطلعك أن هيئتنا اجتمعت للتداول في الموضوع، وأبلغت المكتب السياسي برأيها، الذي يبقى رأيا لا أقل ولا أكثر، حيث أنها ليست هيئة تقريرية، علما أنه، في نفس الوقت، موضوع وجود الحزب في الحكومة أو خروجه منها يعود إلى اللجنة المركزية  لا إلى المكتب السياسي.

 فعلا أجمع أعضاء مجلس الرئاسة على استنكار ما حدث والذي يساهم في تبخيس العمل السياسي، والذي انحرف عن المسار الطبيعي للديمقراطية، مما يخيب الآمال التي غمرت شعبنا مع تأسيس حكومة التناوب التوافقي والتي تقوت بإصدار دستور 2011.

وعلل أعضاء مجلس الرئاسة رأيهم بكون الحكومة، في تركيبتها المطبوعة بهيمنة التقنوقراط "المصبوغين" بألوان حزبية، غير قادرة، كما ورد في الخطب الملكية الأخيرة، على الاستجابة لتطلعات شعبنا، شبابا وكهولا. وبالتالي، فمن الضروري على حزبنا أن يجتهد من خارج الحكومة (التي يبدو أنه من خلال بعض ممثليه فيها يعرقل عملها) من أجل تفعيل مضامين التوجهات والمقترحات الملكية التي وردت في الخطب سابقة الذكر. وبالتالي، فأنا شخصيا مع خروج "التقدم والاشتراكية" من حكومة العثماني.

على حزبنا أن يجتهد من خارج الحكومة (التي يبدو أنه من خلال بعض ممثليه فيها يعرقل عملها) من أجل تفعيل مضامين التوجهات والمقترحات الملكية

هل تم إخبار قيادة "التقدم والاشتراكية" بقرار حذف كتابة الدولة في الماء؟

لا يمكنني أن أكون جازما في هذا الجواب، لأنني لست مسؤولا مباشرا على سير الحزب، ولست من أعضاء المكتب السياسي، لكن حسب المعلومات التي وصلتني، فإنه لم يقع أي إخبار بهذا الأمر، بل إن المعنية بالأمر، شرفات أفيلال، سمعت بالأمر من الإذاعة، كجميع المواطنين. ويبدو لي أن الأمر ينم عن خلل خطير، فليس هكذا تكون العلاقات بين أحزاب حليفة.

وبغض النظر عن المغزى السياسي، إن كان للأمر من مغزى سياسي، فقد كان يجب على الأقل أن تخبر المعنية مباشرة. طبعا، السادة كتاب الدولة لا يحضرون المجلس الوزاري، لكن هذا لا يمنع من أن يتم إطلاعهم على القرارات التي تعنيهم، لأن لديهم هم أيضا مشاعر وأحاسيس. هذا ما يمكنني أن أقوله بشكل عفوي ومباشر.

هل كان هناك خلاف بين شرفات أفيلال والوزير المشرف على القطاع عبد القادر اعمارة؟

كان هناك خلاف، وكنت على علم به. وتفاصيله أن السيد الوزير المكلف بالقطاع ككل كانت لديه رغبة في الهيمنة التامة على القطاع، وكانت شرفات أفيلال تحس بالمضايقة والتهميش الزائدين. كانت تقوم بعملها بحماس وروح وطنية، على الرغم من الظروف المناخية الصعبة في بلادنا، وعلى الرغم من غياب الوعي لدى غالبية المغاربة بأهمية الماء وضرورة الحفاظ عليه.

قضية أفيلال تأتي بعد شهور على ما عرف إعلاميا بـ"الزلزال السياسي"، والذي أسقط وزيرين، هما الأمين العام للحزب، نبيل بنعبد الله، ووزير الصحة الحسين الوردي، وطالت الغضبة وزير الثقافة السابق محمد الأمين الصبيحي. هنا يطرح السؤال حول كفاءة مناضلي "التقدم والاشتراكية" لتولي المناصب الوزارية في الوقت الذي يعرف الحزب بأنه حزب نخبة؟

لا ندعي أننا الحزب الذي يتوفر أعلى "الكفاءات"، لأن الكمال لله. ومهما يكن من أمر، فإننا نحرص على أن يكون الأشخاص الذين نرشحهم لتولي المناصب الوزارية في مستوى هذه المسؤولية ، على الميدان السياسي، وعلى مستوى الكفاءة، كما على المستوى الأخلاقي، وحتى على مستوى الاندفاع والحماس الضروريين لتحمل هذه المسؤولية.

وما قلته، وقاله الحزب بالنسبة لكفاءة وزرائه في مشروع الحسيمة منارة المتوسط، أقوله بالنسبة لشرفات أفيلال. وما حز في قلبي أن البلاغ تكلم عن ضرورة ترشيد تدبير هذا القطاع، وكأن هذا القطاع لم يكن مدبرا بشكل متقن.

نحن في "التقدم والاشتراكية" لا نسعى إلى عرقلة السير الأمثل للهيئات التي نساهم فيها، وخاصة الحكومة. وبالتالي، إن كنا نمثل عرقلة ما، فينبغي أن نستنتج العبر من هذه التجربة التي مررنا بها، فنحن لا نبحث عن الكراسي من أجل الكراسي وبأي ثمن.

السؤال يطرح ويترسخ مع أنس الدكالي، إثر توالي أشرطة الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تعري جانبا من التردي الدي تعيشه المستعجلات والمستشفيات بالمغرب؟  فهل تعتقد أن "التقدم والاشتراكية" يراد له أن يغادر الحكومة؟

من الصعب تقييم عمل أنس الدكالي ولم يمض على توليه قطاع الصحة سوى شهور معدودة. وأستبعد أن يكون هناك استهداف لحزب التقدم والاشتراكية، لكن الحياة السياسية مليئة بالتقلبات، والكثيرون لا يقاسموننا نفس الجدية والسعي إلى الانضباط. وفعلا السؤال مطروح، ولا يمكن أن أتكهن بما سيصدر عن اللجنة المركزية أو عن المكتب السياسي، لكن لو كان الأمر بيدي ، لقررت الانسحاب من هذه الحكومة، دون أن أعرقل العمل العام لوطننا، بل سيكون الانسحاب إيجابيا، لأننا سنصبح ساهرين على تفعيل خرائط الطريق، التي وضعها صاحب الجلالة، في خطبه المختلفة.

أعتقد أنك تبنيت نفس الموقف بعد ما عرف بـ"زلزال الحسيمة"؟

كان هذا موقفي الشخصي، لكن وحسب القوانين المنظمة لحزبنا، عقد مجلس رئاسة الحزب اجتماعا، واتخذ ما ارتآه من قرارات، وأبلغناها للمكتب السياسي وقمت بهذا التبليغ بوصفي رئيس المجلس.

هذه المصائر (الإعفاء بتهمة غياب الكفاءة، الإعفاء دون كلمة شكر) تجعل عددا من الأشخاص من النخبة المغربية يتهيبون من تحمل المسؤولية أو الاقتراب من السلطة؟

بالنسبة لنا في "التقدم والاشتراكية" لا ننتظر لا جزاء ولا شكورا عندما نتحمل المسؤولية، أو على الأقل لا ننتظر شكورا، أما الجزاء فيمكن أن يأتي، سلبا أو إيجابا.

ما سيسجل لأنس الدكالي، أنه طلب وألح، أثناء النقاش حول الميزانية المقبلة أن تصل ميزانية هذا القطاع إلى 8 بالمائة إن أردنا فعلا كدولة وكشعب أن نحسّن أوضاع القطاع الصحي.

وأفتح القوس لأشير إلى تجربتي عندما كنت وزيرا للتعليم الابتدائي و الإعدادي ، وخلال الاجتماع الأول لإعداد ميزانية 1999-2000، قمنا بعملية استشرافية، قلنا، على إثرها، إنه علينا أن نوظف سنويا ولمدة 5 سنوات ما بين 10 إلى 12 ألف مدرس ومدرسة، إذا أردنا تحسين وتعميم التعليم ببلادنا، ورفضت وزارة المالية والاقتصاد رفضا باتا. وأتذكر أنني أثناء النقاش، بيني أنا كوزير والكاتب العام لوزارة المالية، غضبت كثيرا؛ وبلغ غضبي إلى الملك الحسن الثاني، فقال أثناء المجلس الوزاري الموالي للحدث، إنه وصله خبر غضب الوزير المكلف بالتعليم الابتدائي والإعدادي، وهو غضب في محله، وقرر بناء على ذلك مضاعفة عدد هيئة التدريس المقررة لذلك العام 10 مرات.

حصل ذلك مرة واحدة خلال الفترة التي كنت فيها وزيرا. إلا أنني كما في علم الجميع لم أعمر كثيرا في وزارة التعليم.

عادت حليمة لعادتها القديمة...

دون شك ودون الإساءة إلى من خلفني. تدبير القطاع ما هو إلا مرفق من المرافق الوطنية، ولا يمكنه أن يحتكر الإمكانات في بلد فقير.

هل نحن فعلا بلد فقير؟

البعض يغضب عندما أقول ذلك، لكن البلد بالفعل فقير حيث أن اقتصاد المغرب في وضعه الحالي (وحتى السابق) لا يستطيع الاستجابة إلى تطلعات هذا الشعب بشكل كامل. لم نستطع، مثلا، الوصول إلى ما وصلت إليه في العقود الأخيرة بعض الدول كالصين؛ أي أن نحقق نموا اقتصاديا من رقمين

إذاك قلت إن الكتاب العامين هم المسيرون الفعليون للوزارات...

معلوم أن كل الموظفين يعتقدون أن الوزراء عابرون، وأن الموظفين باقون. فعندما يتحمل شخص ما مسؤولية تدبير قطاع وزاري، لا يكون على علم بكل خبايا القطاع الذي يشرف عليه.  لذلك كنت قد اقترحت، وما زلت اقترح ذلك، على رفاقي أن نعمل على تكوين "حكومة ظل"، كما يقع في بلدان كبريطانيا، لكننا لم ننجح في ذلك.

سؤال مباشر.. ما موقفكم من سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة؟

علاقتي به طيبة، ولم أر منه إلا الخير. رجل لطيف وخلوق وبشوش، أما كمسؤول، فلم أشتغل معه بشكل مباشر. (بعد طول تفكير) ينقصه شيء من الاندفاع.

العثماني رجل لطيف وخلوق وبشوش، أما كمسؤول، فلم أشتغل معه بشكل مباشر. ينقصه شيء من الاندفاع

أطرح عليك السؤال بطريقة أخرى.. "ما معمرش بلاصتو؟". يقول في تدوينة حول تعيين محمد بنشعبون وزيرا للمالية بأن المنصب يعود إلى التجمع الوطني للأحرار، وعزيز أخنوش اقترح الرجل، وهو لم يزد على أن قدم الاسم للملك؟

هذا يطرح مشاكل كثيرة حتى بالنسبة للتجمع الوطني للأحرار. إذا لم تكن قد خانتني الذاكرة، فأخنوش كان قد غادر الأحرار لمدة طويلة من الزمن، وأعلن أنه سيعتزل العمل السياسي، ثم فجأة أصبح رئيسا على التجمع، واكتفت الهيئات التقريرية في هذا الحزب بتزكيته.

 بعد ذلك، الأستاذ بنشعبون، وحسب علمي، لم يكن ناشطا في أي حزب سياسي. عملية طلاء الأشخاص (الصباغة) بألوان سياسية، وأستسمح على العبارة، تبخس العمل السياسي. وهذا أمر متناف مع الاختيار الذي قام به المغرب والقائم على الديمقراطية التمثيلية. وهذا الأمر يدفع المتتبع إلى التساؤل: هل نحن في عهد أتاتورك في بداية حكمه، أم نحن في بلد لها دستور متقدم؟ فالدستور، الذي يؤكد على الديمقراطية بالمشاركة، يقول كذلك باحترام ضوابط الديمقراطية التمثيلية.

هذا عندما نتحدث عن أخنوش وبنشعبون، فماذا عن العثماني؟ هل يفترض في رئيس الحكومة أن يكون فقط ساعي بريد بين أحزاب التحالف والملك؟ خلفية السؤال أن لدى الكثيرين من قيادات "التقدم والاشتراكية" تحفظ على تدبير العثماني كرئيس حكومة لمهامه، ويقارنه بسلفه، بل حتى قبل زلزال "الحسيمة منارة المتوسط"، لم يعد الحسين الوردي يرغب في العمل تحت مسؤولية العثماني؟

يقول المثل المغربي "خوك فالحرفة عدوك" (في إشارة إلى ممارسة الطب من طرف العثماني والوردي). لكن ما قلته وارد، وكان معروفا لدى الجميع.

في خطاب العرش، قرع الملك الأحزاب، كما حدث في خطابات أخرى، مقابل ذلك لم يبق أحد، خاصة من الأجيال الجديدة، يرغب في الانتماء لهذه الأحزاب: "تقنوقراط" تتم صباغتهم، ورئيس حكومة يفوز بالانتخابات ويمنع من تشكيل الحكومة، ووزير مستقيل يترك كالمعلقة...

موضوعيا، هذه الملاحظات في محلها، وينبغي أن نطرح على أنفسنا هذه الأسئلة. إذا كان موقع الأحزاب يتآكل يوما بعد يوم، فهذا ناتج عن هذا التبخيس، الذي يجعل من هذه الحكومة حكومة "بيروقراط" أكثر منها حكومة سياسية منبثقة من انتخابات تعبر عن إرادة الشعب.

الملك يخطب، ويقرع، والأحزاب تثمن. هل يتحدث الملك إلى أحزاب دولة أخرى؟

منذ خطابات الملك الأولى وإلى الآن، لا يمكن أن تجد نفسك في تناقض موضوعي معها، لكن للأسف لا يتحقق من خطب الملك شيء، وتبقى حبرا على ورق، لغياب إمكانية تفعيلها، الإمكانيات المؤسساتية والإمكانيات المرتبطة بالكفاءات البشرية التي تتحمل المسؤولية. وهي وضعية تحير المرء عندما يقوم بتحليل موضوعي لأوضاع هذا الوطن .

وهذا أمر خطير وخطير جدا، وهو ما جعلني قبل قليل، أعبر عن مساندتي  للخروج من الحكومة، ونساند كل ما هو إيجابي في عملها، ولكن نسعى أساسا إلى تفعيل مضامين الخطب الملكية المتتالية منذ وصول الملك إلى العرش.

يتبع...

مواضيع ذات صلة

loading...