الجعيدي: هذه آثار انخفاض الليرة على العلاقات بين أنقرة والرباط

تيل كيل عربي

فقدت الليرة التركية 40 % من قيمتها منذ بداية السنة مقابل الدولار والأورو، وهذا يطرح عدة أسئلة حول مدى تأثير هذا الانهيار على العلاقات الاقتصادية المغربية التركية. في هذا الحوار، يحاول الاقتصادي العربي الجعيدي بسط تصوره للموضوع.

ما هي العواقب المحتملة لانهيار قيمة الليرة التركية على العلاقات الاقتصادية بين المغرب وتركيا؟

يمكن أن يكون لانخفاض قيمة العملة التركية أثار عديدة. بطبيعة الحال، العلاقات الاقتصادية بين المغرب وتركيا ليست في نفس مستوى روابط أنقرة مع أوروبا أو الاتحاد الأوروبي، ولكن منذ بضع سنوات، أخذت العلاقات المغربية التركية تتقوى في ثلاثة مجالات: المبادلات التجارية، استثمارات المقاولات التركية بالمغرب، وقطاع الأسواق العامة الذي تستفيد منه عدة مقاولات تركية بالمغرب. هناك ما بين 70 و80 مقاولة تركية تنشط في مختلف القطاعات مثل النسيج، مواد البناء، البناء، البلاستيك، المعادن….

إن أثر تراجع العملة التركية على العلاقات الاقتصادية بين البلدين رهين بتطور الوضع في تركيا. هل ستتفاقم أزمة العملة؟ هل ستتحول إلى أزمة مالية؟ طبعا، لم يتضح لحد الآن إلى أين ستتطور الأمور، ولكن إذا ما استمرت الأوضاع الجيوسياسية الحالية، وهي صعبة ومعقدة بالمنطقة، فمن الممكن أن يزداد الأمر سوء.

تطور الوضع مرتبط كذلك بالرد التركي على مستوى السياسة الاقتصادية.  لحد الآن، لا ترغب أنقرة في اتخاذ قرار برفع نسب الفائدة. هذا الرفع يمكن أن يكون له أثر على التضخم وتمويل المقاولات. وتفضل توظيف البنك المركزي لدعم سيولة الأبناك والمقاولات.

هل يمكن أن يؤثر الوضع الحالي على الصادرات المغربية إلى تركيا؟

لأزمة العملة التي تكون بهذا الحجم أثر على الفرق بين الأسعار في الداخل والأسعار الدولية. وتركيا بلد منفتح نسبيا، فهي تستورد بضائع التجهيز، والبضائع الوسيطة، وكذلك بضائع الاستهلاك،لأن المجتمع التركي يميل أكثر فأكثر إلى الاستهلاك. لا شك إذن أن الأسعار الداخلية بتركيا ستشهد ارتفاعا قد يكون له أثر على القدرة الشرائية للأسر.

مع انخفاض قيمة الليرة التركية، فإن أسعار المنتوجات المغربية، والأجنبية عموما، سترتفع بالسوق التركية.

إن الأثر على الصادرات (المغربية) سيرتهن بطبيعة المنتوجات المعنية، وقدرة الاختيار لدى المستهلكين، ولكنها مرتبطة كذلك بمدى قدرة المقاولات على إعادة النظر في هوامش ربحها وأسعارها.

في الأوضاع الصعبة الشبيهة بالحالة التركية، تكون المقاولات المصدرة الراغبة في الحفاظ على حصتها من السوق، مجبرة على التكيف مع الوضع من خلال تقليص هوامش الربح و/أو تحسين عروضها وأسعار منتوجاتها.

ما فتئ القلق بالأسواق المالية العالمية يتعمق. هل المغرب معني كذلك؟

إن العدوى تنتشر عندما تتحول أزمة العملة إلى أزمة مالية. ما يجب أن نخشاه هو ان تقوم المقاولات الأوروبية والأمريكية، التي لها استثمارات في تركيا، باستباق أي امتداد للأزمة. إذ يمكن أن تسعى إلى التخلص من أوصولها التركية لكي تكون في موقع جيد حيال الدولار والأورو. هذا هو ما يميز الانتقال من أزمة عملة إلى أزمة مالية.

كل هذا لن يؤثر مبدئيا على المغرب حاليا، لأن حجم العلاقات المالية مع أنقرة ليس كبيرا.

ولكن التأثير المالي يمكن أن يطال المقاولات التركية العاملة بالمغرب، التي يمكن أن تعاني من نقص في الموارد المالية ببلادها. طبعا يمكن لهذه المقاولات اللجوء إلى النظام البنكي المغربي، وهذا يبقى رهينا بمدى قدرة هذا الأخير على التعامل مع مقاولات تركية مستقرة بالمغرب وتعاني من وضع مالي متوتر. بعض من هذه المقاولات تعتمد على الأبناك المغربية لتمويل خزينتها، وبعضها لتمويل استثماراتها ومصاريف الاستغلال. إذا ما امتدت هذه الأزمة المالية في الزمن، فسيكون على المقاولات التركية إعادة النظر في طرق تمويلها وعلاقاتها مع الأبناك المغربية.

المقاولات التركية تنشط كثيرا في قطاع البناء والأشغال العمومية بالمغرب. وهذا القطاع يحتاج دوما إلى إمكانات مهمة لتمويل خزينته...

إن قطاع البناء والأشغال العمومية مجال مقعد ومتعدد الأبعاد. يجب أولا التمييز بين قطاع العقار والأشغال العمومية. هذا الأخير يحصل على تمويله بالأساس من الأسواق العمومية، إذن العلاقة هنا تكون بين المقاولات والدولة المغربية. وانخفاض قيمة الليرة التركية بالأسواق العمومية في صالح الدولة، التي يجدر بها الإسراع في إنجاز مشاريعها للتحرر سريعا من ديون المقاولات التركية، لأن التكلفة ستكون أقل مما كان متوقعا في الأول. مثل هذه المعاملات تتم كذلك بالدولار والأورو، وهنا، قيمة العملة التركية مقابل الدولار والأورو هي التي تحدد قيمة هذه الصفقات. بالتالي، إن انخفضت هذه القيمة، فالدولة ستستفيد لأن ما ستدفعه بالدولار او الأورو سيكون أقل.

بالمقابل، فجزء كبير من الأشغال العمومية الصغيرة الحجم، أو العقارات، وهو القطاع الذي أخذت المقاولات التركية تتلمس فيه طريقها، يأتي تمويلها من القطاع البنكي المغربي.

ما هو التأثير المحتمل لهذه الأزمة على قطاع التوزيع، الذي تنشط فيه "بيم" بشكل ملحوظ في المغرب؟

في هذه الحالة، ما يهم هو حجم الأعمال، وليس متطلبات خزينة المقاولة. وانخفاض العملة التركية سيجعل المنتوجات التركية جذابة أكثر بالسوق المغربية لأن سعرها سينخفض. وهذا يمكن أن يرفع من الطلب ويحسن بالتالي من الوضعية المالية لشبكة التوزيع التركية.

نفس الشيء ينطبق على منتوجات النسيج التركي، التي تتمتع حاليا بامتياز مقارنة مع المنتوجات المغربية ذات نفس الجودة.

هل يمكن أن يتخذ المغرب إجراءات تجارية ومالية ضد تركيا؟

لقد سبق في الماضي أن اتهمت بعض القطاعات التركية، مثل النسيج، بممارسة "الإغراق"، ولكن هذا لا ينطبق البتة على الوضع الحالي، فلا يمكن أن نصف الوضعية بالإغراق بناء على انخفاض قيمة عملة بلد شريك. الرد الوحيد الممكن، إذ تبين أن أثر هذا الانخفاض كبير، هو رفع رسوم الجمارك. هذا ما قامت به الولايات المتحدة ولكن مع بعد جيو سياسي.

ولكن لا يجب أن ننسى أن للمغرب اتفاقية للتبادل الحر مع تركيا، ولا يمكنه التراجع عن التزاماته بخصوص رسوم الجمارك.

مواضيع ذات صلة

أخبار أخرى

loading...