العدالة والتنمية في مركز القرار.. أية حصيلة؟

هيئة التحرير

 سعيد أهمان (أكادير)

شكل موضوع تقييم تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي محور ندوة عملية نظمت، أول أمس (السبت)، بكلية الحقوق في أكادير، شارك فيها باحثون وخبراء أكاديميون، من المغرب والخارج، في مقاربات تداخل فيها السوسيولوجي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

الفرنسي سينجر: "بجيدي" عجز عن خلق تغييرات جذرية في المجتمع

في مداخلة للخبير الفرنسي في الحركات الاسلامية "حواس سنيجر"، وهو أستاذ بجامعة ليون الفرنسية، أبرز أن "حزب العدالة والتنمية، من خلال وزنه الانتخابي والسياسي، استطاع كسب نقاط في موازين القوى مع الدولة، واستأثر بأكبر عدد من الحقائب الوزارية، كما استفاد كثيرا من الدولة ومن إمكانياتها".

وأكد الخبير الفرنسي أن "العدالة والتنمية  دخل في علاقة مصالح متبادلة مع الدولة، و لم يتوان في تصريف مواقفه الايديولوجية كلما أتيحت له الفرصة بقرارات وممارسات وتصريحات لقيادييه. هذه التصريحات وردت، وإن قبل الحزب بالأمر الواقع لمؤسسات ذات ممارسة هي أقرب الى العلمانية منها إلى التدين".

ولفت الخبير الفرنسي الانتباه، إلى أن "هذه التصريحات لا تكل من تذكير المغاربة بالمرجعية الاسلامية للعدالة والتنمية، وشعاراته المرتكزة على الأخلاق والانضباط لتعاليم الدين"، مؤكدا على أن "إسلاميي العدالة والتنمية  سعوا إلى التكيف مع طبيعة النظام العام الذي تتبعه مؤسسات الدولة، ومع ذلك عرفت علاقة الحزب بالدولة احتكاكات في مجموعة من المواقف والقضايا".

واعتبر الباحث في الجماعات الاسلامية، أن "حزب العدالة و التنمية رغم تسلمه مفاتيح السلطة، فإنه عجز عن خلق تغييرات جذرية في المجتمع المغربي وإنتاج مشروع مجتمعي جديد، حيث كان مفروضا على الحزب الاسلامي المغربي الحاكم السير مع باقي المكونات السياسية ومع القصر، و هذا ما دفع به إلى إعادة النظر في شعاراته وأولوياته وإحداث مراجعة مستمرة لايديولوجيته".

ودعا سينجر  حزب "يجيدي" إلى "توضيح علاقته بحركة التوحيد والاصلاح الدعوية، في الوقت الذي يحاول فيها الحزب الاسلامي التوفيق بين براغماتيته السياسية و مبادئه الفكرية".

حواس سنيجر: حزب العدالة والتنمية رغم تسلمه مفاتيح السلطة، عجز عن خلق تغييرات جذرية في المجتمع المغربي وإنتاج مشروع مجتمعي جديد

سعيد السعدي: الإسلاميون لم يقدموا نموذجا مجتمعيا بديلا

ومن زاوية الخبير الاقتصادي، بسط الوزير التقدمي السابق محمد سعيد السعدي تجربة حكومة بنكيران، بالأرقام والإحصائيات والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية انطلاقا من البرنامج الحكومي، ليخلص إلى ما أسماه  "فشل حزب العدالة والتنمية كفاعل أساسي في حكومة بنكيران، و إلى جانبه المكونات السياسية الأخرى".

 وعدد السعدي مظاهر الفشل في "برنامج العدالة والتنمية الانتخابي الذي وعد بتحقيق نسبة نمو مهمة وفرص شغل كبيرة وتحسين الدخل والخدمات الاجتماعية والحكامة والتنمية المستدامة، مع محاربة الريع والرشوة".

  واعتبر السعدي أن  "العدالة والتنمية،  ومعه حكومة بنكيران، اشتغل بمقاربة محاسباتية استهدفت تقليص نسبة العجز والمديونية وتحقيق النمو الرقمي للاقتصاد، بدل التنمية الحقيقية التي تدمج العنصر البشري في صلب اهتماماتها، و خصوصا شريحة الشباب، وهو ما يفسر فشل النموذج التنموي الحالي، ما أدى إلى ظهور احتقانات اجتماعية وحركات احتجاجية لم تتفاعل معها الحكومة بمنطق الانصات و الإشراك".

وحسب السعدي، إمتد "الفشل  حتى إلى الأهداف الأساسية، التي تعتبر استجابة مطلقة لتوصيات صندوق النقد الدولي. فرغم تمكن الحكومة من خفض معدل عجز الميزانية إلى حد ما، فإن هذا الخفض كان على حساب الطبقات الاجتماعية، من خلال عدة إجراءات مثل رفع الدعم عن محروقات صندوق المقاصة، وارتفاع نسبة البطالة، نظرا لتقليص مناصب الشغل، موازاة مع هشاشة الشغل بسبب تجميد الأجور وضعف وغياب الحماية الاجتماعية و التحايل على مدونة الشغل، حتى أن تقليص معدل البطالة لم يدخل في أولويات الحكومة الإسلامية، خصوصا بطالة الشباب التي بلغت 20% ".

وخلص السعدي إلى أن "الطبقة السياسية أضحت عاجزة عن إعطاء حلول وبدائل، ما أدى إلى دفع الشباب إلى ممارسة السياسة عن طريق الاحتجاج في الشارع".

وأكد الوزير التقدمي السابق على أن "الاسلاميين لم يقدموا مشروعا مجتمعيا بديلا، بل استمروا، على غرار الحكومات السابقة، في تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي غير الشعبية، ما زاد من حدة ارتهان الاقتصاد المغربي إلى قروض هذه المنظمة المالية، وتخلي الدولة عن توفير الخدمات الاجتماعية للمواطنين، وزاد في الاحتقان الاجتماعي، ما أدى إلى تفقير الطبقة المتوسطة التي أضحت عاجزة عن تحريك الطلب الداخلي، فصرنا اليوم نعيش وضعية ركود اقتصادي يؤثر سلبا على الاستثمار والتشغيل".

السعدي: "القطاعات الحكومية تشتغل دون تنسيق في ما بينها، ولم ترقى بعد إلى التدبير المندمج للقطاعات، وهو ما يعتبر هدرا للوقت والطاقات والمال العام".

وقدم سعيد السعدي، الخبير الاقتصادي، معطيات وأرقاما، أثبتت أن الحكومة الاسلامية فشلت في تحقيق شعار محوري من شعاراتها، وهو محاربة الرشوة والريع وتخليق الحياة العامة، إذ أشارت تقارير دولية لترانسبارنسي إلى أن المغرب يحقق رتبا مقلقة في تفشي ظاهرة الرشوة، الشيء الذي يؤدي إلى تفشي الريع الاقتصادي وخنق وتهميش المقاولات الصغرى والمتوسطة".

ونبه الوزير السابق إلى أن "القطاعات الحكومية تشتغل دون تنسيق في ما بينها، ولم ترقى بعد إلى التدبير المندمج لهذه القطاعات، وهو ما يعتبر هدرا للوقت والطاقات والمال العام".

ودعا السعدي إلى "الانتقال من النموذج التنموي الذي يخدم طبقات اجتماعية على حساب أوسع الطبقات الشعبية، إلى نموذج مندمج يجعل من تنمية المواطن مسألة محورية، و يقطع بشكل نهائي مع كل أشكال الريع ويربط المسؤولية بالمحاسبة ويحرر الاقتصاد من تدخل و هيمنة رجال السياسة مع تحقيق العدالة الاجتماعية،  التي تعتبر العدالة الضريبية من أهم ركائزها".

وخلص سعيد السعدي إلى أن "الاسلام السياسي في المغرب، في تجربة العدالة والتنمية في الحكم، أثبت فشله في إعطاء إجابات لإشكاليات المجتمع، وفي التفرد بتحقيق التنمية عن طريق شعارات تخليق الحياة العامة المنشودة".

"قيام البيجيدي بالمعارضة من داخل حكومة يقودها هي ممارسة غير عادية، تستحق الدراسة والتحليل الأكاديمي".

الهاشمي: العدالة والتنمية لم يكن يمتلك السلطة السياسية الفعلية

ونبه الباحث المغربي محمد الهامشي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة، خلال اللقاء نفسه، إلى أن"العدالة والتنمية لم يكن يمتلك السلطة السياسية الفعلية، و بالتالي لا يجب اختصار مبدأ "المساءلة" في مقاربة "الإعفاء".

واعتبر الهاشمي أن "العدالة والتنمية كان ينفذ ما يطلب منه فقط، و لم يكن لديه هامش من الحرية في خياراته. فعلى سبيل المثال، ما يزال قطاع التعليم، يطبق سياسة الراحل مزيان بلفقيه، الرئيس المنتدب  للمجلس الأعلى للتعليم، وهو ما يؤكد أننا بحاجة إلى مقاربة جديدة تأخذ بعين الاعتبار تطبيق السياسات العمومية في حقب مختلفة من الزمن السياسي وفق سياسات معدة سلفا، وهذا ما يجعل مساءلة حكومة ما عن سياسات سابقة أمرا يجب إعادة النظر فيه".

  وأضاف الباحث في العلوم السياسية أن "حزب العدالة و التنمية أدى ثمن المناخ المشحون الذي أثر سلبا على إمكانياته في التدبير الحكومي"، مضيفا أن "قيام البيجيدي بالمعارضة من داخل حكومة يقودها هي ممارسة غير عادية، تستحق الدراسة والتحليل الأكاديمي".

الحزب استعمل سلاح "خطاب المظلومية" مع السقوط في مفارقة غريبة: الحزب يعلن ولاءه للملك، وفي الوقت نفسه يعلن معاكسته لـ"الدولة العميقة"، التي يجسدها في محيط الملك".

الزواوي: العدالة والتنمية وظف البراغماتية السياسية حرصا على مصالحه الانتخابية

 وفي مداخلة تعقيبية من زاوية السوسيولوجيا السياسية، أوضح الدكتور حسن الزواوي، أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بأكادير، أن "حزب العدالة والتنمية لم يتوان عن تقديم الضمانات حول ولائه للملك، و أن هذا الحزب استعمل براغماتية سياسية، حرص من خلالها على مصالحه الانتخابية، مع التوفيق بين المرجعية المذهبية الدينية، وقواعد العمل من داخل الحقل السياسي".

ذلك الوضع، يشرح الزواوي، جعل "البيجيدي"، ذي المرجعية الإسلامية، "لا يتردد في  الانخراط في برنامج حكومي ذي نفحة علمانية".

وتسائل الباحث عن الأسباب التي جعلت الحزب يتصدر نتائج الانتخابات رغم سياسته اللاشعبية، وحاول تقديم إجابة عن الإشكالية المطروحة،  بالقول إن الحزب الإسلامي استعمل سلاح "خطاب المظلومية" مع السقوط في مفارقة غريبة: الحزب يعلن ولاءه للملك، وفي الوقت نفسه يعلن معاكسته لـ"الدولة العميقة"، التي يجسدها في محيط الملك"، وفق تعبير الباحث حسن الزواوي.

وشدد الزواوي على أن العدالة والتنمية لم يتوان في "توظيف مصطلحات تعبر عن عدم تسلمه لسلطة سياسية حقيقية من قبيل مصطلح "التحكم" الذي استخدمه بنكيران غير ما مرة في وجه ما يسميه " الدولة العميقة".

تلك المواجهة مع "الدولة العميقة" وتبني خطاب المظلومية تارة وخطاب التخليق والأخلاق، مكن الحزب من تحقيق مكسب انتخابي، وهو ما أقلق النظام"، وفق تعبير الباحث حسن الزواوي.

ولاحظ الباحث أن العدالة والتنمية "استخدم منطق "الحربائية" في مواقفه، وتكيف وتلون مع وقائع وظروف مختلفة، ومارس نوعا من التقية من خلال عدم الإعلان عن أولوياته، كما  مارس "خطاب الإستمالة" عن طريق المعارضة، رغم أنه هو الحزب الحاكم".

وأوضح الزواوي أن ذلك الخطاب وظفه الحزب "في طابع شعبوي يستهدف دغدغة مشاعر الناخبين، مما مكن الحزب الحاكم من العودة بقوة عن طريق صناديق الاقتراع رغم إجراءاته اللاشعبية".