الفاسي: نخوض معركة لفرض معايير الجودة في البناء.. ونستعد لتقديم عرض للطبقة المتوسطة (2/2)

عبد الأحد الفاسي
إلزا واتر وأحمد مدياني

يتحدث الفاسي الفهري، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والسكنى وسياسة المدينة، في الجزء الثاني من حواره مع "تيل كيل عربي" و"تيل كيل"، عن الحلول الممكنة لمواجهة التفاوتات الاجتماعية في إنشاء التجمعات السكنية، خاصة منها الموجهة لإعادة إسكان وتوطين المستفيدين من برامج القضاء على دور الصفيح.

كما يتناول الوزير، موضوع النموذج التنموي الجديد الذي دعا الملك إلى صياغته، ويجيب عن سؤال: "هل تسرعت الوزارة في طرح خطة الطريق قبل إعلان الصيغة الجديدة للنموذج التنموي؟"

وتطرق لإمكانية طرح منتوج سكني للطبقة المتوسطة، ومشاكل المنازل المغلقة والمهجورة بالمدن .

تلاحظون مثلا أن عملية إعادة توطين ساكنة دور الصفيح تغيب فيها مقاربة الإدماج وتضعهم في مناطق معزولة تماماً؟

بالنسبة لنا قضايا الجودة والاستدامة والمزيج الاجتماعي مهمة للغاية، وما طرحتموه مهم جداً، وحاضر ضمن أولويات خطة العمل.

في هذه الوزارة، هناك قسمان: من ناحية،  نجد قطاع السكن وسياسة المدينة، والذي يتعامل مع الحاجيات الملحة: توفير السكن اللائق، ومواجهة مخاطر المنازل الآيلة للإنهيار،  ومعالجة ملف أحياء الصفيح... على الجانب الآخر، هناك قطاع إعداد التراب الوطني، ومن مهامه تطوير الأراضي القروية  والحضرية، ومعالجة القضايا الكبرى المهيكلة.

قدمت هذا التوضيح، لنؤكد أنه يجب علينا أن نضمن تكاملاً بين القطاعين، ففي الوقت الذي نتعامل فيه مع المشاكل الملحة، لا يجب أن نغفل التماسك الاجتماعي والاقتصادي داخل التجمعات السكنية الجديدة.

نحن نعمل على أن تكون لدينا مدن صغيرة، مستدامة وذكية في سياق رؤية عالمية للتخطيط واستغلال الأراضي على أفضل وجه. واليوم يمكن أن نقول أننا نخوض معركة ليلتزم جميع المتدخلين في القطاع، بمعايير الجودة، سواء تعلق الأمر بإنشاء التجمعات السكنية، أو بحياة المواطنين داخلها وفي محيطها.

التركيز على تعزيز التسويق لاستثمار في القطاع فقط، ينطوي على مخاطر، من بينها، مخالفة مبادئ التخطيط والاستدامة

 على سبيل المثال، التركيز على تعزيز التسويق للاستثمار في القطاع فقط، ينطوي على مخاطر، من بينها، مخالفة مبادئ التخطيط والاستدامة في المناطق الحضرية.

لا يمكن أن نخفي أن قطاع الإسكان والبناء يعرفان الكثير من الأنشطة غير الرسمية، وهذا ينطوي على مخاطر وعواقب، تؤثر على جودة المباني ومحيطها والبيئة التي تشيد فوقها.

لذلك، أحد الأهداف قصيرة المدى بالنسبة للوزارة، هو في إنشاء نظام بيئي للمساكن، ونعمل على هذا المشروع مع جميع المتدخلين في القطاع، والهدف منه، تعزيز معايير السلامة، بدأ من مرحلة تصنيع مواد البناء.

*في السياق ذاته، ما قصة الاحتقان الذي عرفته إعادة توطين ساكنة دوار "الواسطي" بعين السبع بالدارالبيضاء؟

صراحة تناول هذا الملف لم يكن وفق ما وقع بالضبط. قبل أن تشرع السلطات في نقل الأسر، تم عقد اجتماعات مكثفة منذ مدة مع هؤلاء، وكان ممثلوهم على اطلاع في ما يتعلق بكل كبيرة وصغيرة تهم عملية إخلاء دور الصفيح بدوار "الواسطي".

بل أكثر من ذلك، تم إلغاء موعد إخلاء الدوار أكثر من مرة، بناء على طلب من ممثلي السكان، وكانت السلطات تستجيب لطلبهم.

*لكن ساكنة الدوار يشتكون من المنطقة التي سوف يرحلون إليها، وعدد منهم مرتبط بعمل ودراسة، مورد رزقهم يوجد بالقرب منهم، ألا ترون أنه من الصعب عليهم تقبل هذا التحول؟

لا يمكن أن نغفل أن عملية إعادة التوطين، كما ناقشنا سلفاً، ليست بالعملية السهلة، ويجب أن ترافقها عدد من الإجراءات المتكاملة، لذلك، نبحث في خطة طريق الوزارة عن تنزيل نماذج سكنية تحضر فيها المقاربة الاجتماعية والاقتصادية، وتوفر للمستفيدين جميع ولوجيات الحياة والمرافق الضرورية، خاصة النقل والصحة والتعليم.

*هل وضعتم خارطة طريق بالتنسيق مع باقي الاستراتيجيات القطاعية الأخرى التي تؤثر على قطاع الإسكان، خاصة ما يتعلق باستهلاك الطاقة والتوجه المغربي نحو الاعتماد على الطاقات المتجددة والبديلة؟

بالطبع، نحن نشارك بشكل كبير في جميع البرامج المتعلقة بنجاعة الطاقة، لأن الإسكان يمثل نسبة 30 في المائة من استهلاك الطاقة.

كما أننا نضع بعين الاعتبار المشاريع الموجهة للوسط القروي، ونستحضر أن جميع المشاريع يجب أن تتم بالتنسيق مع أهداف مخطط المغرب الأخضر وتنمية العالم القروي.

الإسكان يمثل نسبة 30 في المائة من استهلاك الطاقة

الوزارة تعمل في مشاريعها بناء على اتفاقيات الشراكة التي توقعها مع عدد من الشركاء، وهم وزارة التعليم والداخلية والشباب والرياضة والاتصال والثقافة، فضلاً عن الجماعات الترابية... هناك تقدم على هذا المستوى، لكن يجب بذل المزيد من الجهد لتحقيق التقارب بين مشاريع مختلف القطاعات.

*دعا الملك، قبل فترة، إلى ضرورة إعادة النظر في النموذج التنموي. والأكيد أنه فور إعداده، يمكن إعادة النظر في توزيع جميع المخططات الاستراتيجية، الاقتصادية والاجتماعية للمملكة. هل يمكن أن تشكل مواجهة النموذج التنموي مشكلة لخطة العمل التي أطلقتها وزارتكم؟

نحن في قلب نموذج التنمية الجديد الذي يضع الناس في قلب جميع البرامج.

التوجيهات الملكية واضحة بخصوص هذا الشأن، ودعوته لإعادة صياغة نموذج تنموي جديد، تحمل ضمان الحق في السكن اللائق والبيئة المعيشية الصحية، من خلال استهداف أكثر الفئات المحرومة والطبقة الوسطى، مع التركيز على معالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية.

لذلك، نرى أن كل توجهاتنا ومقترحاتنا في خريطة الطريق تسير في هذا الاتجاه.

ومن بين أهم المشاريع التي جاءت بها خريطة الطريق الخاصة بالوزارة، العمل على برنامج كبير لصالح المشاريع الصغيرة.

هدفنا هو العمل على المساعدة التقنية والهندسية المجانية في العالم القروي، لصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة

هدفنا هو العمل على المساعدة التقنية والهندسية المجانية في العالم القروي، لصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة، ومنحها إمكانية الاستثمار في مشاريع السكن الاجتماعي.

في السابق، كانت المقاولات الصغرى والمتوسطة تجد صعوبة في ولوج الاستثمار في قطاع السكن الاجتماعي، بسبب الحد الأدنى لعدد الوحدات السكنية التي يجب أن تشيدها، هذا العدد سوف نخفضه كي نمنحها فرصة لولوج هذه المشاريع، خاصة في المناطق القروية.

*في نونبر 2017، قدم الوزير السابق محمد نبيل بن عبد الله مقترحات حول الإسكان للطبقات المتوسطة، والتي تم سحبها في اللحظة الأخيرة من مشروع ومالية 2018. هل سيتم إعادة هذا المقترح إلى جدول أعمال الوزارة؟

هناك تفكير في إيجاد منتوج موجه للطبقة المستوطة. وبخصوص هذا الجانب، نناقش عدداً من الإجراءات الضريبية وتجاوز منطق الاعفاءات.

الفكرة السائدة اليوم، هي التوجه نحو منح مساعدات مباشرة للمشترين. مع ضمان توزيع معقلن لإنشاء هذه المشاريع كي لا يجد المستثمرون صعوبات في التسويق.

الفكرة السائدة اليوم، هي التوجه نحو منح مساعدات مباشرة للمشترين

وأخبركم، أنه في سياق الإعداد لقانون مالية 2019، الوزارة دخلت في مناقشات مع وزارة الاقتصاد والمالية، هناك أمور تسير في منحى متقدم وسوف نعلن عن كل شيء في وقته.

*في مدينة كبيرة مثل الدار البيضاء، حيث يعيش من يقطنها صعوبات في الحصول على سكن، سواء بالشراء أو الكراء، هناك آلاف القطع الأرضية الفارغة والمنازل المهجورة أو المقفلة في أحياء بقلب المدينة. كيف ستحل هذه المشكلة؟

في الواقع، المدن تتطور بطريقة فوضوية دون استغلال جميع الإمكانيات الموجودة، خاصة الوعاء العقاري، وهذا هو الحال بالنسبة للدارالبيضاء.

نحن ندرس اليوم مقترحات لاستغلال مخزون المساكن الشاغرة، والتي من شأنها أن تؤثر على مليون منزل. لكننا نحتاج إلى تعميق البحث في أسباب هذه الظاهرة: هل هو تأخر في التسويق؟ أو عدم تطابق بين العرض والطلب؟ بالنسبة لهذا الجانب هناك مشاريع كبرى يجب أن نبرمجها.

نحن ندرس اليوم مقترحات لاستغلال مخزون المساكن الشاغرة، والتي من شأنها أن تؤثر على مليون منزل

*أطلق الملك، من مراكش، مشاريع لإعادة تثمين المدن العتيقة، ومن بينها مراكش والصويرة وسلا ومكناس وغيرها. نود أن ننقل لك هنا صوت مغاربة مدينة آسفي، هؤلاء يشتكون من تهميش مدينتهم، ويطرحون سؤالاً مفاده: لماذا لا توجد مشاريع لإنقاذ مآثرهم التي تُحتضر؟

المشاريع التي أطلقها جلالة الملك سوف تعيد الحياة لعدد من الأحياء والمدن العتيقة، والأكيد أنها ستساهم في دينامية مجتمعية واقتصادية، ولاحظنا كيف أن حرفيي حي الملاح في مراكش وتجاره ساهموا، بدورهم، في إعادة تهيئة متاجرهم، وأصبح الإقبال عليها أكبر، لذلك، يجب أن نسجل أولاً أهمية هذه المشاريع.

(ممسكاً كتاباً كبيراً حول المدن والأحياء العتيقة في المغرب)، كما تلحظون، هذا الكتاب يتضمن جميع ما يتوفر عليه المغرب من إرث عمراني وحضاري، وهنا، تجدون أكثر من 32 مدينة عتيقة وحي.

آسفي من بين المدن التي سوف تستفيد من مشاريع إعادة التثمين والتأهيل هذه، هذا مشروع كبير، سوف ينجز على مراحل.

*دعنا نمر إلى الشق السياسي. كيف كان دورك كوسيط بين الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بن عبد الله والأمين العام لـ"البيجيدي" سعد الدين العثماني، خلال أزمة حذف كتابة الدولة المكلفة بالماء؟

في الواقع، الدور الذي لعبته كان جد متواضع، والاتصال المباشر بين السيد الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية والسيد رئيس الحكومة لم ينقطع. صحيح أن  الحزب عبر عن نوع من الغضب بعد إعفاء شرفات أفيلال، كاتبة الدولة المكلفة بالماء، ولم يفهم الطريقة التي جرت بها الأمور، ولكن بعد هذه المرحلة، عبر ونوه المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية بالدور الهام  الذي يلعبه حزبنا، وعن الإرادة القوية والعزيمة للاستمرار في التحالف مع حزب التقدم والاشتراكية، على أساس الإصلاح وتعزيز البناء الديمقراطي، وهذه كلها رسائل مهمة.

*حكومة العثماني تواجه انتقادات قوية بشأن الأداء ومواصلة الاصلاحات لصالح المواطن. هل نحن أمام حكومة ضعيفة بالنظر إلى حجم المؤخذات اليومية على أدائها؟

ما يمكن التأكيد عليه، هو أن الحكومة مقبلة على فتح العديد من الأوراش المهمة المهيكلة اجتماعيا واقتصاديا.

ونحن في التقدم والاشتراكية، نشدد على ضرورة الحضور السياسي القوي الذي ينبغي أن يواكب العمل الحكومي، عبر التواصل المستمر للحكومة مع المواطنين سعيا إلى تجويد عملية الإصلاحات.

كما تعلمون عقدت اللجنة المركزية للحزب مؤخراً اجتماعها  العادي، والذي تطرقت خلاله للأوضاع التي تعرفها البلاد على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتفاعلها مع نبض المجتمع ومختلف التعبيرات، وفي نفس الوقت ثمنت ما جاء في الخطب الملكية الأخيرة وما يحتويه مشروع قانون المالية من معطيات وإجراءات ذات بعد اجتماعي قوي.

مواضيع ذات صلة

أخبار أخرى

loading...