النفايات الإيطالية.. لجنة تقصي الحقائق تدين الحكومة وتعري اصطدام الصناعي بالبيئي

عبد الرحيم سموكني

فتحت لجنة تقصي الحقائق بمجلس المستشارين النار على حكومة سعدالدين العثماني في قضية استيراد شحنة النفايات الإيطالية قبل حوالي عامين، والتي خلقت ضجة بيئية كبيرة، تزامنت حينها مع استضافة المغرب لقمة المناخ العالمية "كوب22".

نفايات ممنوعة مع وقف التنفيذ

ودعت لجنة تقصي الحقائق الحكومة إلى ضرورة اتخاذ قرار عاجل وواضح بخصوص الشحنة الإيطالية المحجوزة بمنطقة التخزين ببوسكورة.

وسجلت اللجنة ما وصفته بـ"ارتباك وتذبذب" الحكومة في التعاطي مع الشحنة المستوردة من إيطاليا المتعلقة بـRDF التي تعني "النفايات المشتقة كوقود بديل"، حيث أنها أوقفت استيراد جميع أنواع النفايات في مرحلة أولى وأكدت على أن RDF نفايات غير خطرة وتستعمل كوقود بديل مما أثر سلبا على تعاطي الرأي العام الوطني.

اللجنة قالت إن مسؤولي المختبر العمومي للأبحاث والدراسات، المختبر المعتمد على الصعيد الوطني لإجراء بحوث تفصيلية وتحاليل، نفوا أن يكون المختبر تلقى أي طلب إجراء بحث من الوزارة بخصوص الشحنة المستوردة من إيطاليا، وبأن تدخل المختبر اقتصر على المساهمة في أعمال الخبرة والاستشارة في إطار التحقيق الذي باشرته اللجنة المختلطة المعتمدة من وزارة الداخلية، والتي تم تزويدها بجميع التقارير المنجزة لمدة معينة مع جمعية مهنيي الإسمنت.

وأشار المسؤولون المستجوبون إلى أن عملية اللجوء إلى المختبرات المعتمدة أمر ضروري والتعامل مع مختبر LPEE يبقى اختياريا من طرف معامل الإسمنت ومجالات وتوقيت تدخله تظل رهينة بالطلب أو الضرورة. وأن النتائج والتقارير لا تليها عمليات مراقبة وتتبع بشكل رسمي.

مهنيو الإسمنت غير مؤهلين للحرق

وبما أن مهنيي الإسمنت هم أبرز المعنيين باستيراد النفايات المستعملة كوقود بديل، كشفت لجنة تقصي الحقائق أن ممثل مهنيي الإسمنت أفاد أمام اللجنة أن المعامل الإسمنتية غير مؤهلة (100%على حد تعبيره)، مقارنة مع دول أوروبا، بل هي ملزمة للقيام بتجهيزات معينة للوصول إلى المعايير الأوروبية، وبأن معظم النفايات غير الخطرة المستوردة توجه إلى الحرق في مصانع الإسمنت وفقا للاتفاقية المبرمة بين جمعية مهنيي الاسمنت والقطاع الحكومي المكلف بالبيئة والتي وقعت سنة 2003، وبأن هذا التوجه الجديد كلف استثمارات ضخمة خلال السنوات الأخيرة في تجهيز أفران لاستقبال الوقود الصلب المستخرج من النفايات والتحكم في الأدخنة والغبار الناتج عن حرقها.

وبخصوص أحد شركات الاسمنت، فإنها تستوفي نسبة مهمة من حاجياتها من الوقود الصلب من النفايات خاصة العجلات المستعملة، ما من شأنه تخفيف الضغط على مطارح النفايات المنزلية المراقبة، وتقليص نسبة استهلاك أراض وعقارات جديدة لطمر هذه النفايات.

وأشار أحد المسؤولين الإداريين إلى عدم تحقق قسم الوقاية ومحاربة التلوث من القياسات الغازية المنبثقة بأكملها، وكما هو محدد في الاتفاقية وإنما يقتصر فقط على غازي وحيد أكسيد الكاربون ''CO''و غاز الميتان "CH4".

وأشار، من جانب آخر، إلى عدم توفر المختبر الوطني على موارد بشرية وإمكانيات لوجيستيكية للقيام بواجبه وتغطية المراقبة عبر التراب الوطني. ويقتصر عمله، حسب إفادة الشهود، على مراقبة الآليات المستعملة من طرف المختبر العمومي للدراسات والأبحاث.

الداخلية في قفص الاتهام

وقال تقرير لجنة تقصي الحقائق حول شحنة 2500 طن من النفايات الإيطالية أن مختلف الشهود أكدوا  أنه لم يتم توصل أيا منهم كطرف معني بنتائج التقرير المعد من طرف وزارة الداخلية، إلى حدود تقديم شهاداتهم أمام اللجنة.

وأنه على إثر الضجة التي خلفتها عملية استيراد النفايات الإيطالية، جمدت الحكومة بقرار شفوي جميع عمليات استيراد النفايات، وموازاة مع ذلك، كونت لجنة مكلفة بإجراء تحقيق في ملابسات شحنة النفايات الإيطالية تحت رئاسة وزارة الداخلية.

واضاف أن أي جهة مسؤولة ذات الصلة بالملف لا تتوفر على نسخة من التقرير المنجز من طرف وزارة الداخلية في إطار التحقيق الذي قامت به حول عينة من الشحنة المستوردة من إيطاليا؛ إذ رغم الترخيص باستيراد الشحنة الإيطالية التي أثارت الضجة، لم يتم الترخيص، إلى حدود اليوم، بحرقها، مما جعل الشحنة معلقة بمنطقة التخزين غير المؤهلة لحماية الفرشة المائية والهواء.

خلاصات لجنة تقصي الحقائق

اللجنة خلصت خلال عملها على مجموعة من الخلاصات أبرزها:  ضعف البنيات والتجهيزات الأساسية المتخصصة في معالجة النفايات الخطرة مقارنة مع حجم ما ينتج منها في المناطق الحرة بالمغرب، الخصاص في الموارد البشرية بالقطاع الوصي على البيئة والاقتصار على بعض المضامين المسطرية لاتفاقية بازل والانسجام مع مقتضياتها، محدودية قدرة الوزارة الوصية على القطاع البيئي في المراقبة التقنية للنفايات التي تنتجها الوحدات الصناعية في عمليات الحرق.

وقد أثار توقيف عملية الاستيراد للنفايات المستعملة داخل الوحدات الصناعية أضرارا اقتصادية مما جعل الحكومة تتراجع عن منع استيراد النفايات وبقي مشمولا بنفايات RDF فقط، فضلا على أن الحكومة ارتكزت على استيراد النفايات الخطرة وغير الخطرة على مشروع مرسوم 2.14.505، المصادق عليه في المجلس الحكومي، وغير المنشور في الجريدة الرسمية مما يعد خرقا قانونيا واضحا وأخيرا النقص المهول في الوسائل اللوجستيكية والموارد البشرية للشرطة البيئية مقارنة بالمهام الموكولة إليها، حيث لا يمكن ل 70 عنصرا من هذا الجهاز على المستوى الوطني، حسب تصريحات المسؤولين بالوزارة المعنية من إنجاز مهام التتبع والمراقبة بالنجاعة المتوخاة، خاصة في مجال تدبير النفايات المنتجة بالوحدات الصناعية.

هذا استهلاك المغرب من النفايات 

أفاد أحد الشهود أن المغرب ينتج 6 مليون طن من النفايات الصلبة سنويا، منها 340 ألف طن من النفايات الخطرة، ومن ضمنها 40 ألف طن من زيوت الرادياتور المسماة PCB، وتساءل نفس الشاهد عن مآل هذه النفايات، ومكان حرقها، مستخلصا أن 340 ألف طن من النفايات الخطرة لا يصدر منها المغرب سنويا إلا 17 ألف طن عن طريق الشركات المتعددة الجنسية والمؤطرة بقوانين تحترمها هذه الشركات، في حين يجهل مصير الباقي داخل بلادنا على مستوى مكان الحرق أو مع أي مكونات أخرى يتم حرقها.

وقالت اللجنة إن أحد الشهود حمل المسؤولية المباشرة لوزارة التجارة والصناعة في استيراد مادة متلاشيات الحديد (la ferraille) قصد تدويرها في معامل "صوناسيد"، دون تنسيق أو مراقبة مع وزارة البيئة بحكم إمكانية حمل هذه المادة لمكونات مشعة وسامة.

وأفاد أحد الشهود أن مساهمة الجماعات المحلية في إنتاج مادة RDF بمطارحها سيمكنها من تخفيض تكاليف طمر نفاياتها المنزلية، والإسهام في إيجاد حلول للوقود الطاقي البديل، حيث إن 2.5 طن من RDF تعوض 1 طن من الفيول.

وأفاد بعض الشهود أن الحكومة اتخذت، في مرحلة أولى، قرارا بتوقيف استيراد جميع أنواع النفايات بعد ضجة النفايات الإيطالية، قبل أن يتم في مرحلة ثانية إيقاف هذا القرار ليسري فقط على استيراد نفاياتRDF.

كما أكد أحد الشهود خلال جلسات الاستماع أنه تم توقيف عملية استيراد شحنات نفايات RDF بعد الضجة المثارة حول استيراد الشحنة الإيطالية، بتعليمات شفوية فقط.

مواضيع ذات صلة

أخبار أخرى

loading...