بونعيلات: من أخطاء البداية فشل عملية تصفية أحد الخونة

هيئة التحرير

أجرى الحوار: عزيز الساطوري

 إذن العمليات الأولى كانت محفوفة بالمخاطر، بالكاد تتوفرون على بضعة مسدسات وقنابل والرأي العام غير مستعد لقبول فكرة المقاومة، ومع ذلك قررتم الانطلاقة، ما هي العمليات الأولى التي كنت مشاركا في تقريرها أو تنفيذها؟

 لعملية الأولى التي قررنا القيام بها، جاءت بعد حوالي ثلاثة أسابيع من نفي محمد الخامس، مباشرة بعد العملية البطولية التي قام بها الشهيد البطل علال بنعبد الله ضد صنيعة الاستعمار، الدمية ابن عرفة، وكنا قد قررنا تصفية أحد عملاء الاستعمار وهو مفتش شرطة يدعى المسكيني، كان حقودا على الوطنيين وكثيرا ما ألحق الأذى بالحركة، فكان من الضروري أن تتم تصفيته، وذلك من جهة للتخلص من إحدى أدوات القمع التي يستعملها المستعمر ضدنا، وثانيا لتوجيه رسالة وضربة قوية للمستعمر·

 هل كانت هذه العملية قبل أو بعد تصفية مفتش الشرطة "بنيس"؟

 أتت قبلها ببضعة أيام، الفرق بينهما هو أن محاولة تصفية المسكيني فشلت، حيث لن تتم تصفيته إلا بعد أشهر من المحاولة، في حين أن العملية التي استهدفت "بنيس" كانت ناجحة·

 ماهيي تفاصيل العملية الأولى ومن نفذها؟

 أريد أن أوضح في البداية أنه لا بالنسبة للعملية الأولى ضد "المسكيني" أو الثانية ضد "بنيس" كانا بقرار جماعي من مجموعتنا التي أصبحت تتولى قيادة المقاومة المسلحة، فسواء بالنسبة لتعيين "الهدف" أو التوقيت أو المنفذين، كنا نقرر ذلك جماعة، وبالتالي فكلتا العمليتين والعمليات التي تلتها جاءت ضمن نفس السياق الذي شرحته·
بالنسبة للعملية الأولى والتي استهدفت مفتش الشرطة "المسكيني" تكلف بتنفيذها كل من محمد منصور، لحسن سرحان والمذكوري، وقد وزع الثلاثة الأدوار بينهم كالتالي، تكلف منصور والمذكوري بالتغطية، في حين تولى سرحان مهمة اطلاق النار على الخائن "المسكيني"· كان سرحان يركب دراجة، وقد أطلق رصاصتين على مفتش الشرطة، لكنه ظل على قيد الحياة· مباشرة بعد اطلاق النار، فر سرحان بسرعة على متن دراجته الهوائية، كما اختفى كل من منصور والمذكوري، لكن بعض الذين كانوا شهود عيان على العملية أعطوا للمحققين أوصاف سرحان بعد أن تعرفوا عليه فجرى البحث عنه واعتقل في ظرف أيام معدودة·

 ماذا كان تقييمكم لهذه العملية، التي لم تحقق هدفها، أي تصفية مفتش الشرطة المسكيني؟

عقدنا اجتماعا مباشرة بعد ذلك، مازلت أذكر أن موقفي كان إبانها هو أننا يجب أن نكثف من العمليات وفي توقيت متقارب·

 بمعنى أن العملية الأولى ضد "المسكيني" شكلت بالنسبة إليكم درسا لابد من الاستفادة منه بالنسبة للعمليات الأخرى·

 بالفعل، وقد قلت ذلك للشهيد السي محمد الزرقطوني، في الاجتماع الذي أشرت إليه، وقد ناقشنا الموضوع بتمعن، واتضح لنا في الأخير أن القيام بعمليات متفرقة، لن تؤتي أكلها، إذ أنها لن تكون عمليات موجهة للاستعمار وأدواته القمعية، كما أنها لن تحقق الهدف الآخر المنشود وهي إثارة انتباه الرأي العام و·خلق تعاطف شعبي مع الفدائيين· فكما أشرت، ففي العملية الأولى كان هناك بعض المواطنين الذين تعرفوا على لحسن سرحان منفذ العملية وأعطوا أوصافه للشرطة، لقد استوعبنا بأن ما حدث كان من أخطاء البداية، والشعب لم يكن ضد الفدائيين، كل ما هناك أنه فوجئ بهذه العمليات وجرأتها، كما أن حركة الفداء كانت تخطو خطواتها الأولى، وستتأكد تحليلاتنا فيما بعد عندما أصبح من السهل على الفدائيين بعد تنفيذ عملياتهم الذوبان في أوساط الشعب الذي أصبح الذرع الواقي والحامي للحركة·

 ماذا قررتم إذن في هذا الاجتماع؟

 في هذا الاجتماع تم الاتفاق على تنفيذ عملية تصفية الخائن "بنيس" بالمدينة القديمة، وبالفعل نفذت بعد أيام قليلة وكانت عملية ناجحة·

 من الذي نفذها؟

 لا أتذكر بالضبط الذي قام بإطلاق النار على مفتش الشرطة الخائن، لكن الذي خطط لها وتكلف بالسهر عليها هو الشهيد السي محمد الزرقطوني، كان هو المسؤول عن العملية من البداية إلى النهاية، وقد نفذت العملية بنجاح حيث تم اغتيال الخائن، وكانت ضربة موجعة للمستعمر والخونة والمتعاملين معه، ولأنها جاءت بعد أقل من شهر من نفي محمد الخامس، فقد كان لها وقع كبير على مختلف الأصعدة، ومنحت هذه العملية الثقة لحركة المقاومة المسلحة، وكانت أول عملية ناجحة تنفذ بواسطة مسدس·

 هل تتذكر هذا المسدس؟

 كان المسدس الذي ذكرته في السابق، مسدس طومسون من طلقة واحدة، وهذا يؤكد ما سبق وأشرت إليه، إذ أن بداية عمليات حركة المقاومة كانت بأسلحة قليلة، كل من يكلف بتنفيذ عملية تمنحه المسدس والرصاص اللازم، وبعد أن ينفذها يعيد السلاح، ليستعمل في عملية أخرى، السلاح الفعال لم يتوفر لنا إلا بعد مدة من انطلاق العمليات الفدائية·

 السي اسعيد أريد أن أعود لعملية المسكيني لتوضح لي الظروف المحيطة بها، فقبل أن نبدأ هذا الحوار المطول، وفي معرض اطلاعي على عدد من المؤلفات التي خصصت لهذه المرحلة، هناك من ذكر بأن محاولة تصفية مفتش الشرطة الخائن "المسكيني" تمت قبل التحاقكم بالخلية الأولى التي كانت تضم الشهيد الزرقطوني والمؤسسين الأوائل، وأن خليتكم التي كانت تتكون منك أنت ومن محمد منصور ولحسن سرحان وعبد السلام بناني، نفذت هذه العملية بانفصال كامل عن الجماعة التأسيسية·

 كلا، هذا غير صحيح، عندما تم تنفيذ العملية التي استهدفت "المسكيني" كنا قد التحقنا بخلية الشهيد الزرقطوني، وقد تمت كما ذكرت قبل أيام قليلة من تصفية الخائن "بنيس"·

 نفس الكتابات ذكرت أنك أنت ومحمد منصور وعبد السلام بناني، كنتم تشكلون خلية فدائية موازية لخلية الزرقطوني أو تنظيم منفصل عن التنظيم الأم، وأنه عندما عرفت المجموعة المؤسسة بأمركم طلبت من عبد السلام بناني التحاقكم بالمجموعة·

 الذي حصل أن الشهيد محمد الزرقطوني والتهامي نعمان والعرايشي وغيرهم من المؤسسين الأوائل، طلبوا من عبد السلام بناني اقتراح أعضاء جدد ليلتحقوا بالحركة، وهكذا اتصل بي وبصديقي محمد منصور وأخبرنا بوجود خلية للمقاومة المسلحة، وقد حصل ذلك لأننا كنا خلال نشاطنا داخل حزب الاستقلال وبفضل علاقتنا الوطيدة قد اقتنعنا بضرورة حمل السلاح دفاعا عن استقلال المغرب وكرامته، كان كل واحد منا قد اقتنع واتخذ قراره، وكنا نبحث عن الوسيلة والكيفية التي سنقوم من خلالها بتصريف أو تفعيل القرار الذي أصبح جاهزا، وجاء ذلك عن طريق المرحوم عبد السلام بناني، وقد كان المرحوم من الوطنيين المعروفين لدى أجهزة الأمن الاستعمارية عكسنا نحن، لذلك قمنا بإخفائه بعيدا عن أعين المستعمر وأذنابه حتى لايتعرض للاعتقال، وبدأنا نحن نتحمل مسؤوليتنا في إطار الكفاح المسلح لضرب الاستعمار في العمق، ردا على الجرائم التي قام بها وإقدامه على نفي محمد الخامس، وبالفعل مالبثنا أن "دخلنا للمعقول" وبدأنا نضرب بقوة في إطار عمليات مدوية سيكون لها صدى كبير على جميع الأصعدة، وستلفت الانتباه داخل وخارج المغرب، وأصبحت المقاومة عاملا ومؤثرا في الساحة·

 تحدث لنا عن المحاولة التي قمت بها لتفجير قناة البترول التي كانت تربط بين النواصر وبن اجرير·

 قمت بهذه المحاولة رفقة محمد منصور ومقاوم آخر·

 هل تذكر من كان ذلك المقاوم؟

 للأسف لم أعد أذكر اسمه، على كل حال، قررنا أن نقوم بتخريب قناة البترول وكانت تربط بين النواصر وبن اجرير، ركبنا السيارة، وكنت أنا من يتولى سياقتها وتوجهنا عبر الطريق الرابطة بين الدارالبيضاء وسطات، وفي المنطقة المحددة، وجدنا الحراسة مشددة وبوغتنا بقوات الدرك قبل الشروع في التنفيذ، فقررنا الانسحاب وعقدنا العزم على العودة في وقت آخر لتنفيذ العملية، لكننا وبعد التطورات اللاحقة صرفنا النظر عنها·

 متى كان ذلك بالضبط؟

 لم أعد أذكر، لكني أعتقد أنها كانت في الأشهر الأولى لبدء عمليات المقاومة المسلحة، لقد قمنا بعدد من العمليات والمحاولات "شحال قدني مانعاود" هناك العديد من العمليات لم يذكرها أحد، لأن الاهتمام انصب فقط على العمليات الكبرى والمدوية، وفي الحقيقة فالعمليات التي نفذتها المقاومة أو قامت بمحاولات لتنفيذها بدون أن تنجح، عمليات عديدة ويصعب حصرها، نظرا للمدة الزمنية التي تفصلنا عنها، كما أن العدد الكبير لخلايا المقاومة التي رأت النور، والضربات التي وجهت للقيادة، كل ذلك يجعل من الصعب تذكر كل المهام التي قمنا بها، كما أريد أن أشدد على أن ادعاء شخص واحد، مهما كانت مسؤوليته في قيادة المنظمة السرية أو حركة المقاومة المسلحة، بأنه ملم بكل تفاصيل تلك المرحلة، ادعاء بعيد عن الصحة، لقد قام كل واحد منا بأداء الدور المنوط به، حسب مقدرته، ويكفيه شرف ما قام به في سبيل الوطن، أما القول بأن شخصا ما أو فلان هو الذي قام بكل شيء، فذلك غير صحيح، والأفضل أن يتحدث كل واحد عما قام به أو عرفه عن قرب، وبذلك يمكن تجميع شتات ذاكرة المقاومة· وشخصيا لا أريد أن أذكر إلا الأشياء التي قمت بها وأعرفها، أما غير ذلك فلا أجد سببا يدعوني لقول العكس·

أخبار أخرى