تحقيق.. ديكتاتورية الأئمة تطمس معالم الأمازيغية

© ياسين التومي
م. مازوليي/ ح. حمداني هيئة التحرير

في قلب وادي دادس، يشن أئمة وجمعيات إسلامية حربا على عادات المنطقة. وهم يروجون، في الخفاء، لإسلام أصولي يزرعونه في أذهان السكان.

لليوم الثاني على التوالي، تحتفل قرية قلعة مكونة، الواقعة على وادي دادس، بعرس حليمة وعبد العزيز. العروس ذات العشرين ربيعا مغطاة الرأس بالغطاء التقليدي الأحمر، "التاوكايت"، تقف جامدة دون حراك وسط حشد صاخب. حولها، تلتف عشرات النساء مرتديات أوشحة مزينة بالقطع المذهبة، وأحجبة طويلة من نسيج الشيفون الأبيض أو الأسود. بمجرد تقديم الشاي والتمر، حتى تقف أربع نساء، يضعن الكتف على الكتف في خط مستقيم أمام الحضور، ويبدأن في التمايل على إيقاع البندير. مرتديات ثيابا تحمل ألوان العلم الأمازيغي، تشرعن في ترديد أغاني أحيدوس.

هذه الرقصة المغناة تتم عادة بين فتيات وشباب الدواوير المجاورة، في آخر ليلة من ليالي العرس، وتستمر إلى بزوغ أشعة الصباح. لكن هنا، لا أثر لأي رجل في المكان. هؤلاء، أقاموا حفلا خاصا بهم ليلة أمس، تناولوا طبق اللحم والخضر التقليدي، ثم استمعوا لإمام القرية، الذي أتى لتلاوة أحاديث نبوية بهذه المناسبة. "لسنا من العائلات التي تختلط أثناء رقص أحيدوس. القرآن يحظر الاختلاط، ونحن نحترم ما يقوله القرآن، حتى لو حرم تقاليدنا"، يشرح محمد، 39 سنة، قريب العروس وأستاذ التربية الإسلامية.

على حلبة الرقص، صباح، ذات الستة عشر ربيعا، ترتدي تكشيطة تقليدية سوداء ومذهبة اللون وتتمايل على إيقاعات البندير. "أفضل ألا يختلط الرجال بالنساء، لكي تستطيع النساء الرقص بحرية. على كل حال، الدين يفرض ذلك، فالاختلاط حرام"، تصرح وهي تبحث عن نظرات تؤيدها ممن حولها.

© ياسين التومي

إسلام دخيل

حرام.. كلمة تتكرر كثيرا في هذه المنطقة، حيث ومنذ عامين، يشن أئمة القرى حربا شرسة، ليس فقط ضد أحيدوس، لكن ضد التقاليد الأمازيغية كافة. "الهدف هو إعادة أسلمة القبائل الأمازيغية، التي لطالما مارست إسلاما معتدلا ومتسامحا. إسلام انضاف إلى ممارسات سابقة له زمنيا، يعتبر حياة الإنسان هي الأولوية"، تقول مريم الدمناتي، عضو المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات.

"إعادة الأسلمة" هو تعبير يعتمده النشطاء الأمازيغ للتنديد بالإسلام الأصولي، الذي تريد بعض الجماعات فرضه على المنطقة. بالنسبة لمريم الدمناتي، فإن الفكرة هي إقناع سكان المنطقة، أن عاداتهم وممارساتهم الثقافية تتنافى مع الإسلام الحقيقي، وأن جهلهم للدين الحقيقي (وللغة العربية) أدى إلى كونهم على خطأ منذ القدم.

"أحد الشبان المنحدرين من دوار مجاور، قتل منذ سنتين شابا آخر، خلال احتفالات بعرس رُقص خلالها أحيدوس مختلطا. وهو الحدث الذي استغله الأئمة من أجل تبرير حملة الأسلمة التي يقومون بها"، يشرح ابراهيم، رئيس الجمعية الأمازيغية المحلية أمزيز، وأحد ساكنة قرية بولمان-دادس. هذا الأستاذ السابق للغة الإنجليزية يحكي، أنه وابتداء من تلك الفترة، انطلق كل الأئمة بالمنطقة في تأنيب الساكنة: "كان إمامنا يقول للناس إن كل الرجال الذين يرقصون أحيدوس بحضور النساء، سيقع عليهم عذاب الله".

"لا تختلطوا"

منذ هذه الحملة، تعرف المنطقة اليوم، نوعين من العائلات: التي ترقص أحيدوس باختلاط، والتي تفصل الرجال عن النساء. "بمعنى أن هناك العائلات المحترمة، التي تتبع تعاليم الإسلام، وأخرى غير محترمة لها ممارسات علمانية بالأحرى إلى حد الآن" يقول ابراهيم. زواج ابنته ديهية، كان الأول من نوعه الذي يقام بعد تهديدات أئمة المنطقة. "قمت بدعوة نساء الدوار والدواوير المجاورة، واستقدمت فرق أحيدوس محترفة، وتحدث لهن عن تاريخ الأمازيغ، ثم أعطيتهم الكلمة للتعبير بحرية".

 في المساء عندما ذهب للسوق، وجد الانتقادات في انتظاره. "لقد اتهموني بغسل دماغ هؤلاء النساء، وإفساد أخلاقهن، كما عاتبوني على عدم تلاوة القرآن خلال حفل الزواج"، يتذكر ابراهيم. زميله حميد، أستاذ التكنولوجيا ببولمان-دادس، يستنكر بدوره هذه التغيرات: "نجد في العائلة ذاتها، بعض الأفراد الذين يرفضون الحضور للحفلات التي تفصل فيها النساء عن الرجال، حيث يتم حرمانهم من لحظات السعادة هذه، وتقدم لهم في المقابل مراسيم احتفال حزينة".

© ياسين التومي

على بعد بضعة كيلومترات من بولمان-دادس، تقع قرية أيت يحيى، حيث يُبرز الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة مدى تشبع الثقافة المحلية بالأصولية التي بثت فيها. الجمعية المحلية تين-هينان نظمت تظاهرة في الهواء الطلق، وقبل تناول طبق الكسكس بالخضر السبع التقليدي، تابع الحاضرون عروضا لفرقة محترفة لأحيدوس. "نحن مضطرون لاستقدام فرقة محترفة لأن سكان القرية أصبحوا يرفضون أن تمارس بناتهم هذه الرقصة. هذا مؤسف لكن ليس لدينا خيار آخر"، يقول خالد، نائب رئيس الجمعية. إلى جانب هذا، فالرجال الذين قدموا لمشاهدة الاحتفال، رفضوا الجلوس مع النساء أمام المنصة. "لا نخلط الرجال مع النساء"، يقول أحد الحضور بنبرة جافة، قبل أن يضيف، "لن أترك ابنتي أبدا ترقص بهذا الشكل أمام الرجال، حتى لو كان ذلك من تقاليدنا الأمازيغية.. سيكون ذلك عارا وعيبا في حق عائلتنا".

في الجهة المقابلة، تجلس نسوة بهدوء، على سجادة وردية طويلة. زينب، 24 سنة، التي تكاد ملامحها لا تظهر من خلف حجابها الأزرق السماوي الطويل، تتأسف لأنه لا يمكنها الرقص. "لن يكون أبي سعيدا إذا علم بالأمر، سيشعر بالعار مني. هذا يزعجني، أتذكر حفلات الأعراس عندما كنت صغيرة"، تقول بنبرة من الحنين ونظرات شاردة. هذه الآراء لا تعجب خالد، الذي يعتبر المرأة في التقاليد الأمازيغية، رمزا للاستقلال والحرية. "إن هذه العقلية الجديدة هي التي تقول إن بناتنا يجب ألا يراهن أحد، وليس تقاليدنا".

الوشم المنبوذ

 في أيت عبدون، وهي قرية تبعد 5 كيلومترات عن بولمان-دادس، الخطاب ذاته سائد. من الصعب مصادفة نساء في أزقة هذه القرية الصغيرة، وإن حدث وخرجن، فأغلبيتهن يرتدين حجابا أسودا طويلا، لا صلة له بالملابس التقليدية الملونة. من وجه فاطمة، 36 سنة، لا نرى إلا الجزء العلوي، حيث يخفي حجابها آثار مداد الوشم على ذقنها. هذا الوشم الذي كان مفخرة بالأمس، أصبح اليوم وصمة عار وخطيئة. تحكي فاطمة أنها، عندما كانت تقطن بمنطقة إمغورن، الأقل تأثرا بهذا الخطاب الأصولي نظرا لموقعها النائي وسط الجبال، لم يكن أحد يوجه لها أية ملاحظة. اليوم، عندما تمشي في أزقة قرية أيت عبدون التي قدمت إليها مؤخرا، فهي تشعر بالعار حيال وشمها: "كلما التقيت أحدا، سواء في المسجد، أو عندما أتحدث مع نسوة الدوار، يقال لي إن وشمي حرام وعلي إزالته".

إحدى السيدات تضع الوشم، وترفض الكشف عن وجهها / صوورة ياسين التومي

الوضع ذاته يتكرر بالنسبة لجارتها، تلوحو، 47 سنة، التي وشم ذقنها وهي في عامها السادس، وتقول: " في تلك الفترة لم يكن أحد ينزعج من ذلك، لأننا لم نكن نعلم أنه محرم في الدين. لم نكن نذهب للمسجد ولم نكن نقرأ القرآن. اليوم، وبعدما علمنا بالأمر، نريد إزالته بأي ثمن". ولأن إزالة الوشم بأشعة الليزر باهض الثمن، فهذه السيدة التي لا تظهر منها للعيان إلا عينها تحت حجابها الأزرق الطويل، قررت استعمال طريقة مغايرة: "نمزج الصابون البلدي مع الرماد والكلس، ثم نضعه على بشرتنا.. إنه مثل الحمض، ألمه لا يمكن احتماله"، تشرح تلوحو.

عندما سألنا عائشة، 36 سنة، عما تعتقده بخصوص الوشم الأمازيغي، أجابتنا الشابة ذات النظرة خجولة، مرددة بشكل غريزي تقريبا آية من القرآن: "لعن الله الوشم والواشمين"، هذا ما قاله لنا الإمام في المسجد".

© ياسين التومي

عندما نتقدم أبعد في الجبال التي تحيط بالوادي ونصل إلى قرية أيت يضيف، نلاحظ أن الحجاب أقل تغطية للوجه، والألوان أكثر زهوا، لكن النتيجة هي ذاتها. " يأتي عندنا الأئمة ليقولوا للنساء بوجوب ارتداء ملابس طويلة تغطي الجسم أكثر، وأقل تلونا ليكن أقل إثارة"، يشرح الثلاثيني عبد السلام. هذا الشاب الذي يعيش مع أخواته  في منزل صغير قرب كهوف دادس، يحكي أنه، وقبل أيام، قدم الإمام الجديد لأحد المساجد المجاورة شخصيا من أجل تذكيرهم أن القرآن يحرم أحيدوس: " قال لنا إنه إذا استمرينا في رقص وغناء أحيدوس، فإن كل صلواتنا وأفعالنا الصالحة خلال اليوم تعتبر ملغية وأن الله سيعاقبنا".

" قال لنا إنه إذا استمرينا في رقص وغناء أحيدوس، فإن كل صلواتنا وأفعالنا الصالحة خلال اليوم تعتبر ملغية وأن الله سيعاقبنا".

عكس أختهم زهراء التي تزوجت في احترام تام للتقاليد الأمازيغية قبل سنوات، قالت عائشة وفاطمة اللتين كانتا جالستين باحتشام في الطرف الآخر للغرفة، إنهما لن ترقصا أحيدوس خلال عرسيهما. "الإمام على حق، لا يجب أن نفعل ذلك وعلينا ستر أنفسنا. هذا ما يريده الإسلام، وعلينا احترامه"، تقول الأولى مستسلمة. خلفها، أختها ذات النظرة الحيوية والخطاب الأقل محافظة، تعقب باستسلام: "حتى لو كان ذلك من صميم تقاليدنا".

تحركات سرية

"هناك ثلاث جماعات إسلامية رئيسية تسللت إلى المساجد والنسق الاجتماعي بأكمله للمنطقة: جمعيات مقربة من العدالة والتنمية، العدل والإحسان، والدعوة والتبليغ"، يشرح موحا، 35 سنة، وهو ناشط أمازيغي. لقد تشكلت شبكة واسعة لبسط، معتمة ومتشعبة، حول هذه الحركات. "العدل والإحسان تعمل في الظل وهي منظمة تنظيما محكما. الدعوة والتبليغ جماعة للإقناع، وهابية، ممولة من طرف المملكة السعودية. ينشر أعضاء هذه الحركات أفكارهم من خلال اختراق الجمعيات الخيرية المحلية، هدفهم هو تغيير الأخلاق، وتمهيد الطريق لفرض أفكارهم المتخلفة"، يحلل الباحث أحمد عصيد. هذا الأخير، وهو ناشط أمازيغي منذ عقود، وصوت العلمانية، يشن منذ سنوات حربا شرسة ضد الإسلاميين، وخصوصا حزب العدالة والتنمية، الذي يتهمه بممارسة إسلام قهري.

قراءة الواقع بهذا الشكل تجعل رأي المدافعين عن القضية الأمازيغية حول المسألة مجانبا للحقيقة، يؤكد مصدر من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مشيرا إلى توظيف بعض الناشطين الأمازيغيين لهذه التطورات الأخيرة.

© ياسين التومي

من الصعب تحديد هويات الذين يحاربون تقاليد المنطقة، لأن كل شيء يتم في السر وفي مناخ يطبعه التكتم. عندما نطرح السؤال على ساكنة المنطقة، رد الفعل يكون غالبا هو ذاته. سكان هذه القرى الصغيرة الواقعون بين سندان جلاء الجواب ومطرقة خطر اتهام أشخاص بعينهم، يرفضون دائما الإدلاء بالأسماء المضبوطة لمن يصفونهم بـ "الملتحين". "بالتأكيد أعرفهم، كل الناس هنا يعرفونهم. إنهم غالبا معلمون أو مدراء مؤسسات تعليمية. لكنهم يعملون في الظل، وغالبا ما تتم اجتماعاتهم في سرية في بيوت أحدهم"، يقول مدير إحدى المدارس في بولمان-دادس، فضل عدم الكشف عن هويته. لقد انتشر قانون التكتم في جميع أنحاء الوادي، و"تسميتهم خطر كبير"، كما يؤكد متأسفا.

© ياسين التومي

يحكي المدير، أنه خلال هذه السنة، حاول أحد الحراس العامين الجدد بالمدينة الحصول على عضوية مكتب جمعية آباء وأولياء تلاميذ مدرسة عمر بن الخطاب العمومية. "يقدم نفسه على أنه نقابي من الاتحاد المغربي للشغل، لكننا نعلم أنه أولا وقبل أي شيء آخر عضو في العدل والإحسان، وهو ما جعل السلطات المحلية ترفض ترشيحه"، يضيف مدير المدرسة. قبل أسابيع، وجد أستاذ للعلوم الطبيعية بتنغير، شخصين "ملتحيين" وهما يتناولان الشاي في صالون جدته في دوار أيت تومرت. "لقد كانا عضوين مقربين من جماعة الدعوة والتبليغ، كان عمي من أتى بهما من المسجد. كانا يشرحان لأفراد الأسرة أن المسلمين كانوا أقوى من الجميع في الماضي، وأنه، وبسبب ترك الناس مثلهم للدين اليوم، فإن العرق العربي ينقرض"، يتذكر الأستاذ، الذي يؤلمه كون أسرته مجبرة على الصمت باحترام أمام هذا النوع من الخطابات.

الوعظ

من بين الطرق الأخرى للترويج لهذا الفكر، ثمة الرحلات المنظمة من طرف رجال الدين الأجانب أو المحليين إلى أعماق الجبال. "تقوم الجماعات الدعوية بجولات تمتد من 3 إلى 40 يوما في مختلف المناطق، من أجل شرح رؤيتها للإسلام، من بينهم يمنيون وقطريون"، يؤكد حسن الصالحي، أستاذ اللغة العربية ببولمان-دادس، مشيرا ضمنيا إلى أن الإسلام الذي يروجون له، وتحديدا بالنسبة لليمنيين والقطريين، بعيد كل البعد عن الإسلام الممارس في هذه المناطق منذ قرون.

محمد، 59 سنة، المعروف بالحاج في قرية أيت عوفي، شارك ثلاث مرات في هذا النوع من البعثات. على مدى ثلاثة أيام، كان هو وعدد من رجال الدواوير المجاورة، يتجولون بحقائبهم من مسجد لآخر. "هناك، تعلمت الصلاة، القيام، والتفريق بين الحلال والحرام.. كنت أعتبر نفسي مسلما، لكنني لم أكن كذلك في الواقع"، يقول شارحا. هذا المغني السابق المعروف في المنطقة بأغانيه الملتزمة تجاه حقوق الأمازيغ، لا يفوت صلاة من الصلوات، وقد أصبح يحلم، بعد أن توقف عن التدخين والشرب، "بحياة هادئة بعيدة عن الترف والحداثة"، كما يقول.

وبالنسبة للنساء، فعملية الاستقطاب تتم عادة عبر دروس محو الأمية. بتمويل من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تنشط عدة جمعيات لمحو الأمية بين صفوف النساء في المجال القروي، من خلال تقديم دروس في اللغة العربية عبر نصوص دينية. فاطمة، 36 سنة، تشارك كمعظم نساء قرية أيت سدرات في دروس محو الأمية التي تحتضنها قاعة مجاورة للمسجد: " نتعلم أساسا الصلاة وتلاوة القرآن. كما يقولون لنا إن النساء والرجال ممنوعون من الاختلاط بعضهم ببعض لأن ذلك حرام في الدين".

© ياسين التومي

إذا كانت فاطمة لا تبدو بأي حال من الأحوال خائفة من هذا النوع من الخطابات، فإن والدة خالد، التي تابعت نفس الدروس قرية أيت واهي، تغيرت تماما: "كانت كل يوم تعود للمنزل بعد الدرس، وتقول لي إنه علي أن أمتنع عن فعل هذا الشيء أو ذاك لأنه حرام. هي التي لم تكن تضع سوى حجاب خفيف، أصبحت تريد أن ترتدي الخمار، ذلك حجاب طويل".

اتصلنا بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي بدت مطمئنة. "نحن لا نشجع هذه الممارسات، بل بالعكس، نحن ندينها"، صرح أحد مصادرنا الذي أضاف أن ما يقال في المساجد مراقب تماما ومنهجيا.

المخترقون

بدوره، موحا، 29 سنة، لاحظ في جماعته، إيميطر، المتواجدة على بعد بضعة كيلومترات من هنا، نفس الظاهرة. وهو ينصت لتصريحات صديقه خالد السالفة، لم يستطع إخفاء امتعاضه من الوضع، حيث عقب قائلا: "الوضع ذاته بالنسبة لأختي، لقد كانت فتاة عادية تدرس وتناضل من أجل عدد من القضايا، ثم بدأت في حضور تلك الدروس التي نصحتها بها إحدى صديقاتها، التي تعرفت عليها خلال إحدى المظاهرات"، منذ ذلك الوقت، أصبحت الفتاة ترتدي الحجاب ولا تسلم على الرجال. "فيما بعد، ذهبت إلى تنغير، وهناك علمت أن تلك الفتاة تقدم دروسا في مقر حزب العدالة والتنمية"، يضيف موحا.

في جماعة بولمان-دادس، "يتسلل بعض أعضاء العدالة والتنمية إلى النقابات مثل الإتحاد المغربي للشغل في قطاع التعليم"، يؤكد أحد المعلمين في مدرسة بالمدينة. "عندما يحل مدرسون جدد وشباب بالمدينة، يهرعون إليهم لإقناعهم بأفكارهم الأصولية، ويدعونهم للتوجه أكثر للدين والقدوم للمسجد"، يضيف المتحدث. الوضع نفسه تعيشه تنغير، حسب أحد الفاعلين الجمعويين المحليين.

حاولنا في تيلكيل الاتصال برئيس جماعة تينغير، المنتمي لحزب العدالة والتنمية، عمر عباس، لكن كل اتصالاتنا معه باءت بالفشل. "يستغل حزب العدالة والتنمية شبكة الجمعيات المدنية من أجل الترويج لأفكاره، ولكن عكس جماعتي الدعوة والتبليغ، والعدل والإحسان، فهو حزب سياسي مرخص من طرف الدولة، ومن ثمة فاختراقهم للمجتمع سهل وإن كان سريا"، يعلق أحمد عصيد الذي يعتقد أن فكرة هؤلاء هي إغراق النسيج الاجتماعي لتمهيد الطريق قبل كل انتخابات.

© ياسين التومي

في الوقت ذاته، تواصل منطقة دادس فقدان جاذبيتها وجماليتها شيئا فشيئا. ففي قرية أيت عبدون الصغيرة، أصبح صمت الشوارع المهجورة أكثر ثقلا. صوت الأذان بمفرده عندما يسمع من بعيد، يمكن من مشاهدة أشخاص في الأزقة المظلمة. النساء، اللواتي يخرجن غالبا مرتديات لحافا أسود كبير الحجم، يتركن حينها مواقدهن ويسرعن الخطى نحو المسجد. دقائق قليلة بعدها، ومباشرة بعد انتهاء الصلاة، يعدن إلى منازلهن، متفاديات نظرات الرجال الجالسين على الأرصفة المقابلة، ليحرمن مجددا القرية من أصواتهن وحضورهن.

هيمنة ثقافية.. ألم واسع النطاق

محاربة تقاليد الاختلاط بين الجنسين ظاهرة تلم بمختلف المناطق الأمازيغية. الصحفي هشام حديفة، مؤلف "التطرف الديني: غوص في الأوساط الراديكالية في المغرب"، لاحظ نفس الظاهرة في منطقة آسني. "هذه الظاهرة بدأت في بداية سنوات 2000، حيث نجد جماعات سلفية راديكالية خلف الحرب على الاختلاط. وبسبب نشاطها، فإن فن أحواش والوشم الأمازيغي في طريقهما للإندثار"، يحكي الكاتب.

الظاهرة ذاتها وجدت لنفسها مرتعا في منطقة زاكورة، حيث الفرق الموسيقية لأحواش، أصبحت تحضر بدون العنصر النسائي لمهرجان الموسيقى التقليدية بأكدز. "من هو هذا الرجل الذي يريد أن يظهر زوجته ترقص في العلن؟"، يصرح حسن بلغزافر، رئيس فرقة موسيقية تقليدية لأقلال في تمرغوت، وهي منطقة تبعد بحوالي 20 كلم عن زاكورة.

شهادات مشابهة استقتها ليال غانم في فيلمها الوثائقي "لهدجامن"، (ذاكرة في الجسد، أي الوشم بالأمازيغية)، قيد الإنتاج. "البعض يقول إن النار ستشتعل في وشمنا وبأننا سنحرق في جهنم؟ ماذا فعلنا لنستحق العذاب في جهنم؟"، تتساءل سيدة عجوز قدمت شهادتها في الفيلم الوثائقي. كعدد من النساء غيرها، تتأسف هذه العجوز على ما تسميه اليوم "طيش شباب". "الجيل الأخير من النساء الأمازيغيات اللواتي وشمن أجسادهن، يعشن اليوم بين الخجل والشعور بالذنب.

تلك الرموز التي تحيل على هوية الأجداد، تعتبر حراما في الإسلام، وأصبحت اليوم تشكل مصدر قلق لهؤلاء النسوة، في حين أنهن لم يخترن الوشم في الأساس"، تقول ليال غانم. وتضيف المخرجة أن طبيبا في بني ملال، أصبح متخصصا في إزالة الوشم، وأن زبوناته في تزايد مستمر.

(نشر في مجلة تيلكيل، عدد 753. ومن إنجاز مارغو مازوليي وحسن همداني).

مواضيع ذات صلة