تحقيق .. هكذا اغتنى موزعو المحروقات في المغرب بعد تحرير الأسعار

هيئة التحرير

 لم يغتنوا بهذا الشكل قبل تحرير الأسعار. بعضهم ضاعف هامش أرباحه مرتين والبعض الآخر 3 مرات، وكل ذلك على حساب المستهلك.

من المستفيد من تحرير أسعار المحروقات ؟ إنهم الموزعون. فمنذ أن رفعت الدولة يدها عن تحديد أسعار الغازوال والبنزين في دجنبر 2015، لم تتوقف "أفريقيا"، "فيفو انرجي"، "طوطال المغرب"، "وينكسو"، "بيتروم"... وغيرها من الشركات عن الاغتناء بنسب ضخمة.

مثال شركة "طوطال المغرب":

في سنة 2016، التي اتسمت بمزيد من حرية السوق، تمكن الفاعل رقم 3 بسوق المحروقات من مضاعفة أرباحه 3 مرات، إذ انتقلت من 289 مليون درهم خلال سنة 2015 إلى 879 مليون درهم بعد عام واحد. أداء غير مسبوق، تسبب في صدمة بسوق المحروقات بعد نشر نتائج الشركة، المجبرة على كشف حساباتها للعموم بسبب وضعها القانوني كشركة مدرجة بالبورصة، حتى أن المنافسين وجهوا لها اللوم على دخول هذه السوق المالية في ماي 2015. فقد تكهن الجميع باستفادة الموزعين من تحرير السوق، انطلاقا من أبسط سائق وصولا إلى مهنيي النقل، وهو الأمر الذي أكدته "طوطال" بشكل ملموس.

وتسير مؤسسة "فيفو اينيرجي"، التي تعتبر ثاني أكبر فاعل بالقطاع في نفس المنحى. إذ بحسب الأرقام التي تحصلت عليها TelQuel من مصادر موثوقة، ورفضت إدارة الشركة التعليق عليها سواء بالنفي أو التأكيد، فقد تضاعف هامش الموزع الذي يُسوق منتجات "شيل"، منتقلا من 63.2 دولار إلى 122.6 دولار للمتر المكعب، أما الأرباح فتضاعفت بدورها 3 مرات تقريبا لتصل إلى 58 مليون دولار في نهاية 2016 بعدما كانت في حدود 22 مليون دولار. وقال مصدرنا إن "هذا المستوى ليس ضخماً فحسب، بل يتعدى بمسافة كبيرة النسب المحققة باقتصادات مشابهة للاقتصاد المغربي. ففي جنوب افريقيا مثلاً، لا يتعدى الهامش 30 دولاراً للمتر المكعب لدى فرع شركة شيل".

سطو بمحطات الوقود

بات فاعلو القطاع إذن أكثر غنى منذ تحرير الأسعار. بحيث يفيد أحد أرباب شركات التوزيع، رافضاً ذكر اسمه، بأن "الأمر يتعلق باستدراك مخلفات السنوات العجاف". وهو ما وصفه عدد من المحللين الاقتصاديين وخبراء القطاع بـ"السطو".

فمنذ قيام الدولة برفع يدها عن تحديد الأسعار، أضحى الفاعلون أحرارا في نهج سياسة الأسعار التي تناسبهم. منذ ذلك الحين والأصوات ترتفع احتجاجاً على ممارسات الموزعين، الذين لا يقايسون أسعار التزويد داخل المحطات مع متغيرات أسعار النفط عالمياً، ويحققون بالتالي أرباحا إضافية على حساب المستهلك.

يبدو هذا الاستنتاج منطقيا، حين نقارن تطورات سعر المواد الأولية بسعر المنتج النهائي. ويبقى النموذج الأوضح في هذا الإطار، ذاك الذي تم تسجيله في دجنبر 2015، أول أشهر دخول التحرير حيز التنفيذ. ففي وقت كان سعر الغازوال المكرر بروتيردام (التي تعتبر سوقاً مرجعياً بالنسبة للمستوردين المغاربة)، يشهد تراجعا بأكثر من 20 في المائة، لم تنخفض الأسعار بالمحطات المغربية سوى بـ 0.89 في المائة. نفس الملاحظة سُجلت بالنسبة لشهر يناير من سنة 2016 حيث كان سعر الغازوال المكرر يواصل انخفاضه بـ17 في المائة، بينما اكتفى الموزعون المغاربة بتخفيضه بنسبة 2.56 في المائة فحسب.

خلط في المخزون

الفاعلون لا ينفون هذه الحقيقة، لكنهم يبررونها بـ"بنية الأسعار". فمن الطبيعي أن تراجع أسعار النفط أو المواد المكررة عالمياً لا يؤثر بشكل مطلق على الأسعار المحلية. يرجع هذا لكون نصف سعر الوقود فقط من يعتمد على أسعار البترول المكرر. بينما النصف الثاني مرتبط بالضرائب التي لا تنخفض، وبسعر صرف الدرهم مقارنة بالدولار (الذي ارتفع بـ 2% لسنة 2016، ما يعني ارتفاع سعر مشتريات المواد المكررة). زيادة على ذلك، ثمة دائماً فارق زمني بين انخفاض سعر المادة الأولية والمنتج النهائي، ما يكفي من الوقت لنقل وتخزين وإعادة نقل ثم توزيع البنزين. إذ يوضح أحد أرباب شركات التوزيع أن "الفارق الزمني يعادل المدة اللازمة للتخزين، والتي تحتاج إلى 15 يوماً كمعدل".

وبما أن الموزعين لا ينطلقون من مخزون مقداره صفر، فإن كلفة التموين التي تؤخذ بعين الاعتبار بالمحطة ليست هي نفسها بالنسبة لبضاعة تم اقتناؤها للتو، بل تعادل المعدل بين المشتريات الجديدة والمخزون الموجود سلفاً. بحيث يضيف المتحدث نفسه: "وهكذا يختلط المخزون، ليصبح السعر النهائي معتمداً على المخزون السابق". تحليل منطقي، غير أنه لا ينطبق إلا على الحالة التي تؤول فيها السوق للانخفاض.

تفاعلية متباينة

مثال على ذلك: حين ارتفعت أسعار الغازوال المكرر بـ14.43 % في ماي 2016، رفع الموزعون السعر داخل المحطة بأكثر من 10 %. مما يعني أن ارتفاع الأسعار دوليا يتم تحميله بشكل كلي وفوري تقريبا للمستهلكين، أما في حالة الانخفاض، فسيبحث الموزعون أولا عن التخلص من مخزونهم السابق الذي تم اقتناءه بسعر أعلى. هذا الفارق هو ما يفسر انفجار هوامش الأرباح خلال سنة 2016.

ولتأكيد هذا الطرح، قمنا بحساب العلاقة بين سعر الغازوال منذ التحرير (بأخذ تأثير صرف العملة والكلفة اللوجيستيكية بعين الاعتبار)، وبين معدل الأسعار بمحطات التزويد لدى معظم الموزعين، (معطيات عن موقع globalpetrolprices.com، الدولي والمتخصص في مراقبة أسعار المحروقات). النتيجة تتحدث بنفسها: فالعلاقة الإجمالية بين السعر العالمي وبين الثمن المطبق بمحطات التزويد يساوي 0.78، أي أن أسعار الغازوال المكرر بروتردام تؤثر بنسبة 78 % على السعر النهائي، بينما يصل هذا المعامل إلى 0.88 حين يتعلق الأمر بحالة ارتفاع، وإلى 0.76 فقط في حالة الانخفاض. ما يعني بأن الموزعين يرفعون الأسعار بنسبة 88 % من الارتفاع المسجل بسوق برورتردام، بينما لا يتعدى تلك 76 % من الثمن الذي انخفض به السوق الدولي.

قمنا بعرض هذه الأرقام على أحد مهنيي القطاع. قراءته كانت قاسية لكن واضحة: "مقايسة حالات الارتفاع على الزبون أسهل من حالات ارتفاع الأسعار، بحيث لا نستطيع بيع المخزون بالخسارة في حالة الانخفاض. في هذه الحالة، ثمة قصور في تجديد المخزون. بينما في الحالة المعاكسة تحظى الكلفة الهامشية للتجديد بالأولوية في تحديد السعر". بالنسبة للمتحدث، فالأمر يتعلق فقط باعتبارات تهم تدبير المخاطر والمخزون. إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون أساساً لتضخيم أرباح الموزعين على حساب المستهلكين.

وسبق لوالي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، أن أشار إلى هذا التباين في تفاعلية الأسعار بين حالة الارتفاع والانخفاض، خلال ندوة صحفية في 27 من شتنبر 2016 على هامش الاجتماع الفصلي للبنك المركزي بالقول: "بحسب الأرقام والحسابات التي نتوفر عليها، لدينا انطباع بأن مقايسة الانخفاض لا تتم بشكل كامل".

استقالة الدولة

ما قول الدولة في هذا ؟ لا شيء تقريبا. مصدر من داخل وزارة الشؤون العامة والحكامة أفاد بأنه "ينبغي التدقيق في هذه الملاحظات، وعدم الجزم فيها قبل القيام بتحليل رصين، لمختلف عناصر النتائج التي حققتها  كل شركات القطاع وتطورها في الزمن". ويضيف المتحدث نفسه مؤكداً أن "القطاع حر في اختيار بنية الأسعار التي تلائمه وتناسب بنية تكلفة الإنتاج". بمعنى آخر، فإن تطور الأسعار وهوامش أرباح الفاعلين ليست لا من شأن الدولة، ولا من شأن لحسن الداودي الوزير الوصي. اتصلت TelQuel بسلفه، محمد الوفا، مهندس رفع الدعم ومن ثمة التحرير، الذي اكتفى بالقول "إن الوقت غير مناسب للحديث في الأمر"، لأنه يخشى أساساً من التسبب في ضجة سياسيوية.

ورغم الطابع الاقتصادي لهذه الإشكالية، إلا أن الاغتناء السريع لموزعي الوقود قد يتخذ شكلاً سياسياً أيضاً، لاسيما أن رائد القطاع ليس إلا شركة "أفريقيا"، التي يُعتبر عزيز أخنوش الوزير القوي والشخصية الحكومية البارزة، مساهماً أساسياً فيها. يقول أحد المهنيين "إذا كان هامش تشغيل طوطال قد ارتفع إلى 14.7 %، فإن هامش أفريقيا سيكون أعلى بكثير"، مؤكداً أن الشركة المملوكة بالشراكة بين عائلتي أخنوش وواكريم، تعتبر أكبر مستفيد من التحرير، بفضل قدراتها الهائلة على التخزين التي تخول لها تسيير السوق كما يحلو لها. معطيات لم نتمكن من التأكد منها من لدن الشركة ومسؤوليها، الذين رفضوا بشكل قاطع الإجابة عن أسئلتنا. كما لم نحصل على أية إفادة من "تجمع البتروليين المغاربة" الذي يرأسه عادل الزيادي مدير "أكوا غروب" الذي يعتبر الشركة الأم لـ"أفريقيا". الأخير لم يشأ لا التعليق على حقيقة تضاعف هوامش الربح، ولا الحديث عن آثار وتداعيات تحرير الأسعار، رغم كونه رئيساً لجمعية الموزعين.

من زاوية نظر ليبرالية، فإن "استقالة" الدولة من تنظيم أو مراقبة الأسعار قد يبدو شرعياً. إلا أنه في فرنسا مثلاً، حيث السوق حر منذ عقود، تواصل الدولة تأدية دورها الرقابي على الفاعلين. ففي سنة 2011 مثلاً، هددت "كريستين لاغارد"، والتي كانت آنذاك وزيرة الاقتصاد في حكومة "فرونسوا فيون" اليمينية، بإنزال عقوبات على البتروليين الذين أشار إليهم تقرير المديرية العامة للاستهلاك والمنافسة وردع الغش. بعد أن كشفت الوثيقة مماطلة الموزعين في مقايسة هبوط أسعار البرميل على السعر المحلي بالمحطات، في وقت يسارعون إلى جعل المستهلك يدفع ثمن الارتفاع فور حدوثه، تماما كما يجري بالمغرب. غير أن صرامة السلطات العمومية في بلادنا أقل بكثير.

مؤطرات

منافسة.. رائحة التواطؤ؟

التحرير يؤدي مبدئياً للمزيد من المنافسة. منافسة تتجلى على مستوى الخدمات وبالأخص على صعيد الأسعار. كما هو الحال بالنسبة لقطاع الاتصالات حيث لم تتوقف الأسعار عن الانفخاض منذ رفع الدولة يدها عنه بداية الألفية الجديدة. بينما في القطاع النفطي، مازلنا لا نلمس هذه المنافسة. فلا شك أن الموزعين استفادوا من رياح الحرية للتنافس في مجال إطلاق أنواع جديدة من الوقود ذي القيمة المضافة العالية، إلا أن أسعار الغازوال والبنزين لا تزال عمليا هي نفسها عند كل الشركات. فالاختلافات بين عدة محطات بالحي نفسه لا تتجاوز بضعة سنتيمات، هذا إن لم تكن متطابقة.

لإثبات فرضية وجود تواطؤ من عدمها، قام مجلس المنافسة بإطلاق تحقيق حول الممارسات داخل السوق. وقال عبد العالي بنعمور رئيس المجلس: "إن التحقيق قد أطلق بعد أن تلقى مراسلة من جمعية محلية، لكننا لا نستطيع إلى حدود الساعة إثبات فرضية وجود اتفاق بين الموزعين".

وعلى أي حال، فمن الصعب إثبات وجود تواطؤ، لأنه من غير الممكن تصور اجتماع الفاعلين حول مائدة واحدة لتقريب وجهات نظرهم، لاسيما أنه من الأسهل عليهم فقط الانضباط للسعر الذي يقترحه رائد القطاع حين يغير الأخير أسعار المحطات. يقول رئيس إحدى شركات التوزيع بأن الأسعار ليست من مسؤولياتهم. مستطرداً: "نحن نقوم فقط باقتراح سعر على مدراء المحطات، الذين يملكون الكلمة الأخيرة في تحديد السعر داخل المحطة". تُهم رفضها بشكل قاطع زكرياء الرباع، الأمين العام للمكتب الجهوي للدار البيضاء الكبرى، بالفيدرالية الوطنية لأرباب محطات الخدمة، قائلاً: "نحن نتلقى بالفعل مقترحات بخصوص الأسعار، ولكنكم تعلمون بأننا لا نستطيع فعل ما يحلو لنا بها. فباستثناء بعض الحالات الخاصة، بقي هامش مدراء المحطات محدداً في 3 %، كما كان الأمر عليه في النظام السابق". والحق أن الدولة وحدها هي التي تملك وسائل الرقابة الكفيلة بالجزم في الجهة التي على حق في هذا التراشق.

التخزين.
عصب الحرب

قال أحد قيدومي القطاع، "إن الأرباح توجد في المشتريات لا في المبيعات". تصريح يلخص كيف أن التموين يعتبر مفتاح الأرباح التي جناها الموزعون. بحيث يستطيع الفاعلون توجيه السوق واللعب على تقلبات المخزون، وبالتالي رفع هوامشهم الربحية، في حال امتلكوا القدرة على شراء وتخزين كميات كبيرة من المادة، حين تكون أسعارها في حالة انخفاض.

كذلك هو حال "طوطال المغرب" التي استفادت بشكل كبير من مفعول تقلبات المخزون في نتائجها لسنة 2016. إذ يرى أحد الفاعلين بأن "من يتحكم في التخزين، يتحكم في السوق". في الوقت الراهن، من يملك القدرة الأكبر على التخزين بالسوق المغربية هي "أفريقيا"، بواقع 980.000 متر مكعب (حسب آخر الأرقام المتاحة)، بعيداً جداً عن منافسيها (فيوفو انرجي وطوطال) اللذين يمتلكان بقدرة على التخزين قدرها تواليا 247 ألف متر مكعب، و198 ألف متر مكعب.

وباعتباره عصب الحرب في هذا النشاط الاقتصادي، فالتخزين بات يثير عدة معارك داخل القطاع، ذلك أن الموزعين يوظفون ملايير الدراهم لزيادة قوتهم، والتموقع في أبرز نقاط الدخول إلى التراب الوطني. آخر حالة رصدت بهذا الصدد، حصول "وينكسو" قبل عدة أيام على تراخيص إدارية لإنشاء محطة لاستيراد وتخزين وتصدير وتبادل الوقود بالجرف الأصفر، تعادل طاقتها الاستيعابية 600 ألف متر مكعب، كما سيستثمر لأجلها مليار درهم. مما سيمكن من رفع القدرات الإجمالية لتخزين الوقود خارج المصفاة بنسبة 50 %. تؤكد مصلحة التواصل لدى "وينكسو".

مواضيع ذات صلة