تفاصيل أول مشروع قانون للطب الشرعي في المغرب

تمارس مهمة الطب الشرعي في المغرب بلا نص قانون يؤطرها
أحمد مدياني

"إن الطب الشرعي بالمغرب وإن كان يشكل نشاطاً مهنياً قائماً بذاته، فإن ممارسته لم تخضع لأي إطار تشريعي أو تنظيمي خاص أو واضح ومضبوط"، كما أن "الواقع العلمي في مجال الطب الشرعي بالمغرب، أفرز معطى أساسي يتمثل في كون الجزء الأكبر من التشريحات الطبية المأمور بها من طرف القضاء يمارسها أطباء ليس لهم تخصص طبي معترف به في هذا المجال". كان هذا مقتطف من تقديم الأمانة العامة للحكومة لمشروع قانون رقم 77.17 الذي يتعلق بتنظيم ممارسة مهام الطب الشرعي، والذي يكشف أن مهنة جد حساسة كهذه، كانت تمارس دون أي سند قانوني وفي غياب شبه تام للموارد البشرية.

مشروع القانون الذي سوف يُعرض على المجلس الحكومي يومه  الخميس 20 شتنبر الجاري، ويتوفر "تيل كيل عربي" على نسخة منه، يروم إلى وضع الإطار القانوني، في سياق "مواكبة الترسانة القانونية لتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتطوير آليات العدالة الجنائية".

ويأتي مشروع القانون الخاص بمهنة الطب الشرعي، حسب نص الأمانة العامة للحكومة، بمبادرة من وزارة العدل، باعتباره أحد المهن المساعدة للقضاء.

مهنة بلا قانون ولا موارد بشرية

كشف مشروع قانون رقم 77.17 لتنظيم ممارسة الطب الشرعي أن هذا الأخير لا يتوفر على اطار قانوني ينظمه، باستثناء "أحكام المرسوم الصادر في 6 أكتوبر 1999 بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الاطباء والصيادلة وجراحي الأسنان المشتركة بين الوزارات"، هذا المرسوم أشار بشكل مقتضب لممارسة الطب الشرعي وتشريح الجثث وكرست مقتضياته مبدأ اعتبار مهنة الطب الشرعي وتشريح الجثث مقتصرة على العاملين بالقطاع العام".

كما تحدث تقديم مشروع القانون، عن نقص حاد في الموارد البشرية، بل ذهب حد الإشارة إلى أن  "الجزء الأكبر من التشريحات الطبية المأمور بها من طرف القضاء يمارسها أطباء ليس لهم تخصص طبي معترف به في هذا المجال". وأضاف أن "المغرب لا يتوفر على عدد مهم من الأطر الطبية المتخصصة في ميدان الطب الشرعي، خصوصاً وأن العدد القليل من الأطباء الشرعيين الموجودين حاليا يعملون بمستشفيات بعض المدن الكبرى".

مضامين مشروع القانون

يهدف مشروع قانون الطب الشرعي إلى تحديد الجهات الطبية المخول لها مزاولة مهام الطب الشرعي، عن طرق تحديد المقصود بالطبيب الممارس لهذه المهام وتحديد اختصاصاته وحقوقه وواجباته.

كما حدد مشروع القانون كيفية انتداب الطبيب الممارس لهام الطب الشرعي والجهات المخول لها انتدابه بالإضافة إلى تنظيم العلاقة بين هذه الأطراف، وكذا التنصيص على الحالات التي يتعين فيها لزوم الأمر بإجراء التشريح الطبي، مع تحديد حالات وكيفيات إجراء التحليلات على الأشلاء والعينات.

ومنح مشروع القانون الجهات القضائية المختصة، وحدها، صلاحية الأمر باستخراج الجثث التي تكون محل بحث قضائي، مع الإقرار بمبدأ استقلالية الطبيب الممارس لمهام الطب الشرعي في شأن القضايا الموكلة إليه من قبل السلطة القضائية، وكذلك تمتيع الطبيب بالحماية القانونية أثناء مباشرته لمهامه وبمناسبتها، مقابل إلزامه بواجب كتمان السر المهني والتقيد بقواعد الحياد والتجرد والنزاهة والشرف.

ووضع مشروع القانون أيضا نصوصاً لتحديد البيانات الضرورية التي يتعين على الأطباء الممارسين لمهام الطب الشرعي تضمينها في تقاريرهم.

كما نص على ضرورة رفع تقارير حول السير العام لأنشطة الأطباء الممارسين لمهام الطب الشرعي، بدوائر نفوذ محاكم الاستئناف إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، على أن يقوم هذا الأخير برفع التقرير التركيبي المنجز على ضوء التقارير السالفة الذكر إلى الوزارتين المكلفتين بالعدل والصحة.

الطبيب الشرعي ومهامه

ينص مشروع القانون، على أن الطبيب الشرعي من مساعدي القضاء، ويمارس مهامه وفق الشروط المنصوص عليها في هذا القانون، والنصوص التشريعية والتنظيمية الأخرى الجاري بها العمل.

ويمارس هذه المهمة الأطباء المختصون في الطب الشرعي طبقاً للتشريع الجاري به العمل بهذه الصفة في جدول الهيئات الوطنية للطبيبات والأطباء، وأطباء الطب العام الذين حصلوا على شهادة للتكوين المتخصصة في إحدى مجالات الطب الشرعي مسلمة من قبل إحدى مؤسسات التعليم العالي الطبي.

ويلزم مشروع القانون، بضرورة تحديد برنامج التكوين ومدته ومؤسسات التعليم العالي المؤهلة للقيام به بنص تنظيمي.

كما أدخل مشروع القانون، في خانة الذين يحق لهم ممارسة الطب الشرعي، الأشخاص الاعتبارية العامة أو الخاصة، شريطة أن يكون الأشخاص الممارسون لهذه المهمة من الفئتين السالف ذكرهما.

وحددت للطبيب الشرعي 10 مهام، وهي:

* الفحص السريري للأشخاص المصابين جسمانيا أو عقليا بغرض وصف الإصابات، وتحديد طبيعتها وأسبابها، وتقييم الأضرار البدنية الناتجة عنها، وتحديد تاريخ حدوثها، والوسيلة المستعملة في إحداثها، وتحرير تقارير أو شهادات طبية، حسب الحالة، بشأنها.

*إبداء الرأي الفني في الوقائع المعروضة على القضاء والمتصلة بمجال اختصاصه، ولا سيما فيما يتعلق بفحص وتحديد الآثار الملاحظة على أجسام الضحايا الناجمة عن الجرائم.

*تقدير السن بناء على انتداب الجهات القضائية، أو بناء على طلب من كل ذي مصلحة، أو في الأحوال التي ينص عليها القانون.

* فحص أو أخذ هينات الأشخاص الموضوعين رهن الحراسة النظرية، أو المحتفظ بهم، أو المودعين بمؤسسة لتنفيذ العقوبة، لتحديد طبيعة الإصابات اللاحقة بهم، وسببها وتاريخها.

*معاينة وفحص وتشريح الجثث والأشلاء لبيان طبيعة الوفاة، وسببها وتاريخها، والمساهمة عند الاقتضاء في تحديد هوية المتوفى، ووصف الجروح اللاحقة به مسبباتها.

*حضور عملية استخراج جثث الأشخاص المشتبه في سبب وفاتهم من القبور ومعاينتها.

*الانتقال لإجراء المعاينات وأخذ العينات المفيدة للبحث.

*رفع العينات العضوية على الأجسام بما فيها المواد المنوية والدموية والشعر والعينات النسيجية وإبداء الرأي بشأنها إلى القضاء.

*إعطاء التفسير الطبي لنتائج الفحوص والتحليلات لنختلف العينات العضوية، كذا مختلف المواد كالمخدرات والسموم والإفرازات الجسيمة ومخلفات إطلاق النار، والتي تم إنجازها من طرف مختبرات معتمدة ومنتدبة.

*القيام بكل مهمة أخرى يمكن أن يكلف بها من قبل الجهات القضائية المختصة المتصلة بطبيعة مهامه.

حالات إجراء التشريح الطبي

ويضع مشروع القانون الخاص بالطب الشرعي، أربع حالات يتعين على السلطات القضائية المختصة الأمر بإجراء التشريح الطبي، وهي: الوفاة الناتجة عن الاعتداء الجسدي أو الجنسي، والوفاة الناتجة عن التسمم، والوفاة التي تقع في أماكن الوضع تحت الحراسة النظرية أو الاحتفاظ أو الاعتقال أو بمؤسسات تنفيذ العقوبة أو التدابير الوقائية أو ومراكز الإيداع، والوفاة الناتجة عن الشك في حالة تعذيب، وأخيراً الوفاة الناتجة عن الانتحار أو عند الشك فيه.

ويشعر أحد أقارب الهالك من طرف ضابط الشرطة القضائية أو النيابة العامة أو قاضي التحقيق بعملية التشريح المأمور بها، لحاجيات البحث أو التحقيق. ويضمن هذا الإشعار في المحضر المنجز.

أحكام تأديبية وزجرية

وينص مشروع القانون، على مجموعة من الأحكام التأديبية والزجرية، يتعرض لها الطبيب المنتدب للقيام بمهام الطب الشرعي، في حال ارتكب خطأ مهنياً، وتتخذ هذه الإجراءات من طرف الهيئات التأديبية المختصة، وذلك طبقا للتشريع الجاري به العمل.

ويعد كل إخلال غير مبرر، حسب نص مشروع القانون، من طرف الطبيب الممارس للطب الشرعي في تنفيذ الانتدابات القضائية الموجهة إليه، أو كل تأخير عندي وغير مبرر في إنجازها، خطأً مهنيا يمكن أن ينشأ عنه مسؤوليته التأديبية.

ويمنع مشروع القانون، على أنه بعد المصادقة عليه، يمنع ممارسة الطب الشرعي أو مزاولة أحد مهامه المحددة في هذا القانون دون أن يكون مخولاً له ذلك، ويعتبر منتحلاً لصفة ينظمها القانون، ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من مجموعة القانون الجنائي.

كما يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين وغرامة من 1200 إلى 5000 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، كل شخص عرقل أو حاول عمل الطبيب الممارس للطب الشرعي المنتدب من قبل الجهة المختصة في إطار المهمة الموكولة إليه.

ويعاقب كل طبيب بتهمة شهادة الزور، حسب العقوبات المقررة لها في مجموعة القانون الجنائي، كل طبيب ممارس للطب الشرعي منتدب بمقتضي مقرر قضائي، وقدم رأيا كاذبا أو ضمن تقريره وقائع يعلم أنها مخالفة للحقيقة أو أخفاها عمداً.

كذلك، ينص مشروع القانون، على أن كل طبيب ممارس للطب الشرعي منتدب بمقتضى مقرر قضائي، أخل بواجب كتمان السر المهني المنصوص عليها في المادة 8 من هذا القانون، يعتبر مرتكبا لجريمة إفشاء السر المهني ويعاقب بالعقوبات المقررة لها في مجموعة القانون الجنائي.

في الأخير، يقول مشروع القانون، بضرورة تقدم الأطباء الذين لا يحملون دبلوم التخصص في الطب الشرعي والذين يمارسون مهامه، عند دخول هذا القانون حيز التنفيذ، بملاءمة وضعيتهم مع أحكام هذا القانون، وذلك في أجل لا يتعدى 5 سنوات الموالية لتاريخ نشر النص التنظيمي للقانون.

مواضيع ذات صلة

loading...