تمويل التعليم.. مسؤولون يعرفون "الأسر الميسورة" المعنية بالمساهمة

الجدل مستمر حول مجانية التعليم
الشرقي الحرش

أعادت مصادقة الحكومة على مشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، الجدل مجددا حول مجانية التعليم، بسبب اقرار مشروع القانون على فرض رسوم جديدة تدفعها الأسر الميسورة التي يتابع أبناؤها دراستهم في التعليم العالي والثانوي التأهيلي، تاركا أمر تحديدها لنص تنظيمي سيصدر بعد مصادقة البرلمان على مشروع القانون الإطار ونشره في الجريدة الرسمية.

من هي الأسر المعنية بدفع الرسوم؟ سؤال طرح "تيل كيل عربي" على أكثر من عضو في المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي أعد الرؤية الاستراتيجية للإصلاح، لكنه لم يحصل على إجابات شافية، إذ أكدت جل المصادر أن النقاش داخل اجتماعات المجلس كانت حول مبدأ فرض الرسوم من عدمه، أما معايير تحديد الأسر التي سيتم إعفاؤها، أو التي ستكون معنية بالمساهمة في تمويل التعليم، فهذا أمر متروك للحكومة باعتبارها سلطة تنفيذية.

رأي الحكومة

 حاولت الحكومة أكثر من مرة طمأنة الأسر المعوزة والمتوسطة، مشددة على أن الأسر الميسورة هي المعنية بدفع رسوم التسجيل.

 وخرج كل من رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، والناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي مباشرة بعد المصادقة على مشروع القانون الإطار لينفيا وجود أي توجه للحكومة لإنهاء مجانية التعليم، لكن هل تملك الحكومة تصورا لتحديد "الأسر الميسورة".

اقرأ أيضاً: هكذا تحدث الملك محمد السادس عن مجانية التعليم والأسر الميسورة

 بحسب لحسن الداودي، وزير الشؤون العامة والحكامة، ووزير التعليم العالي سابقا، وأحد أبرز المدافعين عن فكرة فرض رسوم التسجيل على الأسر الميسورة، فإن الأمر سيخضع للنقاش، ولن يتم مس أي فقير، معتبرا أن الهدف من هذا الإجراء هو إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وتمكين أبناء الفقراء من الدراسة في أجواء جيدة.

ويرى الداودي في تصريح لـ"تيل كيل عربي"، أن التحدي هو تحسين وضعية الفقراء، وإعفاء الفئات المعوزة والمتوسطة، مضيفا أن معايير التحديد ستراعي الاختلافات المجالية، "فالموظف الذي يبلغ راتبه 10 آلاف درهم يعتبر فقيرا في مدينة كالدار البيضاء والرباط"، أما الذين يتجاوز دخلهم 15 ألف و20 ألف درهم شهريا ويدرسون أبناؤهم في القطاع الخاص، فهم مستعدون لأداء ألف درهم سنويا إذا ما قدمت لهم ضمانات أن أبناؤهم سيدرسون في ظروف جيدة، بحسبه.

 وبحسب الداودي، فإن الأمر قد لا يتطلب إجراء دراسة معمقة في الموضوع، بل إن النص التنظيمي المقبل يمكن أن يتحدث عن الحد الأدنى لدخل الأسر المعنية بأداء هذه الرسوم، لكن قرارا كهذا سيحتاج بعض الوقت ولا يمكن تطبيقه بين عشية وضحاها.

 وبالعودة إلى الرؤية الاستراتيجية، نجدها قد نصت بالحرف على "إقرار رسوم للتسجيل في التعليم العالي، ولاحقا، في التعليم الثانوي التأهيلي، مع تطبيق مبدأ الإعفاء الآلي على الأسر المعوزة، وذلك في إطار تفعيل التضامن الاجتماعي، وفي ضوء الدراسة قيد الإنجاز بصدد تمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتنويع مصادره"، وهو ما تضمنته النسخة الأولى من مشروع قانون الإطار، قبل أن تقوم الحكومة بتعديله، وتنص صراحة على أن الأسر المعنية بدفع الرسوم هي "الأسر الميسورة"، وليست المعوزة أو المتوسطة، التي سيتم إعفاؤها، بحسب ما أكد مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي باسم الحكومة في ندوة صحفية عقب المصادقة على مشروع القانون تمهيدا لعرضه على المجلس الوزاري.

اقرأ أيضاً: كواليس لقاء العثماني بنقابة حزبه حول مجانية التعليم

دفاع مجلس التعليم عن مقترحه

 نور الدين عيوش، الفاعل المدني، وعضو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، اعتبر في تصريح لموقع "تيل كيل عربي"، أنه "ليس من المعقول أن يدرس أبناء الطبقات الغنية مجانا"، مؤكدا اتفاقه الكامل مع كل ما جاء في الرؤية الاستراتيجية بشأن تمويل منظومة التعليم.

 وبحسب عيوش، فإن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، يعكف على إنجاز دراسة حول تمويل التعليم، وتنويع مصادره، لكن هذه الدراسة التي من شأنها أن تقدم مقترحات حول معايير تحديد الأسر المعنية لازالت في طور الإنجاز، ولم يتم التقدم فيها بعد.

 واعتبر عيوش أن "جدل معايير تحديد الأسر الميسورة متجاوز، لأن وزارة الداخلية، والمندوبية السامية للتخطيط، ووزارة التضامن يمكنهم القيام بدراسة معمقة لتحديد الأسر المعنية"، مضيفا أن نظام الدخل، والضريبة، وغيرها من المعايير ستكون حاضرة.

اقرأ أيضاً: الاستقلال يلتحق بالرافضين لضرب مجانية التعليم

 وشدد عيوش على أن "معايير تحديد الأسر المعنية لا بد أن تراعي عدد الأطفال المتمدرسين، والسكن، وكذلك ما يتعلق بمكان الإقامة، إذ أن المقيم في الدار البيضاء، ويسكن شقة مؤجرة، ليس كمن يقطن في منطقة أخرى، ويتوفر على سكن ويتقاضى نفس الأجر الذي يتقاضاه المقيم في الدار البيضاء على سبيل المثال، لا الحصر".

من جهته، قال الخبير الاقتصادي والتربوي، إبراهيم شداتي، إنه "لا بديل عن مساهمة الأسر في تمويل المنظومة التعليمية"، لكن هذه المساهمة لا بد أن تراعي مجموعة من الشروط، أولاها تحديد الأسر المعنية بالمساهمة المباشرة، وتحديد معايير موضوعية كمعيار الدخل بالنسبة للموظفين، والعقارات وعدد رؤوس الماشية بالنسبة لساكنة البوادي، وتحديد النسب المئوية للإسهام، فهناك أسر يجب أن تساهم بنسبة مائة في المائة، فيما تساهم أسر أخرى بنسبة 50 في المائة، وإعفاء الأسر المعوزة.

 ويرى شداتي، أن الأموال التي يتم تحصيلها من هذه الرسوم يجب استثمارها داخل المؤسسات التي تم فيها التحصيل من أجل تحسين بنيتها التحتية، واقتناء مستلزماتها وتنمية العرض المدرسي.

 واعتبر شداتي أن أجرأة ما جاء في مشروع قانون الإطار، يتطلب دراسة معمقة تحت إشراف المندوبية السامية للتخطيط، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، قبل الاقدام على فرض أية رسوم سواء على مستوى التعليم الجامعي أو الثانوي التأهيلي.

اقرأ أيضاً: نقابة البجيدي ترفض رسوم حكومة العثماني على التعليم وتحذر من المساس بالمجانية

 معايير الميثاق الوطني للتربية والتكوين

 بالعودة إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي تعثر تنزيله، نجد أن موضوع فرض رسوم التسجيل، أكثر تفصيلا مما جاءت به الرؤية الاستراتيجية للإصلاح.

وهكذا نص مشروع الميثاق على أن "تنويع موارد التمويل يقتضي إسهام الفاعلين والشركاء في عملية التربية والتكوين من دولة وجماعات محلية ومقاولات وأسر ميسورة". لكنه نص أيضا على أن "الدولة تتحمل  القسط الأكبر من تكلفة التربية والتكوين وتضمن تعميم التعليم الإلزامي من سن السادسة حتى متم سن الخامسة عشرة وشروط تمويله لفائدة كل الأطفال المغاربة، بتشارك وتعاون مع الجماعات المحلية، حسب ما لها من استطاعة، وأنه لا يحرم أحد من متابعة دراسته بعد التعليم الإلزامي لأسباب مادية محضة، إذا ما استوفى الشروط المعرفية لذلك".

 وبخصوص معايير تحديد الأسر المعنية بدفع رسوم التسجيل، نص الميثاق على اعتماد الضريبة على الدخل، مع تطبيق مبدأ الإعفاء الآلي للفئات ذات الدخل المحدود، والإنصاف بين الفئات الأخرى.

ونص الميثاق على الإعفاء التام من أي أداء جديد للأسر ذات الدخل المحدود، مع الإعفاء التدريجي للفئات ذات الدخل المتوسط، وأخذ عدد أبناء الأسرة الواحدة المتمدرسين بالتعليم الثانوي بعين الاعتبار، وفي حالة تمدرس متزامن لعدة أبناء لأسرة واحدة بالتعليم الثانوي، تعفى هذه الأسرة من الأداء عن التلميذ الثاني والثالث بنسب متدرجة، حسب قدراتها المادية، كما سمح بإمكانية أداء الرسوم موزعة على أشهر السنة.

 أما على مستوى التعليم الجامعي فنص المشروع على فرضها، مع ضروة إعطاء منح الاستحقاق للطلبة المنحدرين من أسر فقيرة.

اقرأ أيضاً: إنهاء مجانية التعليم.. تحذيرات للحكومة من المس بمستقبل أبناء المغاربة

 رفض نقابي

 أجمعت جل النقابات على رفض ما نص عليه مشروع القانون الإطار من فرض للرسوم على "الأسر الميسورة".

 ولعل مرد هذا الرفض هو التخوف من عدم القدرة على تحديد الفئات المعنية بدفع هاته الرسوم.

 في هذا الصدد، أصدرت الجامعة الوطنية لموظفي التعليم المنضوية تحت لواء الاتحاد الوطني للشغل، الذراع النقابي لحزب العدالة والتنمية اعتبرت فيه أن "مقتضى فرض رسوم يدشن لعهد جديد بالتعليم العمومي ويعد مدخلا للإجهاز على حق التعلم كحق طبيعي لا يتجزأ عن منظومة حقوق الإنسان، كذا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي يكفلها الدستور المغربي وتضمنها الدولة كخدمة عمومية مجانية".

اقرأ أيضاً: فيدرالية جمعيات الآباء: إلغاء مجانية التعليم خط أحمر وقرار جائر

 من جهته، اعتبر محمد درويش، الأستاذ الجامعي، والكاتب العام السابق للنقابة الوطنية للتعليم العالي في تصريح لـ"تيل كيل عربي"، أن الحكومة "تواصل الإجهاز على مجانية التعليم، إذ أن التعليم في المغرب ليس مجانيا، بحسبه، فالتلاميذ يؤدون رسوم التسجيل، وكذلك طلبة المعاهد دون أن يعرف أحد أين تذهب الأموال التي تم تحصيلها".

 وذكر درويش بموقف نقابته التي انسحب ممثلها عبد الكريم مدون من مجلس عزيمان، بسبب رفضه الاجهاز على مجانية التعليم، فيما ظلت باقي النقابات محافظة على عضويتها داخل المجلس، وقبلت بتمرير رأي يضرب في الصميم مجانية التعليم.

 ويرى درويش أن المواطنين قد يؤدون رسوما جديدة، لكن المشكل الأكبر هو غياب الثقة، إذ أن هذه الأسر لم تر أي إجراءات ملموسة في حق المسؤولين عن الوضع الحالي رغم الأموال التي تم رصدها، مشددا على أن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يمر عن طريق ضرب المجانية، واثقال كاهل الأسر.