سياسيون قالوا "لا" للحسن الثاني

هيئة التحرير

تاريخ أحزابنا السياسية وقادتها وسمه تناقض لافت: فبينما كان هناك في شخص الحسن الثاني، ملك معروف بسلطويته وممارساته السياسية العنيفة، حرص آباء الاستقلال، خلال مناسبات عدة وإلى غاية نهاية حكمه، على الاعتراض على كثير من قرارات الملك، جاءت العقود الموالية، بملك آخر على العرش، يبدو متيما  أقل بالسلطة مقارنة مع والده، وأقل ميلا إلى التفتيش عن قرب في شؤون موظفيه السياسيين، إلا أن ورثة آباء الاستقلال فقدوا مصداقيتهم أكثر من أي وقت مضى، ويكافحون لتبني خطاب لا يغضب القصر.. حتى حينما لا يكون لدى الأخير ما يعاتبهم عليه.

إن الملك لم يعد لديه حتى ما يستدعي منه الخوف من رجال السياسة، لأنهم تناسوا أن تكون لديهم أفكارهم الخاصة التي يدافعون عنها. صحيح أنه توجد داخل البرلمان بعض الأصوات التي تعزف أحيانا على موسيقى  مخاللفة لما يردده السرب، لكن المعطى الثابت في حياتنا السياسية: أنه ومنذ وقت طويل لم يكن لأحد من رجالات الدولة عندنا اختلاف عميق مع توجه أو قرار اتخذته الملكية، بما في ذلك قياديو حزب العدالة والتنمية الذين خرجوا من صف المعارضة حديثا، إذ يسعون إلى التطمين بأنهم غير منخرطين في أي منافسة أو ندية مع القصر الملكي.

زمن "الديبلوماسيين"

التفاوت بين القادة السياسيين الذين رافقوا المكافحة من أجل الاستقلال، وقادة اليوم، يبلغ مداه، رغم وجود أسباب عادية ترتبط بالسياقات المختلفة، كما تقول رشيدة بنسمعود، القيادية السابقة في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بقولها "كل مرحلة لها طبقتها السياسية، فالسياسيون الذين وصلوا إلى السلطة بعد الاستقلال، لم يكن بإمكانهم التفريق بين السياسي والثقافي. لقد كانت نخبة مثقفة في زمن  كانت فيه للإديولوجيات أهمية بالغة".

 ويسير محمد مدني، الباحث في العلوم السياسية على المنوال ذاته، مذكرا بأن الرهانات خلال الماضي كانت أكثر أهمية، فقال "خلال سنوات 1950-1960، كان لمسيري الأحزاب السياسية منزلة رجال الدولة، ويكافحون من أجل السلطة، وكانت الأحزاب تختار قادتها بناء على قدرتهم على تسيير البلد، أما اليوم فالأحزاب تضع على رأسها أشخاصا دبلوماسيين، أي أشخاصا موجودين هنا من أجل عدم خلخلة ما هو ثابت"، مضيفا "لقد مررنا من مرحلة كان فيها السياسيون رجال دولة، إلى مرحلة السياسيون فيها مجرد قادة مسيرين".

المسيرة الخضراء.. نقطة التحول

ذلك التحول لم يطرأ فقط على قادة الأحزاب، بل شمل أيضا البنيات التنظيمية التي يسيرونها ومناضليها، إذ يقول محمد مدني "في سنوات 1950-1960، كان المناضلون ينتمون إلى الطبقة المتوسطة المثقفة، ويرغبون في التغيير، أما اليوم، وحتى داخل الأحزاب المتحدرة من الحركة الوطنية، توجد سيطرة للأعيان الذين يرون أنه لا مستقبل خارج الإرادة الملكية".

إن "التضاد داخل الحركة الوطنية، والتنافس مع القصر، هو الذي أضعف الأحزاب، ويوجد تآكل وانجراف للأحزاب منذ سنوات السبعينات، إذ لم تستطع الأحزاب أن تتجدد"، يقول مصدر في منظمة "ترونسبارونسي" المغرب، ولحظة القطيعة، التي صار فيها اختلال موازين القوى غير قابل للرجعة، هي حدث المسيرة الخضراء، علاوة على السياق الاستثنائي جدا في السبعينات، فالحسن الثاني نجا من انقلابين عسكريين (1971 و1972)، والتشدد الأمني الذي تلا ذلك، مس العسكريين كما مس مناضلي اليسار.

وبإطلاق المسيرة الخضراء في 1975 لم يسع الملك فقط إلى استرجاع الصحراء، إنما أيضا أطلق رصاصة الرحمة على "الأعداء الداخليين"، وهذا ما يفسره يوسف بلال، الباحث في العلوم السياسية بقوله "لقد أجبرت المسيرة الخضراء الذين يقولون لا على الدخول في الإجماع الوطني، وإلى حدود 1975 كان قادة الحركة الوطنية يتمتعون بهالة تفوق أحيانا الملك، فنحن جميعا نعلم أن الاستقلال، كان ثمرة معركة التحقت بها الملكية لاحقا، ولما جاءت المسيرة الخضراء، وضعت الملك في في قلب اللعبة، وأظهر بشكل ما أنه أكثر وطنية من الوطنيين".

تفادي "التابوهات"

ولسخرية المصادفة، ورثة الوطنيين هم الذين يظهرون اليوم أنفسهم ملكيين أكثر من الملك، وذلك معطى يقر به بمرارة يوسف بلال، الباحث المستقر في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي كان إلى غاية 2011 عضوا في المكتب السياسي لحزب التقدم والإشتراكية، بحكيه واقعة تتعلق بلقاء بين الملك وقادة الأحزاب السياسية في 2010.

ويقول "بعد أحداث اكديم إزيك (نونبر 2010 في العيون)، استقبل الملك محمد السادس قادة الأحزاب السياسية، ولما أخبرنا الأمين العام للحزب بذلك، اعتقدت أننا سنكون مدعوين لتقديم مقترحات، لكن مبعوثي القصر كانوا واضحين: خلال اللقاء، ممثلو الأحزاب السياسية ممنوعون كليا من الحديث عن الوضع الداخلي. لقد كان الأمر بشكل واضح  لقاء للتوجيه، ليتكلف السياسيون في ما بعد بترويج الكلمة المحمودة".

ويضيف بلال في السياق ذاته "لقد أحسست بنفسي وحيدا عندما اجتمع المكتب السياسي لحزب التقدم والإشتراكية، إذ بعدما اعترضت على تلك الطريقة في التصرف، رأيت أمامي على الوجوه مزيجا من الخوف وسوء الفهم، وبدا الأمر كأنني انتهكت المحظور وكسرت التابو".

إن يوسف بلال، يعد اليوم، بدون شك، من الأمثلة التي تبين إفلاس الأحزاب السياسية المتحدرة من الحركة الوطنية، وفشلها في إدماج أصوات شابة حاملة لخطاب مستقل وناقد، فقد كان ملتزما إلى جانب حركة 20 فبراير، وفي 2011 نشر مقالا في صحيفة "لوموند" جعل فيه الملك موضع تساؤل ومقارنة مع الرئيس التونسي الذي مرت أيام قليلة فقط على سقوط سلطته، ما جر عليه تهديده بعرضه على الهيآت التأديبية لحزب التقدم والاشتراكية، فرد بالانسحاب من الحزب.

رغم ذلك، وفي وقت مضى كان بوسع الزعماء السياسيين، وليس فقط المناضلين من الصفوف الوسطى، معرفة تحمل مسؤولياتهم، و"البورتريهات" السبعة الموالية، لا تشكل لائحة مكتملة، لكنها تسلط الضوء، على الأقل، على سبعة قادة سياسيين، الذين، ومنذ الاستقلال إلى سنوات التسعينات، استطاعوا قول "لا" في وجه الملك الحسن الثاني، ولكن في الوقت نفسه عرفوا كيف يحصلون على تفاهمات مثمرة في علاقتهم بالملكية.

المهدي بن بركة (1920- 1965): قال لا لحرب الرمال

لما اندلعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر في أكتوبر 1963، لم يتردد بن بركة في وصف المواجهة بأنها اعتداء على الثورة الجزائرية.

المهدي بن بركة، زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي تم تغييبه باكرا عن الساحة السياسية، ليس بحاجة للتقديم. والقائد، الذي تعرض لعملية اختطاف في باريس يوم 29 أكتوبر 1965 بمشاركة الأجهزة السرية المغربية، لم يكن منذورا لأن يصبح معارضا للحسن الثاني.

ينحدر المهدي بن بركة من أسرة موظفين صغار. تابع دراسته في شعبة العلوم الرياضية بالرباط ومارس مهنة التدريس في السلك الثانوي. ونظرا لكونه مقربا من القصر، فإنه درّس أيضا بالمعهد الملكي، حيث كان من ضمن تلامذته الملك اللاحق للبلاد.

انطلاقا من سنة 1944، ساهم في تأسيس حزب الاستقلال، ليشارك لاحقا، سنة 1955، في المفاوضات التي أدت إلى رجوع محمد الخامس من المنفى وإلى استقلال المغرب في 1956. وتولى بن بركة، من 1956 إلى 1959، رئاسة المجلس الاستشاري الذي يعتبر اللبنة الأولى للبرلمان المغربي.

بوصفه ممثلا للجناح اليساري لحزب كان يعتبره جد محافظ (الاستقلال)، كان المهدي بن بركة وراء الانشقاق عن التنظيم السياسي المذكور، ليؤسس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 1959.

 أيامها، لم يكن خلافه مع ولي العهد سرا على أحد، كما أن الوفاة المبكرة لمحمد الخامس سرعت وتيرة قطيعته مع القصر. وفي 1963، سيوفر الإعلان من طرف الهيئات الرسمية على اكتشاف مؤامرة تستهدف حياة الحسن الثاني مبررا لشن هجوم متسق ضد المهدي بن بركة الذي حكم عليه، إثر محاكمة عرفت مفاجآت متعددة، بالإعدام غيابيا في نونبر 1963. وعقبها بشهور، ستصدر مجددا في حقه، وفي حق متابعين آخرين من ضمنهم الفقيه البصري وعمر بنجلون ومومن الديوري، أحكام غيابية بالعقوبة القصوى بتهمة التآمر ومحاولة اغتيال الملك.

 لما اندلعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر في أكتوبر 1963، لم يتردد بن بركة في وصف المواجهة بأنها اعتداء على الثورة الجزائرية، وذلك رغم موقف أغلبية قادة حزبه المساند للحسن الثاني.

تزامنت عملية اختطاف المهدي بن بركة مع تحضيره لمؤتمر القارات الثلاث الذي كانت ستحتضن أشغاله لاهاي في يناير 1966. هذا الحدث ذو البعد الدولي كان يهدف إلى توحيد مختلف تيارات "الثورة الأممية"، علما أن المختطف كان أحد الأعمدة الفقرية للمؤتمر. وحسب المؤرخ روني غاليسو، المتخصص في الشؤون المغاربية، فـ "السبب العميق وراء اختطاف واغتيال المهدي بن بركة يكمن في الزخم الثوري لمؤتمر القارات الثلاث".

عبد الله إبراهيم (1918- 2005): قال لا لملكية تحكم

أحد أسباب إقالة عبد الله إبراهيم يتمثل في نزاعه الذي استفحل مع ولي العهد والذي كان محوره اختصاصات كل واحد منهما في مجال الأمن الداخلي.

يعتبر عبد الله إبراهيم، بكل تأكيد، من الوجوه الأكثر إثارة للاهتمام في صفوف الحركة الوطنية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الحزب المنبثق عن الانشقاق عن حزب الاستقلال سنة 1959 والذي ساهم في تأسيسه إلى جانب المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد خصوصا.

 في دجنبر 1958، عُين عبد الله إبراهيم رئيسا لأول حكومة يسارية في تاريخ المغرب ووزيرا للشؤون الخارجية، لتتميز ولايته بصراع قوة مستمر بينه وبين ولي العهد مولاي الحسن الذي حاول التأثير على سياسة محمد الخامس.

وفي الواقع، فأحد أسباب إقالة عبد الله إبراهيم في ماي 1960 يتمثل في نزاعه الذي استفحل مع ولي العهد (الحسن الثاني كان رئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية)، والذي كان محوره اختصاصات كل واحد منهما في مجال الأمن الداخلي (مشاركة القوات المسلحة الملكية في الحفاظ على النظام مشروطة بإذن رئيس المجلس)، وكذا الخارجي (احتجاج عبد الله إبراهيم، بصفته وزيرا للشؤون الخارجية، على التجربة النووية التي قامت بها فرنسا في منطقة رقان بالجزائر في 25 أبريل 1960، واستدعاء سفير المغرب في باريس).

 رغم التفاهم السائد بين محمد الخامس وعبد الله إبراهيم، فإن عدة حوادث تراكمت وسممت العلاقات بين الأخير وولي العهد، الذي كان يرتاع من حدوث انزلاق نحو نظام حكم يسود فيه الملك دون أن يحكم؛ انزلاق كان من شأن بعض مبادرات رئيس المجلس أن تولد خوفه، لاسيما ترحيل رجال الشرطة الفرنسيين من المغرب، ورفض تعيين عسكري أمريكي مقرب من الأمير في منصب ضابط اتصال لدى القوات المسلحة الملكية ونشر ظهائر تحمل أحيانا توقيع رئيس المجلس بمفرده.

عبد الله إبراهيم فشل في صراع القوة هذا الذي خاضه، وأشرت إقالته عشية أول انتخابات في تاريخ البلاد على بداية تقاعده السياسي. والحكومة الجديدة التي أعقبت حكومته كانت رسميا تحت رئاسة محمد الخامس الذي فوض في الواقع تدبير شؤونها لأكبر أبنائه.

 سنة 1975، سيواجه انفصال أغلبية أعضاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عنه، أولئك الذين سيؤسسون، بقيادة عبد الرحيم بوعبيد، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وسيظل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قائما كحزب، لكن مجردا من التأثير السابق في المشهد السياسي الذي كان يحظى به.

علال الفاسي (1910- 1974): قال لا لحزب الملك

حذر القصر من الابتعاد عن الشعب مذكرا بمآل بعض الملكيات العربية التي أسقطتها انقلابات عسكرية.

لم يعرف عن علال الفاسي أنه اتخذ مواقف ما مناهضة للملكية، بل العكس هو الصحيح. لكننا كثيرا ما ننسى أن زعيم حزب الاستقلال، الذي يمثل ربما أهم وجوه الكفاح من أجل الاستقلال، دخل في حرب (كلامية) مع الحسن الثاني، وذلك ضمن سياق بداية العشرية السادسة من القرن الماضي الخاص جدا ؛ سياق لا بد من التذكير به.

سنة 1962، وخلافا لحزب عبد الله إبراهيم، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ساند حزب الاستقلال، الذي تولى علال الفاسي رئاسته قبل سنتين، بحيوية مشروع الدستور المصاغ بقيادة الحسن الثاني. غير أن الجزاء الذي سيناله علال الفاسي سيكون مر المذاق، إذ سيجبر حزبه على مغادرة الحكومة شهرا فقط بعد مساهمته في فوز "نعم" للدستور.

 معتبرا بكل تأكيد أن القصر خدعه، تقارب علال الفاسي مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؛ ورغم نسبيته، فتقارب الحزبين الأكثر أهمية من بين مكونات الحركة الوطنية سمح لهما، في استحقاق انتخابات ماي 1963، بهزم جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، تلك الجبهة الملكية المؤسسة شهرين قبل الاستشارة الانتخابية من طرف أحمد رضا اگديرة، الشخصية المقربة من القصر.

غاضبا من ممارسات إدارة وزارة الداخلية الهادفة إلى دعم مرشحي الجبهة، لم يتهيب علال الفاسي من التعبير عن غضبه خلال انعقاد دورة المجلس الوطني لحزب الاستقلال، محذرا القصر من الابتعاد عن الشعب، ومذكرا بمآل بعض الملكيات العربية التي أسقطتها انقلابات عسكرية.

عبد الرحيم بوعبيد (1922- 1992): قال لا للاستفتاء في الصحراء

سنة 1981، ستوفر قضية الصحراء له، مجددا، فرصة تسجيل اختلافاته في الرأي مع القصر، وهو ما سيعلنه أمام العموم.

يجسد عبد الرحيم الاختيار الإصلاحي للاشتراكية المغربية. وهو من نفس جيل المهدي بن بركة، درس مثله في ثانوية مولاي يوسف بالرباط وبدأ حياته المهنية كمعلم.

 انخرط بوعبيد بسرعة في النضال السري من أجل الاستقلال، ليكون من أصغر الموقعين سنا على وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944. وإذا عين وزيرا للاقتصاد والمالية في أول حكومة للمغرب المستقل برئاسة امبارك البكاي، فإنه غادر الجهاز التنفيذي عند إقالة حكومة عبد الله إبراهيم.

ابتداء من هذا التاريخ، ستتميز حياته السياسية بعدة لحظات قوية عارض خلالها القصر. ففي سنة 1962، انخرط بحيوية في الحملة ضد مشروع الدستور المقترح للاستفتاء من طرف الحسن الثاني، مثلما صرح في خطاب له بمناسبة تجمع انتخابي بالرباط: "نحن أمام اختيار جوهري. فإما نواصل كشعب وكمنظمة متجذرة في صفوف الجماهير النضال من أجل تحرير بلادنا من الاستعمار والإقطاعية والرجعية، وإما نقبل نصا دستوريا مزورا هيأه خدام الاستعمار؛ وإذا حصل هذا، فسنتحمل مسؤولية ارتكابنا لجريمة في حق الأجيال القادمة".

 سنة 1970، سيعيد بوعبيد الكرة ويدعو بالتصويت "لا" على الإصلاح الدستوري المعروض آنذاك للاستفتاء من قبل الملك.

سنة 1981، ستوفر قضية الصحراء له، مجددا، فرصة تسجيل اختلافاته في الرأي مع القصر، وهو ما سيعلنه أمام العموم. هكذا، وبينما الحسن الثاني يضغط عليه لمرافقته إلى مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية من أجل مساندة مقترحه الداعي إلى تنظيم استفتاء في الصحراء، لم يقف بوعبيد عند حد عدم التنازل، بل إن المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (الحزب الذي أسسه سنة 1975) أصدر بلاغا انتقد ضمنه بشكل علني الموقف الجديد للعاهل. وهو ما نتج عنه اعتقال ثلاثة أعضاء من قيادة الحزب (بوعبيد ومحمد اليازغي ومحمد لحبابي) وسجنهم في ميسور.

امحمد بوستة (1925- 2017): قال لا لحكومة يشارك فيها البصري

الأمين العام لحزب الميزان كان يرفض بشكل لا رجعة فيه عضوية إدريس البصري، وزير الداخلية، في الحكومة التي يستعد لتشكيلها

يحتل امحمد بوستة، بدون شك، مكانة خاصة ضمن لائحة الأمناء العامين المتعاقبين على رأس حزب الاستقلال. ما جعل مثلا المؤلف وكاتب المقالات بلقاسم بلوشي يكتب عنه التعليق اللاذع التالي: "لقد وصل إلى قيادة حزب الاستقلال في وقت غير مناسب، ذلك أنه من الصعب أن تكون، في الوقت نفسه وبنفس الدرجة، خليفة الكاريزمي علال الفاسي وسلف الجذاب عباس الفاسي، حاشرا نفسك بينهما مثل دخيل على سلالة الفاسي".

امحمد بوستة رجل قانون تكون في فرنسا بفضل مساعدة أعيان حزب الاستقلال الأكبر منه سنا، واختار، في محطة انشقاق 1959، المكوث إلى جانب علال الفاسي، لتمر ثلاث عشريات كان خلالها مرات في المعارضة ومرات أخرى  في كراسي وزارية متعددة.

في بداية التسعينيات، كان الحسن الثاني يحمل هم التحضير للتناوب ويعد إصلاحا دستوريا كان يريد إشراك أحزاب المعارضة المجسدة حينها في الاستقلال والاتحاد الاشتراكي فيه، فاقترح على بوستة تشكيل حكومة.

بعد عدة جولات من المفاوضات، وصل الحوار إلى الباب المسدود، ذلك أن الأمين العام لحزب الميزان كان يرفض بشكل لا رجعة فيه عضوية إدريس البصري، وزير الداخلية، في الحكومة التي يستعد لتشكيلها. الحسن الثاني أقر حينها بالوضع، ما أدى إلى صدور بلاغ للديوان الملكي حمل مسؤولية فشل تشكيل الحكومة لبوستة، ليعين الملك بعدها حكومة تكنوقراط رقي ضمنها البصري إلى وزير دولة.

عبد الكريم الخطيب (1921- 2008): قال لا لحالة الاستثناء

لم يمنعه ارتباطه الشديد بالقصر من الانزياح عن تواطئه المعلن مع الحسن الثاني. وهذ ما حدث على وجه الخصوص غداة الإعلان عن حالة الاستثناء في 1965، التي رفضها معتبرا إياها بمثابة انقلاب لا دستوري

يمثل عبد الكريم الخطيب، أكثر من علال الفاسي، الجناح التقليداني للحركة الوطنية، وهو من اقترح على الحسن الثاني التنصيص على مفهوم إمارة المؤمنين ضمن دستور 1962.

 بعد انطلاق مساره السياسي ضمن تنظيمات حزب الاستقلال، أسس الخطيب، الذي كان أول طبيب جراح مغربي درس في فرنسا، مع محجوبي أحرضان، الحركة الشعبية في 1957. وبعد طرده من هذا الحزب ذي النزعة الأمازيغية، أنشأ سنة 1967 حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي ولد من رحمها حزب العدالة والتنمية الحالي الذي أسسه الخطيب أيضا ثلاثين سنة من بعد.

 لم يمنعه ارتباطه الشديد بالقصر، في مناسبات قليلة، من الانزياح عن تواطئه المعلن مع الحسن الثاني. وهذ ما حدث على وجه الخصوص غداة الإعلان عن حالة الاستثناء في 1965، التي رفضها معتبرا إياها بمثابة انقلاب لا دستوري من شأنه أن يعطل نهائيا الديمقراطية.

 في استجواب أجرته معه مجلة "جون أفريك"، صرح الخطيب، وهو وقتها رئيسا للبرلمان، بأنه تم تأويل متعسف ولا دستوري للفصل 35 من طرف السلطات، مضيفا أنها سابقة مؤسفة وباب ومفتوح للشطط، شارحا بأنه إذا لم تكن هناك أغلبية عددية برلمانية واعية بمسؤوليتها كما يقول الملك، فاللجوء إلى صناديق الاقتراع يظل حلا، مستطردا أنه لا يشاطر العاهل رأيه هذا.

محمد بن سعيد آيت إيدر (مزداد سنة 1925): قال لا للتناوب

محمد بن سعيد آيت إيدر يجسد الشريحة الأخيرة المتبقية من اليسار المغربي، التي رغم التحاقها بالمشروعية، قالت لا للحسن الثاني إلى آخر المطاف.

يعتبر محمد بن سعيد آيت إيدر، أحيانا، آخر المناضلين المتشبتين بمواقفهم، وقد بدأ حياته النضالية، على غرار عبد الكريم الخطيب، في صفوف الجناح المسلح للحركة الوطنية، وذلك في سنوات 1940.

 في 1956، رفض بن سعيد وضع السلاح كما كان يطالب بذلك بإلحاح محمد الخامس وولي عهده، مفضلا مواصلة الكفاح إلى جانب جيش التحرير الوطني في جنوب المغرب؛ لكنه لن يستطيع سنة 1958 إلا متابعة القضاء على هذا الجيش خلال عملية إيكوفيون التي قادتها فرنسا ضده.

وصدرت ضده عدة مرات أحكام بالإعدام غيابيا في بداية ستينيات القرن الماضي بسبب مؤامرات مزعومة ضد الحسن الثاني، ما دفعه إلى العيش في المنفى بفرنسا إلى حدود 1981، السنة التي تمتع خلالها أخيرا بالعفو.

عقب العودة إلى المغرب، حشد محمد بن سعيد آيت إيدر حوله مجموعة من المناضلين السابقين في منظمة 23 مارس ليؤسس، سنتين بعدها، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.

في دجنبر 1984، انتخب محمد بن سعيد آيت إيدر في مجلس النواب، وهو المقعد التمثيلي الذي سيحافظ عليه إلى حدود سنة 2007، التاريخ الذي سيقرر فيه عدم الترشيح مجددا للانتخابات التشريعية.

 طوال سنوات 1990، سيكون من بين المساهمين في إعادة بناء الكتلة، رغم إبدائه لحرية في الرأي والفكر لم تكن تروق كثيرا لا حلفاءه (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) ولا السلطة القائمة. مثلما لم يمنح بن سعيد "مباركته" للاتفاق الشهير المبرم بين الحسن الثاني وعبد الرحمان اليوسفي، الذي كان وقتها كاتبا أول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

محمد بن سعيد آيت إيدر يجسد الشريحة الأخيرة المتبقية من اليسار المغربي التي، رغم التحاقها بالمشروعية، قالت لا للحسن الثاني إلى آخر المطاف، والتي تظل، إلى اليوم، منتقدة بشدة للاختيارات السياسية للعهد الحالي.

ليس من باب الصدفة ربما أن يكون الوحيد، من بين القيادات السياسية الراهنة وأكبرها تقدما سنا، الذي اتخذ موقفا صلبا مساندا لحركة 20 فبراير... غير محمد بن سعيد آيت إيدر.

مواضيع ذات صلة

أخبار أخرى