كواليس "صعود معلن" لنزار بركة إلى قيادة الاستقلال

لحظة إعلان نزار بركة أميناً عاماً لحزب الاستقلال
أحمد مدياني

"انتهى الكلام نزار أمين عام"... شعار تردد صداه داخل أرجاء الفضاء الخارجي للقاعة المغطاة لمركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، ما أن أعلن رئيس المؤتمر الوطني الـ17 لـ"الاستقلال"، نور الدين مضيان، مساء يوم أمس السبت، فوز حفيد علال الفاسي على عمدة فاس السابق بفارق كبير من الأصوات. نتيجة لم تعلن دون استنفار، إذ تم استقدام رجال الأمن والقوات المساعدة دقائق قبل ذلك، وطوقوا في حالة تأهب تامة كل مدخل وسياج يمكن أن يقود إلى داخل فضاءات القاعة.

قبل إعلان النتائج رسمياً، خرج نزار بركة رفقة عدد من أنصاره يبشرهم بالنصر. وتحلق حوله كثيرون، مرددين نشيد حزب الميزان. منذ ساعات الأولى للفرز بدأت تظهر معالم  حول الجهة التي سيؤول إليها كرسي الرئاسة. كانت النتائج القادمة من داخل القاعة، حيث اشتغلت لجنة الفرز، توضح أن نزار ماض لإنهاء حقبة شباط على رأس الحزب، وكان الفارق يتسع كلما تم فرز أحد الصناديق، ليتأكد قرابة الساعة الخامسة مساء، أنه تجاوز حاجز الـ640 صوتاً، ما يمنحه دون حصد مزيد من الأصوات منصب الأمين العام لحزب الاستقلال، إلا أنه بلغ الـ924 صوتاً، مقابل 234 فقط لغريمه حميد شباط.

بعد إعلان النتائج، صدحت قيادات استقلالية بارزة بشعارات الفرح، مزهوة بنهاية مرحلة داخل الحزب، لكن فرحة الوزيرة السابقة ياسمينة بادو كانت مختلفة وأكثر حدة، فما إن أعلن مضيان النتائج رسمياً، قصدت عددا من أعضاء الحزب وهي تصيح "فرعناه فرعناه... الله... أو تهنينا... فرعناه". رددت هذه العبارات أكثر من مرة وهي تعانق كل من تصادف في طريقها.

النتيجة كانت معروفة ومحسومة، فقبل حتى انطلاق جلسة التصويت، كُلف مسؤول عن الإعلام بإعداد تصميم إعلان فوز صهر عباس الفاسي، كتب عليه "الاستقلاليون والاستقلاليات يختارون التغيير... الأخ نزار بركة أميناً عاماً لحزب الاستقلال"، توصل "تيل كيل عربي" بنسخة منه صباح يوم السبت، واتضح خلال اعلان النتيجة أنه نفس التصميم الذي اعتمد.

"تكتيك" إنجاح المجلس الوطني

منذ الساعات الأولى من صباح يوم السبت 7 أكتوبر، حج المئات من الاستقلاليات والاستقلاليين إلى القاعة المغطاة لمركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط. إجراءات أمنية مشددة، وحرس خاص أشداء، يقفون أمام أربع بوابات جهزت بكاشف للمعادن. اتضح منذ البداية، أن دورة المجلس الوطني لحزب "الميزان" مغلقة في وجه الصحافيين. حميد شباط وحمدي ولد الرشيد، قال في تصريح لـ"تيل كيل عربي"، إن "المحطة تنظيمية داخلية، وتم الاتفاق على أن تسير أطوارها باعتبارها شأناً "استقلاليا".

غابت لغة التوافقات على تصريحات قطبي الصراع، ولد الرشيد وفي حديثه للموقع، قبل دخوله فضاء القاعة المغطاة، صرح، أن  "لحظة الديمقراطية الداخلية لا تقبل التوافقات. والانتخابات داخل المجلس الوطني هي التي ستحسم اسم الأمين العام للاستقلال". نفس الرأي عبر عنه حميد شباط، في تصريح لـ"تيل كيل عربي"، حين قال: "أنا أدخل اليوم إلى المجلس الوطني مرشحاً. لا وجود لتوافقات".

ما إن دخلت جل القيادات إلى القاعة المغطاة، حتى انطلقت احتجاجات أنصار شباط أمام الباب الرئيس الداخلي. هؤلاء، رفضوا أن يتم المرور مباشرة إلى التصويت على الأمين العام دون اعلان انعقاد دورة المجلس الوطني، وعرض جدول أعمالها، بعد التأكد من النصاب القانوني لانعقادها. كل هذا حضر له أنصار حمدي ولد الرشيد الداعمين لنزار جيداً. مصدر قيادي من هؤلاء، كشف لـ"تيل كيل عربي"، أنه تم اتخاذ قرار المرور مباشرة إلى التصويت لـ"قطع الطريق أمام شباط وأنصاره. ومنع بلوكاج ثان لهذه العملية". وتابع: "رأينا أن دخول جميع أعضاء المجلس الوطني إلى القاعة، وإعلان انطلاق دورة المجلس الوطني، إجراء سيمنح شباط فضاء وحيزا من الوقت للتفاوض. نحن نعرف أسلوبه جيداً، سوف يدفع بأنصاره لاحتلال المنصة كما وقع خلال أشغال المؤتمر". في المقابل، رفض شباط هذا الإجراء، وقال في تصريح صحفي له، إن "ما وقع غير قانوني. دورة المجلس لم يعلن انعقادها. هناك ضغط على أعضائه والهواتف تتحرك لتوجيه الأمور من الخارج".

الخطة كانت ترك العدد الأكبر من أعضاء المجلس الوطني خارج قاعة التصويت، وادخال مجموعات مكونة من 20 عضواً فقط، تتجه رأساً نحو جهار "السكانير" لتأكد من هوية العضو وأحقيته بالمشاركة في التصويت. ادخال الهواتف إلى المخدع ممنوع، كذا الحقائب، ووجب مغادرة القاعة مباشرة بعد المشاركة في التصويت. هذه الترتيبات قال عنها عبد الصمد قيوح، إنه تم الاتفاق عليها وطبقتها لجنة متابعة انتخابات الأمين العام بصرامة. وتابع في تصريحه للموقع، أنها "مكنت من مرور دورة المجلس الوطني في جو ديمقراطي. المهم بالنسبة لنا، أرجعنا الحزب إلى مكانته الحقيقية لما فيه مصلحة للوطن". على حد تعبيره

حرب باردة خارج القاعة

كما كانت تدور حرب معلنة داخل القاعة المغطاة يحتكم فيها إلى صناديق الاقتراع، دارت أخرى خارج القاعة، أبطالها كل من أنصار حمدي ولد الرشيد وحميد شباط. هؤلاء كانوا حاضرين بقوة، وبأعداد كبيرة، لا يتوقفون عن التحرك وإطلاق عبارات الاستهزاء ضد بعضهم البعض بشكل غير مباشر.

قرابة الساعة الواحدة بعد الزوال، تقدم عدد من أنصار حميد شباط، نحو بوابات القاعة، وحاولوا ولوج فضاء القاعة، إلا أن رجال الأمن الخاص منعوهم من ذلك. حادث آخر أظهر حجم انزال أنصار المتصارعين على زعامة الاستقلال. رجل يزي صحراوي، يحمل لافتة كارتونية كبيرة، قصد مكان انعقاد المؤتمر للاحتجاج على حمدي ولد الرشيد، ولم يستطع المكوث في مكانه لدقائق، بعد ما ظهر فجأة عدد كبير من أنصار ولد الرشيد، والتفوا حوله، موجهين له "اتهامات أن أحدهم قدم له المقابل للقيام بذلك"، وجروه إلى مكان بعيد، ما نعين الصحافيين من تصوير الواقعة، بل أقدم عدد منهم على الاعتداء على الصحافيين، وخاطب واحد من أنصار ولد الرشيد الصحافيين بالقول حرفياً: "لي صور فيكم نطرطق ليه عنقو".

"العداوة تابتة والصواب يكون"

اختفت عبارات الجهات الخارجية ومحاولة تزوير الانتخابات والتحكم في أعضاء المجلس الوطني ما إن أعلنت النتائج رسمياً. حميد شباط، وخلال كلمته بعد زف نزار بركة أميناً عما للاستقلال، فاجأ الجميع بقوله: "أهنئ نزار البركة من كل قلبي على فوزه". ثم استرسل حديثه دون أن يعود إلى قاموسه المعهود منذ أعلنت "خطة إسقاطه". الأمين العام المنتهية ولايته، اقتصرت كلمته على عبارات "ضمان وحدة الحزب"، بل ذهب حد القول، إنه "سيدعم الأمين العام الجديد وقيادة الاستقلال"، واعتبر أن هذه الأخيرة "اشتغلت بروح نضالية عالية".

بدوره قال نزار بركة، خلال كلمته "أحيي شباط على ما قدمه للحزب وإنجاح هذه المحطة، ولجعله الديمقراطيه هي المفصل لتطوير أداء حزبنا".