أسفرت العملية الواسعة التي نفذتها وحدة مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة الأسبوع الماضي ضد ما تصفه السلطات بـ"شبكة شبكات الحشيش"، عن توقيف 27 شخصا، أغلبهم في الأندلس وسبتة المحتلة. وقد أودع 15 منهم السجن احتياطيا، فيما جرى توقيف أربعة رجال في بونتيفيدرا (غاليسيا) على خلفية دفعة مالية قدرت بحوالي 680 ألف يورو سلمت في فبراير الماضي بالجزيرة الخضراء (قادس)، قبل أن تحجزها الشرطة الوطنية من أفراد "المافيا" كما وصفها من قدّم نفسه باعتباره "زعيمها"، التي كانت تستخدم نفق المخدرات المكتشف في المنطقة الصناعية الحدودية في سبتة المحتلى لتمرير المخدرات من المغرب إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.
القصة التي انتهت بإيداع عناصر من منظمتين إجراميتين مفترضتين السجن الاحتياطي، في انتظار المحاكمة، تعود إلى غشت من السنة الماضية، حين حلّ الغاليسيون بالساحل القادسي للقاء من يسمى "مهندس المخدرات" المسؤول عن النفق الذي يربط سبتة بالمغرب. وبعد أشهر، تم حجز 88 كيلوغراما من الكوكايين داخل مستودع في فيغو، إضافة إلى 228 كيلوغراما من الحشيش وأكثر من نصف مليون يورو نقدا.

"انتهى الأمر، غدا سنقطع الرؤوس"
في 19 غشت 2025، أنهى مصطفى الشعايري البروزي.، الذي تعتبره الشرطة "زعيم شبكة الشبكات"، مكالمة مع من تعدّه السلطات “ذراعه اليمنى”، ياسين صادقي حميد.، قائلًا: “انتهى الأمر، غدا سنقطع الرؤوس”.
وفي اليوم نفسه، كان ياسين صادقي حميد. قد أخبره أنهما سيتناولان الغداء معا في اليوم التالي. واستنتجت السلطات من تلك المحادثة أن الاجتماع سيضم أطرافًا أخرى، وأنه سيتناول "أعمالا غير مشروعة" وأنهم "سيبرمون صفقة" مع أشخاص آخرين.
في اليوم التالي، حوالي الساعة الثامنة وخمس وعشرين دقيقة مساءً، وصلا معا على متن دراجة نارية إلى حانة في قرية صغيرة تابعة لسان روكي (قادس) تُدعى “تورّي غواديّارو”. وبعد ربع ساعة، دخل إلى المكان رجلان اعتُقلا في مارس ضمن ملف شبكة النفق: بابلو غ. الملقب في الصحافة الغاليسية بـ"بابلو الذهب"، وD.E.M. وقد قدما من غاليسيا للجلوس إلى طاولة "مهندس المخدرات" و"ذراعه اليمنى"، لكن من تولّى زمام الحديث فعليا خلال اللقاء كانا مصطفى الشعايري البروزي. وبابلو.
الشيء القليل الذي استطاعت الشرطة التقاطه من الحوار هو أن الغاليسي أخبر "رئيس" النفق الذي يربط سبتة بالفنيدق بأنه يملك "خيولا كبيرة"، وهي عبارة فسرتها الشرطة على أنها عرض لتأمين إدخال المخدرات إلى شمال شبه الجزيرة عبر البحر وعلى متن “سفن كبيرة”. وردّ عليه “الزعيم”، بحسب العناصر التي كانت في الميدان: "سأوصلك بالآخرين".
المجموعة الغاليسية، التي يُشتبه في أنها رتبت الزيارة عبر أعضاء من المستوى الأدنى في “شبكة الشبكات”، لم تعد إلى شمال إسبانيا إلا بعد يومين، إثر اجتماع آخر عُقد في ماربيا (مالقة) مع N.H. الملقب بـ"بينتشو"، وهو لقاء اعتبره التحقيق نتيجة مباشرة لكون مصطفى الشعايري البروزي. “وضع المعنيين على اتصال".
"إنه مبلغ كبير ولا يمكن حمله بشكل عشوائي"
بعد أشهر، في أوائل فبراير الماضي، بدأت UDYCO التحقيق مع “بابلو الذهب” من خلال التنصت على سيارته من نوع BMW 420D، التي كان يستعملها لتزويد موزعين مختلفين بالمخدرات في غاليسيا.
وبحسب السلطات، كان هو ومساعدوه يتعاملون على الأقل في الحشيش والكوكايين، كما كانوا يتحدثون بشكل متكرر في مكالماتهم عن أكثر من عشرة أصناف وعلامات مختلفة من المخدرات: “دراي”، “شامبيونز”، “بلاك”، “شوكولاتة”، “موز”، “بيضاء".
وكانت لهجة "بابلو الذهب" مألوفة ودافئة، وكان يكثر من مجاملة مخاطبيه ويناديهم بعبارات من قبيل “أخي”، “الجميل”، “ملكي”. لكن رغم هذه الألفة الظاهرية، فإن اتصالًا من رجل “قادم من جنوب شبه الجزيرة” بحسب لهجته، كما جاء في التحقيق، طلب منه الحضور إلى الجزيرة الخضراء، فاضطر إلى التعامل بجدية مع الموزعين والقيام بما يشبه "الألعاب البهلوانيةّ من أجل جمع "كمية كبيرة من المال نقدا" سيسلمها لاحقا في الجزيرة الخضراء.
في يوم 5 فبراير، سأله المتصل من الجهة الأخرى: "متى ستأتون يا أخي؟". فأجابه بابلو: "لدينا تقريبا كل شيء جاهز”، لكنه أوضح أيضا أن "المبلغ كبير ولا يمكن حمله بشكل عشوائي".
وكان يخطط للسفر برفقة D.E.M. في السيارة نفسها، مع سيارة أخرى وسائق يتوليان دور “الاستطلاع والمرافقة” عبر الطريق A92 إلى الساحل الأندلسي. وحدد يوم 11 فبراير موعدًا للرحلة، لكنه ظل يؤجل الوصول إلى المدينة القادسية لأنه كان بحاجة إلى "الانتظار" حتى يجمع المبلغ من شركاء مدينين له. وقدّر أولا أنه سيصل في الساعات الأولى من فجر 12 فبراير، لكنه في النهاية دخل الجزيرة الخضراء بعد الساعة الخامسة والربع صباحا.
ويبدو أنه كان "مستعجلا" من أجل "تسوية" أمر ما، حتى إنه عبر في المكالمات عن يأسه لعدم تمكنه من جمع مبلغ 680 ألف يورو في الوقت الذي كان يريده، لكنه في النهاية نجح في ذلك بعد مفاوضات كثيرة.
وقال في إحدى مكالماته مع "بينتشو" عشية الرحلة: "عندي مشاكل كثيرة وأشياء كثيرة يجب القيام بها، لكن المهم أن يكون الجميع راضين ومرتاحين. انتهى الأمر. ننزل، ننجز المهمة، ثم نعود. وإن لزم الأمر، ننزل مرة أخرى الأسبوع المقبل".
"ضربة لا نعرف أين ستسقط"
مرت الرحلة دون مشاكل، وساعدت “رجال غاليسيا” اعتبارا من الخامسة صباحًا سيارات أخرى مرتبطة بـ“شبكة شبكات الحشيش” كانت ترافقهم لتأمين العملية. وعندما وصلوا، حصلوا على وقت للنوم، ثم التقوا حوالي الواحدة بعد الزوال بـ“بينتشو” في مطعم داخل منطقة صناعية بالجزيرة الخضراء.
بعد ذلك، غادروا الطاولة وتجولوا عدة مرات بسياراتهم في محاولة لتضليل أي جهة قد تكون تراقبهم، إلى أن وصلوا إلى منزل في المدينة نفسها، لم يمكثوا فيه أكثر من عشر دقائق. ومن بين المجموعة الغاليسية، لم يدخل المنزل سوى بابلو، حاملا حقيبة سوداء من علامة Nike تركها هناك، بينما كان أشخاص آخرون يتخذون احتياطات خارجية كمراقبين.
في الساعة 16:13 غادر المنزل، وفي الساعة 16:31 دخل رجلان إلى المكان لجلب الحقيبة. لكن الشخص الذي حملها إلى موقع آخر، رغم احتياطاته أثناء القيادة، أوقفته الشرطة بعد دقائق قليلة، حيث عُثر داخل سيارته وفي الحقيبة نفسها على مبلغ 668 ألفا و270 يورو، تم حجزه.
أما المهربون الغاليسيون، وبعد مضي 20 دقيقة فقط على بدء رحلة العودة، فقد أدركوا أن شيئا "غير طبيعي" حدث، لأن الرسائل لم تعد تصل إلى الشخص الذي كان من المفترض أن يُكمل العملية. وخافوا من أن يكون قد اعتُقل أو أن يتعلق الأمر بـ"سرقة"، بل وحتى من أن يتم اتهامهم هم أنفسهم بتنفيذها؛ وإن كانوا لاحقا حاولوا التحقق مما إذا كانت هناك "وشاية" من طرف خارجي.
وبعد شهر، بدأوا يتوقعون انتقامًا أمنيًا. ففي 10 مارس، حذر J.M.M.O. بابلو قائلا: "غدا سيوجهون ضربة، ولن نعرف أين ستسقط: في فيغو أم في كامبادوس".
وكان ذلك في إشارة إلى مداهمة محتملة، قبل أسابيع قليلة من اعتقالهما مع G.G.T. وD.E.M.
وبالإضافة إلى هذه الاعتقالات، عُثر يوم 27 مارس داخل مستودع في “كاستريلوس” (فيغو، بونتيفيدرا)، منسوب إلى "بابلو الذهب"، على 88 كيلوغراما من الكوكايين و228 كيلوغراما من الحشيش و523 ألفا و830 يورو نقدا.
وفي الأحد 29 مارس، مثل الأربعة عبر تقنية الفيديو من غاليسيا أمام المحكمة الابتدائية رقم 3 في سبتة، وصدر في حقهم أمر بالإيداع في السجن الاحتياطي في الليلة نفسها.