هندسة الدعم الاجتماعي.. 62,5 بالمائة من الإعانات للطفولة و37,5 بالمائة للشيخوخة

خديجة قدوري

رغم الطابع التقني والمؤسساتي الذي يميز التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي لسنة 2025 حول برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، فإن حجم المعطيات المقدمة يفتح النقاش حول مدى انتقال هذا الورش من منطق التدبير المالي للدعم إلى منطق الإدماج الاجتماعي الفعلي، خاصة في ظل استمرار تحديات الفوارق الاجتماعية والحاجة إلى مواكبة أكثر تخصصا للفئات المستفيدة.

في هذا السياق، اعتمدت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي مقاربة متقدمة في تصنيف فئات المستفيدين، تقوم على تجميع الأسر وفق تقاطعات دقيقة تشمل الانتماء الترابي، والنوع الاجتماعي، والفئة العمرية، والحالة العائلية، وتركيبة الأسر، وتمدرس الأطفال. وتهدف هذه المقاربة إلى توجيه مسارات المواكبة حسب الخصوصيات الاجتماعية لكل فئة، مع التمييز بين الأسر التي تعتمد بشكل كلي على شبكات الحماية الاجتماعية وتلك القادرة على الانتقال نحو الاستقلال الاقتصادي.

وأظهر التقرير أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر يستهدف فئات واسعة من السكان، حيث توجه 62,5 بالمائة من الإعانات نحو الحماية من المخاطر المرتبطة بالطفولة، مقابل 37,5 بالمائة موجهة للإعانة الجزافية. كما يبرز توزيع المستفيدين حسب الفئات العشرية حضورا قويا للفئات الأكثر هشاشة، إذ تستفيد الفئات العشرية الأولى والثانية والثالثة من نسب مرتفعة، مقابل تراجع تدريجي في الفئات الأقل هشاشة.

كما اعتمد التقرير تصنيفا اجتماعيا جديدا للأسر المستفيدة، مقسماً إلى خمس فئات رئيسية موزعة على مختلف جهات المملكة، أبرزها: 1,2 مليون أسرة عند مفترق الطرق، و946 ألفا ضمن فئة الأعشاش الفارغة، و156 ألف أسرة ناشئة، و986 ألفا ضمن فئة رفقاء الدرب، و584 ألف فرد دون معيل. ويعكس هذا التصنيف محاولة لفهم الديناميات الاجتماعية المعقدة، وتوجيه التدخلات العمومية بشكل أكثر دقة وفعالية.

وفي هذا الإطار، أبرز التقرير أن الأسر عند مفترق الطرق تمثل فئة نشطة اقتصادياً لكنها تعيش انتقالا هشا، في حين تشمل فئة الأعشاش الفارغة أساساً نساء مسنات يعشن في عزلة اجتماعية، بينما ترتبط فئة الأسر الناشئة بشباب يسعون إلى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، في حين تضم فئة رفقاء الدرب أفرادا متقدمين في السن يواجهون هشاشة متزايدة، أما فئة الأفراد دون معيل فتهم أشخاصا يعيشون عزلة شبه كاملة عن شبكات الدعم الأسري.

ويتضح من هذا التقسيم أن البرنامج لا يقتصر على الدعم المالي المباشر، بل يسعى إلى بناء مقاربة اجتماعية أكثر تفصيلاً، تقوم على الربط بين نوعية الهشاشة وطبيعة الاستجابة العمومية المطلوبة، سواء تعلق الأمر بالإدماج الاقتصادي أو المواكبة الاجتماعية أو الرعاية.

كما كشف التقرير عن تجربة التمثيلية الترابية بإقليم الجديدة باعتبارها نموذجا أوليا للحضور الميداني للوكالة، حيث تم اعتماد مقاربة تقوم على العمل القريب من المستفيدين بدل التدبير المركزي البعيد. وتضطلع هذه التمثيلية بمهام متعددة تشمل تقديم المعلومات، وإغناء البيانات، والتصنيف والتوجيه، وتتبع الملفات، إضافة إلى تعزيز اليقظة الترابية وبناء الشراكات المحلية.

ويستند اختيار إقليم الجديدة إلى مؤشر مركب يضم 19 متغيرا اجتماعيا واقتصاديا، بما يعكس توجها نحو اعتماد القرار المبني على المعطيات الدقيقة بدل التقديرات العامة، في إطار رؤية تروم تعميم نموذج التدبير الترابي التدريجي على باقي الأقاليم.

كما تعتمد التمثيلية الترابية على رأسمال بشري متخصص يضم 15 مواكبا اجتماعيا، تم تكوينهم على الجوانب القانونية والسلوكية والتدبيرية، لضمان توحيد المساطر وتحسين جودة المواكبة، مع إدماج أدوات رقمية متقدمة تشمل منصات للتوجيه والتتبع، ونظم معلومات جغرافية، وأدوات تواصل تعتمد الذكاء الاصطناعي.

وفي ما يتعلق بالرهان الاستراتيجي، أوضح التقرير أن هذا التوجه يهدف إلى الانتقال من دعم اجتماعي ذي طبيعة تحويلية مباشرة إلى نموذج إدماج اقتصادي واجتماعي أكثر استدامة، يجعل من القرب الترابي أداة مركزية لفهم الواقع الاجتماعي وتكييف السياسات العمومية معه.

غير أن المعطيات نفسها، رغم غناها، تطرح ضمنيا سؤالا حول مدى قدرة هذه الهندسة المعقدة للتصنيف والمواكبة على تحقيق أثر ملموس على مسارات الإدماج الاقتصادي، خاصة بالنسبة للفئات التي لا تزال تعبر عن هشاشتها البنيوية وحاجتها إلى حلول تتجاوز الدعم المالي نحو الإدماج الفعلي في سوق الشغل والنشاط الاقتصادي.