وصفة صوفية مغربية لمواجهة "هوس البوز" في المحتوى الرقمي

محمد فرنان

تسمرت قدماه أمام اللافتة الإعلانية المنتصبة في مدخل "قصر الباشا"، وعيناه مثبتتان على صورة الميزان المتلألئ، الذي يتأرجح بين عالمين متناقضين.

في كفة، تتكدس أيقونات مواقع التواصل الاجتماعي بألوانها، ترمز إلى عالم رقمي صاخب، سريع التغير، يغرقنا في بحر من المعلومات المتدفقة، وفي الكفة الأخرى، يضيء قنديل عتيق، يحمل بين جوانبه كلمة "الأخلاق"، وكأنها منارة وسط أمواج متلاطمة.

هذا التجسيد البصري أثار في داخله شيئا، كيف يمكن لهذا المكان، الذي يحمل بين جدرانه عبق التاريخ، ومؤسسة لها ارتباط بتاريخ روحي، أن تستضيف حدثا يلامس صراعنا اليومي؟ صراع التوازن بين عالم افتراضي يجذبنا إليه بكل مغرياته، وعالم قيمنا الذي نخاف أن نفقده في زحمة الحياة.

أوضح لـ"تيلكيل عربي" أنه لا يعتبر نفسه متدينا، لكنه يؤمن بالقيم وأهمية الاحترام، ولم يسبق له حضور أي نشاط يشهد تفاعلا مباشرا بين مؤسسة ذات صلة بالتصوف وبين قضايا تثير اهتمام الرأي العام.

لقاءات المحتوى الرقمي

لم يكن الحدث سوى ندوة تحت عنوان "المحتوى الرقمي ورهان القيم: بين الحرية والمسؤولية والالتزام الأخلاقي"، عُقدت في الأسبوع الماضي، بمقر محكمة دار الباشا في الدار البيضاء، وتلاها لقاء رمضاني بالمكتبة الوطنية في الرباط حول "القيم في مواجهة تحديات المحتوى الرقمي: الإطار القانوني، المسؤولية المجتمعية والتأطير الأخلاقي".

هذا اللقاء من تنظيم مؤسسة الملتقى، التي يرأسها مولاي منير القادري بودشيش، مدير الملتقى العالمي للتصوف ونجل شيخ الطريقة القادرية البودشيشية جمال الدين القادري بودشيش، وأطر اللقاءات أكاديميون وصحافيون وصناع المحتوى.

وأفاد مصدر قريب من المؤسسة لـ"تيلكيل عربي"، أن اللقاءات سوف تستمر مستقبلا حول هذا الموضوع.

مسؤولية مجتمعية

شدّد مولاي منير القادري بوتشيش، مدير مؤسسة الملتقى، في تصريح صحفي حضره "تيلكيل عربي"، على أنه "في عالم الرقمنة والتكنولوجيا الذي نعيشه، لا بد من التفكير في تحديات المحتوى الرقمي على المستوى الأخلاقي والقيمي، ولا بد من بلورة رؤية شاملة تشاركية في إطار قانوني وأخلاقي ومسؤولية مجتمعية يشارك فيها الأفراد والمجتمع".

وأوضح المتحدث ذاته، أن "المحتوى الرقمي له سلبيات كبيرة منها الإشاعة ونشر خطاب الكراهية والإضرار بالخصوصيات الشخصية، لذلك يجب أن تتضافر كل المستويات المؤسساتية والفردية للتعاون وتوحيد الجهود لتحصين الهوية الثقافية والثوابت الدينية على المستوى القانوني والمؤسساتي والأخلاقي".

التصوف كحل

وذكر أستاذ المالیة الإسلامیة بجامعة دوفین بفرنسا، أن "التصوف، باعتباره مساهما في ترسيخ القيم والأخلاق، واهتمامه بالإنسان من الداخل، هو منبع هذه القيم، ولقاءات الملتقى تهدف إلى توعية الشباب بأهمية تجويد المحتوى الرقمي، وأن يساهم الفضاء الرقمي في تعزيز هويتنا وأخلاقنا، والمطالبة بتوجيه التطور الرقمي لتحصين المجتمع من هذه المحتويات، وإذا تكاتفت الجهود بين الأفراد والمؤسسات، يمكن تحقيق توازن بين التطور الرقمي وحماية القيم الأخلاقية".

المس بالخصوصيات

وأكد في كلمته في الدار البيضاء أمام الحاضرين، أن "المحتوى الرقمي يواجه تحديات جسيمة على المستوى الأخلاقي والقيمي، ولا بد للإطار القانوني أن يلعب دورا مهما، والمسؤولية الاجتماعية كأفراد ومجتمع تلعب دورا في بلورة محتوى قيمي بعيدا عن محتوى الكراهية والقيل والقال و"البوز" الذي يمس بخصوصيات الأشخاص، ويعتبر التصوف السني الجنيدي، كإحدى الركائز الروحية في مجتمعنا، وأداة لتعزيز وعي الشباب بمخاطر الهيمنة التكنولوجية، ودفعهم إلى التفكير في كيفية الحفاظ على استقلاليتهم في عالم رقمي متسارع".

سيطرة الآلة

وأشار إلى أن "عددا من الباحثين الغربيين تحدثوا عن الجوانب السلبية للذكاء الاصطناعي، حيث يرون أن هذه التكنولوجيا قد تشكل خطرا على الإنسان إذا لم يتم ضبط استخدامها بشكل أخلاقي ومسؤول، لذلك فلا بد من الرجوع إلى أصالتنا وهويتنا لتحصين أنفسنا من سيطرة الآلة، وأن نكون نحن من يسيطر عليها، وهو القادر على إنتاج خطاب مستمد من الرسالة المحمدية، يسوده التضامن والأخلاق".

الحرية والحق في التعبير

وأما في الرباط، فنبه مولاي منير القادري بوتشيش، رئيس مؤسسة الملتقى، إلى أن "الحرية والحق في التعبير مكفولان، لكن لا يجب أن يكونا وسيلة للمساس بالقيم الجماعية والحياة الشخصية للأفراد، والتصدي للتجاوزات في العالم الرقمي مسؤولية الأفراد أولا، ثم المجتمع المدني من جمعيات وأحزاب، وأيضا المؤسسات الرسمية".

وأورد أنه "يجب أن تكون القيم المغربية وتعاليم الإسلام المعتدل الأساس الذي نتعامل به مع المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، والقوانين والأخلاق يمكن أن تكون مدونة، لكنها تبقى حبرا على ورق ما لم تنبعث تربية وسلام داخلي، ينتج سلاما خارجيا ينعكس سلوكا على أرض الواقع، سماته التعاون والتعايش والرحمة".

نعيش أزمة أخلاقية

وأكد أننا "نعيش أزمة أخلاقية يشهد بها الجميع، وقد نصل إلى كارثة، وإذا لم نربط التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي بالقيم الروحية والأخلاقية المستمدة من موروثنا الثقافي ورأسمالنا اللامادي، فقد يؤدي ذلك إلى أزمة أخلاقية تهدد نسيج المجتمع".

الاستعانة بالتصوف

وأفاد خريج دار الحديث الحسنية بالرباط أن "التصوف ليس مجرد تجربة روحية منعزلة عن المجتمع، بل هو نهج يقوم على الرحمة والخدمة، فالصوفي يعيش وفق قيم عصره، والتصوف في جوهره هو الأخلاق، إذ يُقال: 'من زاد عليك في الأخلاق، زاد عليك في التصوف".

واجب جماعي

وأشار الحاصل على دبلوم في العلوم الاقتصادية وتسییر المقاولات جامعة كرونبل بفرنسا 1999 إلى أن "الرأسمال اللامادي الثقافي المغربي أصبح معرضا لهجمات كبيرة في الفضاء الرقمي، الشيء الذي يجب أن نواجهه بتشجيع المحتوى الرقمي المغربي الأصيل، الذي يحافظ على الثوابت الوطنية ولا يفرط في القيم الدينية".

ودعا إلى "السهر على تكوين أشخاص يساهمون في بناء المجتمع وتنميته عن طريق القيم الأخلاقية الإنسانية، وهذا الأمر ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو واجب جماعي، واجب الفرد والمجتمع المدني والأحزاب وكل المؤسسات".

وأبرز أنه "يجب أن نكون جميعا حماة المحتوى الرقمي المغربي الهادف، ولنجعله أداة لصناعة إنسان صادق مخلص لوطنه ودينه، لا للهدم وإفشاء ثقافة التشهير والأخبار الكاذبة، والجري وراء الشهرة وجمع الإعجابات، والربح على حساب القيم والأخلاق".