تأملات مغربية - الجزء 11.. من هيئة الإنصاف والمصالحة إلى مصالحة جديدة

تيل كيل عربي

بقلم: ناجي العماري

هل يمكن لمجتمع أن يتجاوز ماضيه دون مواجهة حقيقية مع تاريخه؟ وهل تكفي المصالحة الرمزية لخلق واقع جديد، أم أن المصالحة الحقيقية تتطلب تغييرات جوهرية تتجاوز الاعتراف اللفظي إلى إعادة تشكيل البنى السياسية والاجتماعية؟

يقول نيلسون مانديلا: "الحقيقة هي أننا لسنا أحرارًا بعد، لقد نلنا فقط حرية أن نكون أحرارًا". فهل المغرب اليوم نال حرية المصالحة أم أنه لا يزال حبيس تاريخه؟

المصالحة بين الخطاب والواقع

المصالحة ليست إعلانًا سياسيًا، ولا خطابًا رسميًا يُذاع في المناسبات الوطنية. المصالحة سيرورة تاريخية، صراع مفتوح بين قوى تريد التغيير وقوى لا تزال تحتمي بالماضي.

فإذا كان فلاديمير لينين قد قال: "الثورة لا تتحقق بعبارات جوفاء، بل بفعل حقيقي يهز أسس النظام القائم"، فهل نحن أمام مصالحة حقيقية أم مجرد إعادة إنتاج لنفس التوازنات القديمة؟

لقد شكلت هيئة الإنصاف والمصالحة خطوة جريئة، لكن هل كانت كافية؟ هل تحولت توصياتها إلى إصلاحات مؤسساتية تضمن عدم تكرار الانتهاكات؟ أم أن التجربة تحولت إلى تمرين سياسي، حيث تم الاعتراف بالضحايا دون تغيير الشروط التي أنتجت الانتهاكات أصلًا؟

العدالة الانتقالية بين الإغلاق وإعادة إنتاج الأزمة

حين نتحدث عن العدالة الانتقالية، فالسؤال ليس فقط عن كشف الحقيقة، بل عن المساءلة والمحاسبة. هل يمكن تحقيق مصالحة دون محاسبة حقيقية للمسؤولين عن الانتهاكات؟ هل يمكن بناء الثقة في مؤسسات لم تشهد قطيعة واضحة مع الماضي؟ وكما قال دينغ شياو بينغ: "ليس مهمًا لون القط، طالما أنه يصطاد الفئران"، فهل الإصلاحات الحالية تصطاد جذور الأزمة، أم أنها تدور حولها دون المساس بجوهرها؟

إن الديمقراطية ليست فقط نصوصًا قانونية، بل هي ممارسة يومية. وكما قال أحدهم: "الديمقراطية ليست فقط مؤسسات، بل هي ممارسة يومية للحرية والكرامة"، فهل وصلنا إلى هذه الممارسة أم أننا لا نزال نعيش ديمقراطية شكلية؟

مصالحة مع من؟

في مغرب اليوم، لا تزال الفجوة الاجتماعية قائمة، بل إنها تتسع أكثر فأكثر. لا يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية في ظل استمرار التهميش، وغياب العدالة المجالية، وسياسات اقتصادية لا تعكس إرادة وطنية بقدر ما تخضع لمنطق السوق والمؤسسات المالية الدولية. فكيف يمكن إقناع المواطن بأن الماضي قد طُوي إذا كان يشعر بأن حاضره امتداد له؟

إذا كانت المصالحة تهدف إلى بناء عقد اجتماعي جديد، فهل تم إشراك الجميع في صياغته؟ أم أن المصالحة تمت بين السلطة وبعض الفاعلين السياسيين، بينما ظل المجتمع خارج المعادلة؟

نحو مصالحة جديدة

إذا كانت المصالحة الأولى قد أخفقت في تحقيق تحول حقيقي، فهل نحن بحاجة إلى مصالحة جديدة؟ هل نملك الشجاعة لمساءلة الماضي بجرأة، ليس فقط على مستوى الانتهاكات السياسية، بل أيضًا على مستوى التوزيع غير العادل للسلطة والثروة؟ هل يمكن تحقيق مصالحة يكون فيها المواطن شريكًا حقيقيًا، لا مجرد متلقٍّ لوعود سياسية؟

كما قال مانديلا: "الشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام"، ولكن أي سلام نقصد؟ سلام الاستقرار الظاهري أم سلام العدل الحقيقي؟ وكما يعلمنا التاريخ، فإن كل مصالحة غير مكتملة تحمل في طياتها بذور أزمتها المقبلة. فهل نحن مستعدون لمواجهة الحقيقة، أم أننا نفضل أن تبقى المصالحة مجرد فصل آخر في كتاب لم يكتمل بعد؟