أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في وقت سابق، خلال مؤتمر الصحفي، عن مجموعة جديدة من الرسوم الجمركية المتبادلة.
وابتداء من الآن، ستخضع جميع الدول لرسوم جمركية لا تقل عن 10 بالمائة، فيما ستواجه عشرات الدول، التي تعتبر إدارة ترامب أنها تفرض رسوما مرتفعة على المنتجات الأمريكية، رسوما جمركية "متبادلة" بمعدلات مرتفعة.
وحُددت نسبة الرسوم على المغرب بـ10 في المائة، وهي النسبة الأدنى بين الدول المستهدفة، مما يعادل التعريفات الجمركية المفروضة على السلع الأمريكية.
في هذا السياق، أفاد رشيد حسناوي، أستاذ التعليم العالي وخبير اقتصادي، في تصريح لموقع "تيلكيل عربي" اليوم السبت، أنه لا يمكن إنكار أن المغرب يُعتبر من بين الشركاء الاستراتيجيين التقليديين للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأسباب جيوسياسية وجيوستراتيجية متشابكة تتجاوز البعد الاقتصادي الضيق.
وأوضح حسناوي، أنه من جهة، يُشكّل المغرب نقطة ارتكاز جغرافي فريدة عند ملتقى إفريقيا وأوروبا، ويطل على أهم الممرات البحرية الحيوية (مضيق جبل طارق، المحيط الأطلسي)، ما يمنحه أهمية عسكرية واستخباراتية في إطار التحالفات الغربية. ومن جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة تراهن على المغرب كبوابة متعددة الاتجاهات نحو أسواق إفريقيا جنوب الصحراء، التي تُعدّ ساحة تنافس شرس بين القوى الكبرى (الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي).
واستطرد حسناوي، قائلا: الاتحاد الأوروبي باعتباره أول شريك اقتصادي للمغرب، ما يفتح المجال أمام الاستفادة من اتفاقيات المغرب مع أوروبا في سياق تكاملي؛ وكذلك الشرق الأوسط، خصوصًا بعد تطورات التطبيع والتحولات الجيوسياسية الإقليمية، ما يمنح المغرب موقعًا وسطًا في موازين القوى.
وقد أبرز في سياق حديثه أنه من هذا المنطلق، جاءت اتفاقية التبادل الحر التي دخلت حيّز التنفيذ سنة 2006 كترجمة اقتصادية لهذه الرؤية الاستراتيجية. فبالنسبة للمغرب، كان الدافع المعلن يتمثل في جذب الاستثمارات الأمريكية ودعم القضية الوطنية في المحافل الدولية، خاصة في ملف الصحراء المغربية.
وأشار إلى أنه، بالنسبة للولايات المتحدة، فالاتفاقية كانت وسيلة لتثبيت موطئ قدم اقتصادي دائم في شمال إفريقيا، وخلق "هُب تجاري" قادر على تسهيل الولوج إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية والشرق أوسطية، فضلاً عن مواجهة النفوذ الصيني والفرنسي والروسي في المنطقة.
استمرار في منطق المصالح الأمريكية
في هذا الصدد، أفاد حسناوي أن قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأتي بفرض رسوم جمركية جديدة على واردات مجموعة من الدول منها الدول المغاربية، بنسب متفاوتة، كمؤشر واضح على استمرار السياسة التجارية الأمريكية في الدفاع الصارم عن مصالحها الاقتصادية، سواء عبر القيود الجمركية أو الأدوات غير التعريفية، في سياق ما يُعرف بـ"الحمائية الانتقائية".
وبين خلال حديثه، أن هذا القرار بطبيعة الحال لا يمكن فصله عن منطق إعادة رسم سلاسل القيمة العالمية وفق الرؤية الأمريكية، والتي تسعى إلى تقليل الاعتماد على الخارج؛ دعم الصناعة الوطنية و المحلية؛ واستخدام الاتفاقيات الثنائية ليس كأدوات للتنمية المشتركة، بل كوسائل لفرض شروط مجحفة على الشركاء الأقل قوة.
ولفت الانتباه إلى أنه يبدو من خلال طبيعة الرسوم أن الولايات المتحدة تميّز بين شركائها حسب درجة توافقهم مع رؤيتها الاستراتيجية، وهو ما يفسر فرض رسوم ثقيلة على سوريا والعراق والجزائر وتونس وليبيا، مقابل رسوم أخف على المغرب، رغم أن هذا المغرب يعاني بدوره من قيود خفية مضمّنة في الاتفاقية المرتبطة بالتبادل الحر. سأوضحها في ثلاث نقط.
القيود الخفية في اتفاقية التبادل الحر المغربية الأمريكية
في هذا الإطار، كشف حسناوي، أن اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة التي يُفترض أن تمنح المغرب أفضلية، تنطوي على شروط تقنية صارمة تُعيق الانفتاح التجاري الكامل، منها قواعد المنشأ التقييدية خاصة في قطاع النسيج والألبسة، حيث تفرض الاتفاقية شرط "التحويل الثلاثي" (تحويل الخيط، ثم النسيج، ثم التصنيع النهائي) داخل المغرب، وهو أمر يفوق القدرات الصناعية المحلية، ويجعل العديد من المنتجات غير مؤهلة للاستفادة من الامتيازات الجمركية.
واستطرد قائلا: ثانيا، قاعدة النقل المباشر، التي تمنع مرور البضائع المغربية عبر بلد ثالث (مثل كندا أو دول أوروبية) في طريقها إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال عملية التصدير. هذه القاعدة تشكل عائقًا لوجستيًا كبيرًا، خصوصًا مع محدودية الخطوط البحرية المباشرة من المغرب إلى أمريكا وغلاء تكلفة النقل عبر الطائرة.
وأضاف حسناوي، أن النقطة الثالثة، تتمثل في العوائق اللغوية والثقافية. لأن غالبية الفاعلين الاقتصاديين المغاربة يعتمدون اللغة الفرنسية، ما يُصعّب التفاعل مع السوق الأمريكية التي تتطلب كفاءة عالية في اللغة الإنجليزية، سواء في التفاوض أو الالتزام بالمعايير التقنية والتجارية.
وفي سياق متصل، قال حسناوي، بالنسبة للمستقبل يمكن للمغرب أن يستثمر الظرف الحالي لتعزيز موقعه كـمنصة صناعية واستثمارية جذابة بالنسبة للشركات الأمريكية، سمعنا مؤخرا أخبارا عن اهتمام "شركة تيسلا" الأمريكية الرائدة عالميًا في صناعة السيارات الكهربائية بالولوج إلى منطقة التسريع الصناعي بالقنيطرة، في خطوة قد تحمل في طياتها تحوّلًا نوعيًا في تموقع المغرب ضمن سلاسل القيمة المضافة العالمية.
واختتم حديثه قائلا: ولكن تعزيز الاستثمار والإنتاج والتصدير يبقى رهينا بقدرة الحكومة المغربية على تجويد الأداء المؤسساتي وتحيين الإطار القانوني وأخص بالذكر اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وأمريكا التي يجب العمل على إعادة التفاوض بشأن العديد من بنودها. فالمستثمرون العالميون، خاصة في قطاعات التكنولوجيا الفائقة، لا يبحثون فقط عن التكاليف التنافسية، بل أيضًا عن بيئة مؤسساتية متقدمة تسهل العمليات وعن قوانين تحمي رؤوس الأموال.