أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأن نتائج الحسابات الوطنية برسم الفصل الرابع من سنة 2024 سجلت أن النمو الاقتصادي الوطني سجل تباطؤا في معدل نموه بلغ 3,7 بالمائة عوض 4,2 بالمائة خلال نفس الفصل من سنة 2023.
وأوضحت المندوبية في مذكرة إخبارية حول الوضعية الاقتصادية الوطنية خلال الفصل الرابع من سنة 2024 أن الطلب الداخلي شكل قاطرة للنمو الاقتصادي في سياق اتسم بالتحكم في التضخم وتفاقم الحاجة لتمويل الاقتصاد الوطني.
قطاع الفلاحة: الهشاشة المزمنة للاقتصاد القروي
سجّل القطاع الفلاحي تراجعًا حادًا بنسبة 4,9 بالمائة خلال الفصل الرابع من 2024، مقارنة بارتفاع نسبته 1 بالمائة في نفس الفصل من 2023. هذا الانخفاض ليس سابقة في الاقتصاد المغربي، لكنه يُعيد إلى الواجهة إشكالية الهشاشة البنيوية للقطاع الفلاحي، الذي ما يزال يشغل حوالي 30 بالمائة من اليد العاملة، ويساهم بنسب متغيرة في الناتج الداخلي الخام (ما بين 12 و14بالمائة)، دون أن يمتلك مقومات الاستدامة والإنتاجية العالية.
في هذا السياق تواصل موقع "تيلكيل عربي" اليوم الخميس، مع عبد المجيد شراس، الأستاذ المحاضر بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، وفي رده على التساؤلات، لفت إلى أن هذا التراجع يفسر بعدة عوامل متداخلة، من قبيل تغيرات مناخية متكررة وتراجع التساقطات المطرية، وكذلك ضعف الاستثمار في الفلاحة الذكية، وغياب تنويع حقيقي في المحاصيل وتعويل مفرط على الحبوب، بالإضافة محدودية الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
واستطرد قائلا: إن الاستمرار في الاعتماد على الفلاحة كمحرك للنمو دون تأمينها عبر مقاربات جديدة سيجعل النمو الاقتصادي رهينًا للتقلبات المناخية والظرفية الدولية.
الصناعات التحويلية: الحاجة إلى إعادة تموقع استراتيجي
تباطأت وتيرة نمو الصناعات التحويلية من 7,4 بالمائة إلى 3,7 بالمائة، وهو انخفاض كبير بالنظر إلى رهانات التصنيع التي راهن عليها المغرب في إطار "الميثاق الصناعي الجديد"، وخطط الإقلاع الصناعي السابقة.
وقال شراس، في هذا الصدد، إن هذا التباطؤ قد يُعزى إلى عدة عوامل، من قبيل، ضعف تكامل المنظومات الصناعية المحلية مع سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا في ظل الأزمات الجيو-اقتصادية، وكذلك إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة مما أثر على تنافسية الصناعات المغربية، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة.
وذكر شراس أن من بين الأسباب، كذلك، محدودية الابتكار والتكنولوجيات الجديدة داخل البنية الصناعية الوطنية، والتباطؤ في الطلب الخارجي على بعض المنتجات المصنعة، لا سيما في قطاعات السيارات والنسيج.
وأوضح في سياق كلامه أنه إذا كان التصنيع يُعدّ شرطًا أساسيًا لبناء اقتصاد صلب، فإن هذه المؤشرات تدفعنا إلى التفكير في تحول صناعي نوعي لا يقتصر على التجميع أو التصدير، بل يراهن على الابتكار ورفع القيمة المضافة محليًا.
الطلب الداخلي: دعامة للنمو أم قيد على التوازنات؟
أبرزت المندوبية أن الطلب الداخلي ظل المحرك الأساسي للنمو خلال الفصل الرابع، وهو ما يعكس استمرار الدينامية الاستهلاكية للمواطن المغربي، وكذا استمرار الإنفاق العمومي، خصوصًا على مستوى الاستثمارات العمومية والبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية.
وبين شراس أن هذا المعطى، وإن كان إيجابيًا من حيث المدى القصير، فإنه يطرح عدة ملاحظات من قبيل أن الطلب الداخلي لوحده لا يُمكنه أن يحقق نموًا مستدامًا في غياب دعم الصادرات والاستثمار الخاص.
وتابع شراس، قائلا: إن استمرار التمويل العمومي للنمو دون موازاة حقيقية من القطاع الخاص يؤدي إلى تفاقم حاجيات التمويل والعجز الميزانياتي، بالإضافة إلى أن ضعف الادخار الوطني وتباطؤ قدرة الأسر على خلق فائض للادخار يُهددان بضغط متزايد على الموارد المالية.
بين خلال حديثه أن الطلب الداخلي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً كليًا عن دينامية استثمارية خارجية ومحلية حقيقية خصوصًا إذا علمنا أن الاستهلاك لا يخلق دائمًا فرص شغل مستقرة ولا يحفز الإنتاج الوطني بالضرورة.
تراجع في بعض القطاعات الاستراتيجية: مؤشرات على ركود استثماري؟
أبرز شراس، في سياق حديثه أنه بالرغم من تسجيل ارتفاعات مشجعة في قطاعات السياحة (+12,8 بالمائة)، والتعليم والصحة والخدمات العمومية، إلا أن بعض القطاعات الحيوية شهدت تباطؤًا واضحًا مثل النقل والتخزين من 5,3 بالمائة إلى 4,6 بالمائة، والخدمات المالية والتأمينية من 5,5 بالمائة إلى 4,3 بالمائة، فيما انخفضت الأنشطة العقارية من 3,3 بالمائة إلى 1,9 بالمائة.
وأشار شراس في تعليقه، إلى أن هذا التراجع قد يُفَسَّر على النحو الآتي، تردد القطاع الخاص في توسيع استثماراته بسبب الغموض المرتبط بالأفق الاقتصادي، أو ضعف التحفيزات وكذلك في ارتفاع كلفة التمويل واشتداد شروط الولوج إلى القروض البنكية، بالإضافة إلى تأثير الأوضاع الدولية (ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، اضطراب سلاسل الإمداد، وتباطؤ الاقتصاد الأوروبي نحو استراتيجية نمو أكثر توازنًا واستدامة.
ولضمان نمو اقتصادي متوازن وشامل، قال شراس إنه ينبغي للمغرب إعادة النظر في هندسة نموه، عبر تحفيز الابتكار والإنتاجية في القطاع الصناعي والفلاحي وإرساء منظومة مالية مرنة تستوعب المقاولات الصغرى والمتوسطة بالإضافة إلى ربط التكوين المهني والعالي بسوق الشغل وتحولاته التقنية وتعزيز العدالة الجبائية وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات ذات القيمة المضافة وكذلك التحول نحو الاقتصاد الأخضر والرقمي كقاطرتين مستقبليتين للنمو.
واختتم شراس، حديثه قائلا إن الانتقال من معدل نمو 4,2 بالمائة إلى 3,7 بالمائة خلال سنة واحدة قد يبدو طفيفًا في الظاهر، لكنه يعكس تحولات عميقة في طبيعة الاقتصاد الوطني، الذي يواجه اليوم معضلات النموذج أكثر من ظرفية الأرقام، مشيرا إلى أن النمو الكمي لم يعد كافيًا بل المطلوب هو نمو نوعي عادل ومستدام قادر على خلق فرص شغل لائقة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز سيادة المغرب الاقتصادية في محيط دولي معقد.