قال عمر حجيرة، كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، إن الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية التي يعرفها العالم تفرض على الفضاء الأورو-متوسطي ودول الخليج العربي صياغة منظومة صلبة للسيادة الصناعية والتجارية المشتركة، قادرة على تعزيز مرونة الاقتصادات ومواجهة الأزمات المتتالية.
وأوضح حجيرة، في كلمة له خلال الدورة الرابعة للمنتدى البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج، المنعقد اليوم الجمعة بمدينة مراكش، أن هذه المنصة لم تعد مجرد فضاء للحوار العابر، بل تحولت إلى رافعة استراتيجية لصياغة معالم المستقبل المشترك بين الفضاء الأورو-متوسطي ومنطقة الخليج العربي.
وأضاف كاتب الدولة أن العالم يعيش وضعا اقتصاديا غاية في التعقيد والصعوبة، نتيجة الاضطرابات المتتالية التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية خلال السنوات الأخيرة، وتقلبات أسعار الطاقة، وتصاعد النزاعات الإقليمية، وما خلفته من تداعيات سلبية على الأداء الاقتصادي الدولي.
وسجل حجيرة أن الحروب والنزاعات الجيوسياسية الراهنة أحدثت صدمات عنيفة في بنية الاقتصاد العالمي، برزت في التضرر الحاد لسلاسل الإمداد والتوريد الدولية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري إلى مستويات قياسية، بعد تأثر الخطوط الملاحية الدولية الحيوية، مشيرا إلى أن هذه التكاليف ارتفعت بنسبة تراوحت بين 20 و30 في المائة في بعض الخطوط.
وأضاف أن هذا الاضطراب المستمر تسبب في موجات تضخمية غير مسبوقة، مدفوعة بارتفاع حاد في أسعار الطاقة والسلع الاستراتيجية، من قبيل الحبوب والمعادن والمنتجات الطاقية، مبرزا أن أسعار النفط تجاوزت في بعض الأحيان 120 دولارا للبرميل.
وعلى مستوى حركة التجارة الدولية، أوضح المتحدث أن هذه التقلبات أثرت في معدلات التبادل التجاري بين الدول والأسواق العالمية، خاصة مع تغيير مسارات الشحن والتدفقات السلعية التقليدية، مما رفع التكاليف التشغيلية للمصانع والشركات، وأدى بدوره إلى انخفاض تدفق الصادرات والواردات عبر الحدود.
واستعرض حجيرة عدد من المعطيات الرقمية منها أن هذه الاضطرابات أدت إلى خفض توقعات النمو الاقتصادي العالمي إلى 2.5 في المائة خلال السنة الجارية، عوض 2.9 في المائة، وهي أضعف وتيرة منذ أزمة كوفيد-19، مضيفا أن توقعات النمو الاقتصادي في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط انخفضت من 4 في المائة إلى 1.6 في المائة.
وسجل أن هذه الظروف المعقدة تجعل بناء سيادة صناعية وتجارية مشتركة ضرورة ملحة، لافتا إلى أن الفضاء الأورو-متوسطي ودول الخليج العربي يمتلكان معا كل مقومات التكامل المنشود، من تكنولوجيا متطورة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وموارد طاقة تقليدية ومتجددة هائلة، وقدرات مالية واستثمارية ضخمة.
وأشار حجيرة إلى ضعف استثمار الإمكانات التي تتوفر عليها المنطقة العربية، رغم ما تزخر به من مؤهلات اقتصادية وبشرية وفرص تجارية واعدة، مبرزا أن التجارة العربية البينية لا تتجاوز 700 مليار دولار، فيما لا تمثل نسبة التبادل التجاري العربي البيني سوى 11 في المائة من مجموع التجارة الخارجية للدول العربية.
وفي استعراضه للتجربة المغربية، أوضح أن الاستراتيجية الصناعية والتجارية للمغرب ركزت على خلق منظومات صناعية عالية التنافسية، وهو ما أثمر نتائج ملموسة جعلت المملكة من الدول الرائدة ضمن خارطة التصنيع الدولية.
وفي قطاع صناعة السيارات، أشار حجيرة إلى أن الطاقة الإنتاجية للمملكة بلغت اليوم سقف مليون سيارة سنويا، بنسبة إدماج محلي تتجاوز 69 في المائة، مما جعل المغرب المصدر الأول للسيارات السياحية إلى الاتحاد الأوروبي.
أما في قطاع الطيران، فأبرز أن المغرب بات يحتضن أكثر من 140 مقاولة عالمية تنشط في مجالات دقيقة، من بينها صناعة أجزاء الطائرات والمحركات، بما يعكس الثقة الدولية في كفاءة اليد العاملة المغربية وفي مناخ الأعمال بالمملكة.
وعلى مستوى البنية التحتية اللوجستية، أكد كاتب الدولة أن المملكة تستند إلى روافع لوجستية من الجيل الجديد، في مقدمتها المركب المينائي "طنجة المتوسط"، الذي يحتل المرتبة الأولى في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، إلى جانب ميناء الناظور غرب المتوسط، والورش التاريخي الكبير المتمثل في "ميناء الداخلة الأطلسي"، الذي سيشكل بوابة وبؤرة تنموية تربط المنطقة بالعمق الإفريقي والأطلسي.
وفي هذا السياق، توقف حجيرة عند اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، باعتبارها إطارا متطورا للاندماج الاقتصادي والتقارب التشريعي بين الطرفين، إلى جانب اتفاقية أكادير وما تتيحه من مزايا لتعزيز الشراكة الاقتصادية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
كما أبرز أن الاتحاد الأوروبي يشكل شريكا مهما للمملكة المغربية، حيث شهدت المبادلات التجارية نموا مهما على مدى العشرين سنة الماضية، منتقلة من 11 مليار دولار سنة 2000 إلى 71 مليار دولار سنة 2025، مع تصدر كل من فرنسا وإسبانيا لهذه المبادلات.