كشف رأي لمجلس المنافسة حول وضعية المنافسة في أسواق توزيع الأدوية بالمغرب عن اختلالات تمس منظومة توزيع الأدوية، سواء على مستوى التوزيع بالجملة أو على مستوى التوزيع بالتقسيط عبر الصيدليات.
وأفاد الرأي، الذي قدم مجلس المنافسة مضامينه خلال ندوة صحفية عقدها اليوم الثلاثاء بمقره بالرباط، بأن النموذج الاقتصادي لموزعي الأدوية بالجملة يتسم بالهشاشة، حيث سجل تراجعا في مستوى الربحية، إذ انتقلت نسبة الربح الصافي إلى رقم المعاملات من 1,3 في المائة سنة 2016 إلى 0,9 في المائة سنة 2024، وذلك رغم ارتفاع رقم المعاملات الإجمالي.
وعزا الرأي هذه الاختلالات إلى مجموعة من العوامل التي تؤثر في قابلية نشاط التوزيع بالجملة للاستمرار اقتصاديا، من بينها نمط التعويض المعتمد أساسا على هامش محسوب على سعر الدواء، مع هوامش غير مرتبطة بالتكاليف الحقيقية المرتبطة بأجور المستخدمين، في سياق تميز بارتفاع التكاليف بنسبة 36 في المائة ما بين سنتي 2020 و2024، بالتوازي مع انخفاضات متتالية في أسعار الأدوية.
ولفت الرأي، في هذا السياق، إلى كلفة إضافية مرتبطة بتجميد المخزون في ظل تراجع الهوامش، مبرزا أن الإطار التنظيمي يفرض الاحتفاظ بمخزون أمان يعادل شهرا واحدا من مبيعات السنة السابقة (N-1)، ويشمل 80 في المائة من الأدوية المرخصة، بينما يبلغ متوسط مدة دوران المخزون شهرين و10 أيام خلال الفترة 2022–2024.
ومن جهة أخرى، أبرز الرأي وجود آجال أداء أطول في بداية سلسلة التوزيع مقارنة بنهايتها، حيث يبلغ متوسط آجال الأداء بين المؤسسات الصناعية الصيدلية والموزعين بالجملة حوالي 81 يوما، مقابل 97 يوما بين الموزعين بالجملة والصيدليات.
وأورد المجلس في رأيه أن هذا الوضع يرتبط بوجود عدم تماثل تنظيمي في تطبيق قانون آجال الأداء، الذي يطبق على الموزعين بالجملة ولا يطبق على الصيادلة، موردا أن 90 في المائة من الصيدليات تحقق رقم معاملات يقل عن مليوني درهم.
وفيما يتعلق بالتوزيع بالتقسيط عبر الصيدليات، أفاد الرأي بأن هذه الحلقة تخضع لقيود تنظيمية صارمة وتواجه تآكلا في الربحية، حيث انتقلت نسبة الدخل المهني إلى رقم المعاملات من 10,3 في المائة سنة 2016 إلى 8,9 في المائة سنة 2024، رغم ارتفاع رقم المعاملات الإجمالي.
وكشف الرأي أن رقم معاملات سوق الدواء بالمغرب بلغ حوالي 25,9 مليار درهم سنة 2024، مقابل 10,6 مليارات درهم من الواردات و1,6 مليار درهم من الصادرات.
وبخصوص بنية السوق، أظهر التحليل الذي قام به مجلس المنافسة وجود تفاوت داخل قطاع الصيدليات، مبرزا أن 70 في المائة منها تحقق رقم معاملات سنويا يقل عن 1,2 مليون درهم، فيما يتراوح رقم معاملات 20 في المائة من الصيدليات بين 1,2 و2,5 مليون درهم، في حين لا تتجاوز نسبة الصيدليات التي يتجاوز رقم معاملاتها 2,5 مليون درهم حوالي 10 في المائة.
وفي السياق ذاته، أبرز الرأي أن شبكة الصيدليات تعرف كثافة مرتفعة تؤدي إلى تجزئة السوق، حيث بلغ عدد الصيدليات 14 ألفا و134 صيدلية سنة 2024، مقابل 9 آلاف و185 صيدلية سنة 2015، أي بزيادة 54 في المائة، ما يعني وجود صيدلية واحدة لكل 2600 نسمة، وهو معدل يفوق مرتين توصية منظمة الصحة العالمية التي تقترح صيدلية واحدة لكل 5000 نسمة.
وفي المقابل، سجل الرأي تركيزا حضريا لشبكة الصيدليات، حيث يضم محور الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة حوالي 45 في المائة من مجموع الصيدليات.
وتوقف الرأي أيضا عند التطور المسجل في عدد خريجي الصيدلة، إذ بلغ عدد الخريجين الجدد 910 صيادلة سنة 2024 مقابل 297 سنة 2016، أي بزيادة 206 في المائة، بينما بلغ مجموع الخريجين خلال الفترة 2016–2024 نحو 4676 صيدليا، تلقى 60 في المائة منهم تكوينهم في الخارج.
وأشار المجلس إلى وجود ارتباط مرتفع بين إحداث الصيدليات وعدد الخريجين الجدد بلغ 0,91.
وعلى صعيد الولوج إلى الخدمة الصيدلانية، أبرز الرأي وجود مفارقة تتمثل في أن كثافة شبكة الصيدليات تقابلها قيود تنظيمية تؤطر ساعات العمل والمداومة وكيفيات التنظيم الترابي للخدمة الصيدلانية، ما يفضي إلى فارق بين الولوج الجغرافي الظاهري والولوج الوظيفي الفعلي للخدمة الصيدلانية، وهو ما قد يحد من توفر الأدوية وإمكانية الولوج إليها.
وفيما يتصل بالأثر الاقتصادي لهذه الوضعية، أفاد المجلس بأن تجزئة السوق أدت إلى تراجع متوسط رقم المعاملات السنوي للصيدلية إلى حوالي 950 ألف درهم مقابل نحو 1,1 مليون درهم سنة 2016، في حين يبلغ متوسط الدخل المهني للصيدلية سنة 2024 حوالي 85 ألف درهم سنويا.
وأوضح الرأي أن نمط التعويض المعتمد أساسا على هامش مرتبط بسعر الدواء يضعف قابلية الصيدليات للاستمرار في غياب تثمين الفعل الصيدلي، مبرزا أن بنية السوق تتجه بقوة نحو الأدوية منخفضة السعر.
وفي هذا الإطار، أوضح مجلس المنافسة أن الشريحة T1 (PFHT أقل من أو يساوي 166 درهما) تمثل حوالي 99 في المائة من حجم مبيعات الأدوية ونحو 80 في المائة من قيمتها الإجمالية، مشيرا إلى أن 85 في المائة من تخفيضات أسعار الأدوية التي أقرتها السلطات العمومية تتركز في هذه الشريحة.
ورصد الرأي قيودا أخرى مرتبطة بالنموذج الاقتصادي الحالي للصيدليات، من بينها غياب حق الاستبدال الذي يحد من مرونة صرف الأدوية ومن إمكانية تحسين تدبير المخزون، فضلا عن ممارسات صرف الأدوية داخل المصحات التي تؤدي إلى تحويل جزء من الطلب خارج الشبكة الصيدلانية، بما يؤثر في توازن شبكة الصيدليات.