دعا نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، إلى جعل قطاع الصحة أحد أعمدة السيادة الاستراتيجية للمغرب، معتبرا أن تحقيق الأمن الصحي لا يقتصر على رفع نسبة التصنيع المحلي للأدوية، بل يمر عبر بناء منظومة وطنية متكاملة قادرة على التحكم في مختلف حلقات الإنتاج والابتكار.
وخلال الندوة الوطنية التي نظمها حزب الاستقلال حول موضوع "السيادة الاستراتيجية"، برئاسة نزار بركة، أمس الخميس، أوضح أن المغرب يغطي حاليا نحو 63 في المائة من احتياجاته الدوائية، غير أن استمرار استيراد حوالي 37 في المائة من هذه الاحتياجات يظل مصدر هشاشة في ظل التحولات الدولية المتسارعة، كما يشكل عبئا ماليا متزايدا على المنظومة الصحية، خاصة مع تضاعف نفقات الصحة خلال السنوات الأخيرة.
وفي تشخيصه لهذا الواقع، قال بركة إن المغرب حقق تقدما مهما في مجال التصنيع الدوائي، لكنه ما زال بحاجة إلى رفع هذه النسبة، مضيفا: "انتما عارفين اليوم 63% ديال الأدوية كتصنع فالمغرب، وبغينا نزيدو نطوروا هاد النسبة"، واعتبر أن بلوغ مستويات أعلى من الإنتاج الوطني لم يعد خيارا، بل ضرورة تفرضها التحولات الدولية ومتطلبات الأمن الصحي.
وأوضح أن الحاجة إلى السيادة الصحية لم تعد ترفا، لأن كلفة القطاع أصبحت في ارتفاع متواصل، مشيرا إلى أن "النفقات ديال الصحة تضاعفات 3 المرات"، وهو ما يجعل تقليص التبعية للأسواق الخارجية أمرا ملحا لحماية المالية العمومية وضمان استدامة ورش الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية.
وأضاف أن استمرار استيراد جزء مهم من الاحتياجات الصحية لا يمثل مجرد عملية تجارية، بل يؤدي أيضا إلى تصدير فرص الاستثمار والشغل إلى الخارج بدل استثمارها في خلق فرص عمل لفائدة الكفاءات الوطنية والشباب المغربي.
وأكد بركة أن تحقيق السيادة الصحية لا يمكن أن يقتصر على تصنيع الأدوية في مراحلها النهائية، بل يستوجب التحكم في مختلف حلقات سلسلة الإنتاج، قائلا: "ضروري نشتغلوا على السيادة الكاملة اللي هي متكاملة فيما بينها"، في إشارة إلى ضرورة تطوير القدرة الوطنية على إنتاج المواد الفعالة والجزيئات الدوائية واللقاحات، إلى جانب تصنيع المستلزمات الطبية الأساسية، من قبيل المحاقن والتجهيزات الطبية الدقيقة، بما يقلص من تبعية المملكة للأسواق الخارجية وسلاسل التوريد العالمية.
وشدد الأمين العام لحزب الاستقلال على ضرورة تجاوز منطق تدبير الأزمات الظرفية في القطاع الصحي، والانتقال إلى سياسة تقوم على توطين البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا الصحية، معتبرا أن استمرار استيراد التكنولوجيا دون تطوير محتوى علمي ورقمي وطني يجعل المغرب في موقع المستهلك بدل المساهم في إنتاج المعرفة والصناعة الدوائية.
وأضاف أن الرهان الحقيقي يتمثل في تشجيع البحث العلمي لإنتاج جزيئات دوائية وطنية، وتطوير صناعات صحية متقدمة، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويضمن استقلالية القرار الصحي، مع الاستفادة من المؤهلات الصناعية والطاقية التي يتوفر عليها المغرب، لاسيما من خلال توظيف الطاقات المتجددة في الصناعات الدوائية.
وفي سياق حديثه عن مفهوم السيادة الاستراتيجية، اعتبر بركة أن هذا التوجه يشكل امتدادا طبيعيا للمسار التاريخي لحزب الاستقلال، موضحا أن المرحلة السابقة انصبت على تحرير الأرض واستكمال الوحدة الترابية، بينما تتمثل المرحلة الراهنة في "معركة التحرير من التبعية الاقتصادية".
وأكد أن الغاية من هذا التوجه هي "تحرير الإنسان المغربي" عبر تعزيز استقلال القرار الوطني وتحصينه من الإملاءات الخارجية والتقلبات المفاجئة للأسواق الدولية، مشددا على أن "السيادة الوطنية لا تتجزأ"، وأنها تشمل مختلف الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يضمن للمغرب قدرة أكبر على حماية مصالحه الوطنية وصياغة خياراته التنموية باستقلالية.