كشفت وثائق تاريخية إسبانية، تم تداولها مؤخرا، عن مشروع قديم يعود إلى القرن التاسع عشر كان يهدف إلى بناء منارة بحرية على جزيرة ليلى (المعروفة في الأوساط الإسبانية باسم "جزيرة برجيل")، لأسباب لم تكن فقط ملاحية، بل كانت تحمل أيضًا بُعدا استراتيجيا وأمنيا واضحا، في إطار محاولات ترسيخ السيادة الإسبانية آنذاك على الجزيرة الواقعة على بعد أمتار فقط من السواحل المغربية الشمالية.
المشروع الذي ظل حبيس الأدراج ولم يُنفذ قط، وُلد في سياق توترات إقليمية ودولية سنة 1887، عندما سادت مخاوف في الأوساط العسكرية الإسبانية من "احتمال احتلال الجزيرة من قبل قوى أجنبية مثل بريطانيا، فرنسا أو الولايات المتحدة"، بحسب ما نشره باحثان من جامعة مدريد في دورية متخصصة بالتاريخ السياسي والعسكري.
منارة صغيرة لرسائل كبيرة
بحسب الوثائق، كانت الخطة تقضي ببناء منارة من الدرجة السادسة (وهي الأصغر ضمن تصنيف منارات الملاحة)، بارتفاع متواضع، وبتكلفة إجمالية ناهزت حينها 43 ألف بيزيتا. وتم إعداد مخططات تقنية للمشروع، أشرف عليها مهندس إسباني يدعى إنريكي آلان، وقد حُفظت هذه المخططات لاحقا في الأرشيف التاريخي لإقليم قادس.
إلا أن الهدف من المنارة لم يكن بحريا صرفا، بل وُصف في وثيقة تعود إلى وزارة الحرب الإسبانية سنة 1887 بأنه "إجراء وقائي لتفادي أن تستولي قوة أجنبية على الجزيرة وتستغل موقعها الإستراتيجي للتحكم في مدخل مضيق جبل طارق أو تهديد مدينة سبتة".
تحليل عسكري لموقع الجزيرة
في تقرير سري صادر في 13 فبراير 1887 بعنوان: "تدابير احتلال الجزيرة على خلفية الصراع الأوروبي"، أوصى ضابط عسكري بتشييد المنارة في أقصى الشمال، مشيرا إلى أن الجزيرة لا تصلح كقاعدة بحرية كبيرة، لكنها يمكن أن تُستغل من طرف قوى معادية كمنصة لهجمات بحرية مفاجئة (كمين بحري للقراصنة أو الزوارق الحربية).
وأشار التقرير إلى أن التحكم في جزيرة ليلى "يمنح أفضلية استراتيجية في مراقبة الملاحة القادمة نحو سبتة والمياه الإقليمية القريبة"، معتبرا أن حماية الجزيرة ممكنة "بتكلفة منخفضة".
كما اقترح التقرير تهيئة ممرات ومسالك عبر فتح خنادق تؤمن التنقل البري داخل الجزيرة، وتحسين ولوج القوارب من جهتي الشرق والغرب.
الجزيرة في عيون القوى الكبرى
تزامن الحديث عن المشروع مع ازدياد القلق الإسباني من نشاط مهربين يُشتبه في انطلاقهم من جبل طارق، ما دفع الملكة الوصية ماريا كريستينا حينها إلى إصدار أوامر بدوريات بحرية لمراقبة محيط الجزيرة، وبحث جدوى إضاءة الموقع بمنارة مؤقتة لتيسير حركة الصيادين والحرس الإسباني.
لكن الأمور تعقّدت حين أبلغ الوزير المفوض الإسباني لدى المغرب، خوسيه ديوسدادو إي كاستيو، حكومته أن المسؤولين المغاربة قدّموا اعتراضا رسميا على مشروع تشييد المنارة، بعدما وضع ضباط إسبان عمودا خشبيا عليه لوحة تزعم تبعية الجزيرة لإسبانيا، وهو ما أثار احتجاج باشا "أنجرة".
وأكد الوزير الإسباني أنه طلب من الجانب المغربي إزالة العمود، بل وصرّح أنه لا مانع لديهم من مواجهة أي مقاومة "مدنية" بالمطالبة بوثائق الملكية، وهو ما لم يكن متوفرا، حسب قوله.
نفي رسمي ومناوشات إعلامية
وزير الخارجية الإسباني حينها، سيغيسموندو موريت، أرسل مذكرة رسمية للرد على التقارير الإعلامية التي انتشرت – ومنها مقال في صحيفة "إل إمبارثيال" – تدّعي أن الحكومة الإسبانية شرعت فعليا في احتلال الجزيرة وبناء المنارة.
ونفى الوزير الأمر رسميا، مؤكدا أن كل ما تم هو إرسال فريق هندسي "لدراسة جدوى المشروع"، دون اتخاذ أي قرار نهائي بالبناء. وفي الوقت ذاته، طلب من البعثة الدبلوماسية في طنجة البحث عن أي وثائق تؤكد "امتلاك إسبانيا للجزيرة".
لاحقا، اعترف الوزير الإسباني المفوض بأن "لا وجود لأي تنازل رسمي من المغرب بشأن جزيرة ليلى في معاهدة واد راس"، التي أنهت حرب تطوان سنة 1860، مؤكدا أن الجزيرة لطالما كانت تحت السيادة المغربية، والدليل أن مدريد كانت في عدة مناسبات تطالب الرباط بمنع أي احتلال أجنبي لها.
مشروع لم يُولد
مع تصاعد الجدل، توقفت الفكرة، وبقي المشروع في رفوف الأرشيف. لم تُبنى المنارة، ولم يُفرض احتلال دائم. وبقيت جزيرة ليلى – أو "تارفة" كما تُعرف محليًا – شاهدا صامتا على توترات إقليمية سابقة وحاضرة.
الوثائق الإسبانية نفسها، رغم محاولة توظيفها في سياق إثبات الطموحات السابقة لمدريد، تؤكد أن السيادة على جزيرة ليلى كانت – ولا تزال – مغربية. فكل محاولة لاستغلالها من طرف إسبانيا أو غيرها، ظلت تصطدم بواقع سياسي وجغرافي وتاريخي واضح، يتمثل في انتماء هذه النقطة الصخرية الصغيرة للمجال الترابي المغربي.