معضور يكتب: المغرب يسكننا.. قبل أن نسكنه!

تيل كيل عربي

بقلم: يوسف معضور

في كل مرة يخوض فيها المنتخب المغربي مباراة مهمة، تتكرر نفس المشاهد، شوراع شبه فارغة، وملايين المغاربة يتابعون المباراة وكأنهم يعيشون الحدث نفسه من المكان نفسه.

 للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مجرد شغف بكرة القدم، لكن القراءة المتأنية لهذه الظاهرة تكشف أنها تتجاوز الرياضة بكثير، وتمثل أحد أقوى التعبيرات الجماعية عن العلاقة التي تربط المغاربة بوطنهم.

في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات شائعا، وعن اتساع دائرة الانتقاد والتذمر من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، حيث يعتبر البعض هذا النقد دليلا على ضعف الانتماء الوطني أو تراجع الشعور بالارتباط بالوطن، غير أن مشاهد الالتفاف الجماعي حول المنتخب المغربي تكشف أن هذا الاستنتاج غير واقعي.

الفرق كبير بين العلاقة مع السياسات العمومية أو المؤسسات وبين العلاقة مع الوطن نفسه، المواطن قد ينتقد أداء إدارة أو يختلف مع قرار أو يطالب بحقوقه الاجتماعية والاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بعلاقة وجدانية عميقة مع وطنه، وما يحدث خلال مباريات المنتخب يؤكد أن الانتماء الوطني في المغرب ما زال قويا ، وأقوى مما تظهره النقاشات اليومية.

المنتخب الوطني ينجح فيما تفشل فيه أحيانًا العديد من الخطابات السياسية ، فيما يخص إنتاج شعور جماعي بالانتماء، و الملاحظ في المقاهي مثلا و فضاءات المشجعين أنه عندما يسجل المغرب هدفا، يفرح الجميع بشكل موحد ويجدون أنفسهم داخل هوية جماعية واحدة، تذوب فيها الانتماءات.

هذه القدرة على خلق هذا الإجماع الوطني ليست شأنا رياضيا، بل يمكن اعتباره مؤشر اجتماعي مهم على وجود رصيد كبير من الوحدة الوطنية ما زال قائما داخل المجتمع المغربي.

الأهم من ذلك أن هذا الالتفاف يحدث في سياق اقتصادي واجتماعي ليس دائما بالسهل، فالمغاربة الذين يحتفلون في الشوارع هم أنفسهم الذين يواجهون تحديات المعيشة والبطالة وارتفاع الأسعار وصعوبات الحياة اليومية، ومع ذلك، فإن هذه التحديات لم تنجح في قطع الرابط العاطفي الذي يجمعهم بوطنهم، وهنا تكمن أهمية الظاهرة فهي تثبت أن الانتماء الوطني لا يُقاس بدرجة الرضا عن الظروف المعيشية فقط، بل بعمق الشعور بالهوية المشتركة والمصير المشترك!

من زاوية أخرى، فإن مشاهد التشجيع الجماعي تحمل رسالة مهمة للمسؤولين وصناع القرار، بغض النظر على أنها تلقائية تبرز صورة فرحة عفوية، فالشعب الذي يستطيع أن يجتمع بهذه السرعة وبهذا الزخم حول رمز وطني، هو شعب يمتلك احتياطيا كبيرا من الثقة والانتماء والطاقة الإيجابية، غير أن هذا الرصيد يحتاج إلى تعزيز مستمر من خلال السياسات العمومية التي تجعل المواطن يشعر بأن حبه لوطنه يجد صداه في الواقع !

 المغاربة لا يطالبون بأن يتحول وطنهم إلى فضاء مثالي خال من المشاكل، لكنهم يتطلعون إلى أن يروا في حياتهم اليومية ما يعكس تلك المشاعر التي يعيشونها أثناء تشجيع المنتخب، والشعور بأن النجاح الجماعي ممكن، فكما أن الانتصار الرياضي يمنح الناس الإحساس بالفخر والانتماء، فإن الانتصار في باقي المجالات قادر بدوره على تحويل هذا الانتماء العاطفي إلى ثقة مستدامة في المستقبل.

 الدرس الأهم الذي تمنحنا إياه مباريات المنتخب الوطني و انتصاراته في كل مرة هو أن المغرب يملك كل مقومات الوحدة والنجاح، لأن أعظم رأسمال لأي دولة بالموازاة مع بنياتها التحتية، و جودة الخدمات التي تقدم لمواطنيها هو شعب يؤمن بها، والمغاربة، في كل مرة يرفعون فيها العلم ويهتفون باسم وطنهم، يؤكدون أنهم ما زالوا يؤمنون بمغرب يسكنهم قبل أن يسكنوه !