أحياء بلا صوت الخروف.. كيف حول الغلاء بهجة العيد إلى "طقس صامت"؟

محمد فرنان

في السنوات السابقة، كان اقتراب عيد الأضحى يعلن عن نفسه في الأحياء قبل أيام، لا عبر الإعلانات ولا البلاغات، بل عبر صوت واحد بسيط، صوت الخروف الذي يتسلل من الأزقة، ومن أسطح المنازل، ومن خلف الأبواب الحديدية التي تخفي "الأمانات" المؤقتة للعيد.

لكن هذا العام، ومع اقتراب الأربعاء المقبل، موعد العيد، يبدو المشهد مختلفا بشكل لافت، الأحياء أكثر هدوءا، كأنها فقدت إحدى إشاراتها الموسمية المعتادة، لا أصوات خراف تسمع بوضوح، ولا حركة "الاستعدادات" التي كانت تحول الأزقة إلى فضاءات صغيرة للحياة والانتظار.

بين هذا الهدوء اللافت واقتراب العيد، تتبدل ملامح طقس اجتماعي ظل لسنوات جزءا من ذاكرة المدن والأحياء، حيث لم يكن الخروف مجرد شعيرة موسمية فقط، بل علامة صوتية تعلن قدوم يوم استثنائي.

سيدة في السبعين من عمرها، في حديثها لـ"تيلكيل عربي"، قالت: "الدرب ما فيهش الصوت ديال الحولي، فهاذ الوقت كان الصوت كيبان، كاين العيد، ودابا حنا مشنقين مع الحياة باش نشريو الحولي".

واليوم، في ظل هذا الصمت غير المعتاد، يقترب العيد بشكل مختلف، أقل ضجيجا، وأكثر تأملا، وكأن المدينة كلها تعيد ترتيب علاقتها مع لحظة كانت دائما تسمع قبل أن ترى.

سوسيولوجيا، لا يعبر هذا الهدوء المفاجئ عن غياب مادي للأضحية بقدر ما يكشف عن تحول في وظيفة الفضاء العمومي داخل الأحياء، لطالما شكل "صوت الخروف" في السوسيولوجيا الثقافية ما يعرف بـ"المؤشر السمعي المشترك"، وهو خيط غير مرئي يربط الأفراد بالجماعة.

إن انسحاب هذا الصوت من الأزقة والأسطح وانكماشه داخل الشقق المغلقة أو تأخير اقتنائه، يترجم انتكاسة رمزية للفردانية القسرية، حيث تدفع الإكراهات الاقتصادية الحادة الأسر إلى "خصخصة الطقس" وإخفائه، تحاشيا للوصم الاجتماعي أو تفاديا لإعلان العجز الطبقي في مجتمع يرى في الأضحية رأسمالا رمزيا يعزز المكانة الاجتماعية.

بذلك، يتحول "الحولي" من شعيرة دينية محاطة بالبركة والفرح في المخيال الشعبي إلى "عبء مجتمعي" ومصدر قلق بنيوي يهدد الاستقرار المالي للطبقات الهشة والمتوسطة على حد سواء.

هذا الانتقال من "البهجة التلقائية" إلى "القلق التدبيري" (المشانقة مع الحياة) يعكس كيف تعيد التحولات الرأسمالية والضغوط التضخمية صياغة الطقوس الأنثروبولوجية، محولة إياها من فضاء للاحتفال الجماعي إلى عبء يتطلب استراتيجيات دفاعية معقدة لتدبير المظاهر.

التساؤل الطفولي "أين اختفى صوت الخروف؟" يحمل في طياته بعدا يرتبط بالتنشئة الاجتماعية والذاكرة السمعية للمدينة، الأجيال الجديدة تشهد اليوم قطعا مع "الأنثروبولوجيا الحضرية" التي شكلت وجدان الآباء، حيث كانت الاستعدادات للعيد مدرسة يومية مفتوحة لتعلم قيم التضامن واقتسام المساحات والبهجة الجماعية.

غياب هذه المثيرات السمعية والبصرية يعيد صياغة علاقة الطفل بالطقس الديني، ليتحول العيد في عيونهم من تجربة حية ومحسوسة يشارك فيها الحي بأكمله، إلى مجرد "حدث استهلاكي عابر" ينحصر داخل حدود المطبخ أو شاشة التلفاز، مما يؤذن بظهور أنماط جديدة من التدين والاحتفال، أكثر برودا وانفصالا عن الجماعة.