بقلم: *نور محمد رضا
لم تكن القمة التي جمعت دونالد ترامب وشي جين بينغ بداية مصالحة بين واشنطن وبكين، بل محاولة محسوبة لضبط خصومة أصبحت أكبر من أن تُترك بلا إدارة. فالعلاقة بين القوتين لم تنتقل من الصراع إلى التعاون، بل من التوتر المفتوح إلى التوتر المنظم.
خلف الإعلانات التجارية واللغة الدبلوماسية الحذرة، تبدو المعادلة واضحة: الولايات المتحدة والصين تريدان منع التصعيد، لا إنهاء المنافسة. فتايوان، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، وإيران، ومضيق هرمز، والنفوذ العالمي، كلها ملفات تؤكد أن الصراع بينهما بنيوي وطويل المدى.
لذلك، لا ينبغي قراءة القمة كتحول تاريخي، بل كصمام أمان مؤقت في علاقة ستظل محكومة بالتنافس، والشك، وحسابات القوة.
تهدئة تكتيكية لا مصالحة استراتيجية
أعادت القمة التواصل المباشر بين قيادتين تديران أكثر علاقة دولية حساسية. وهذا في حد ذاته مهم، لأنه يقلل سوء التقدير، ويضبط الإشارات، ويمنح الأسواق والحلفاء والخصوم هامشا من الوضوح.
لكن خفض التوتر لا يعني تغير طبيعة الصراع. واشنطن لا تزال تسعى إلى الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والعسكري، وبكين لا تزال متمسكة بخطوطها الحمراء في السيادة وتايوان ومحيطها الآسيوي.
ترامب يحتاج إلى مكاسب تجارية قابلة للتسويق داخليا، وشي يحتاج إلى تخفيف الضغط على الاقتصاد الصيني من دون الظهور بمظهر المتراجع في ملفات السيادة. من هنا، كانت القمة محاولة لتنظيم التنافس، لا لإنهائه.
التجارة: وعود سياسية بانتظار الاختبار
ركزت المخرجات التجارية على تعهدات صينية بشراء منتجات زراعية أمريكية وصفقات في قطاع الطيران، مع رغبة معلنة في تفادي حرب جمركية جديدة. تمنح هذه الإعلانات واشنطن مكسبا سياسيا، وتمنح بكين فرصة لتهدئة المناخ الاقتصادي من دون تقديم تنازلات استراتيجية.
لكن قيمة هذه التعهدات لن تُقاس بالبيانات، بل بالتنفيذ: العقود، الكميات، الجداول الزمنية، المدفوعات، والبيانات الرسمية القابلة للتحقق.
كما أن هذه الإعلانات لا تعالج جذور الخلاف: الدعم الصناعي، القيود التكنولوجية، أشباه الموصلات، الملكية الفكرية، المعادن الحيوية، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة. لذلك، فالقمة لا تعني عودة إلى العولمة التجارية المفتوحة، بل تؤكد صعود تجارة أكثر تسييسا وإدارة.
تايوان: اختبار الردع الأمريكي
يبقى ملف تايوان نقطة الاشتعال الأخطر. بالنسبة إلى بكين، يتعلق الأمر بالسيادة والشرعية التاريخية. وبالنسبة إلى واشنطن، يتعلق الأمر بالردع، ومصداقية التحالفات، واستقرار آسيا، وأمن أشباه الموصلات.
الخطر الأساسي ليس عسكريا فقط، بل سياسي أيضا. فإذا تشكل لدى بكين انطباع بأن واشنطن قد تحول تايوان إلى ورقة تفاوض، فإن الردع الأمريكي سيتضرر، وقد تندفع الصين إلى اختبار الحدود. كما أن الحلفاء الآسيويين، من اليابان إلى الفلبين وكوريا الجنوبية وأستراليا، سيقرؤون أي غموض أمريكي كاختبار لموثوقية واشنطن.
الغموض الاستراتيجي قد يكون مفيدا عندما يكون محسوبا ومؤسسيا. لكنه يصبح خطيرا عندما يبدو شخصيا أو قابلا للمساومة.
إيران وهرمز: تقاطع مصالح لا تحالف
لا مصلحة للصين في إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز، لأنها تعتمد على الطاقة القادمة من الخليج وتخشى اضطراب الأسواق. لذلك يمكن أن تتقاطع مع واشنطن في دعم حرية الملاحة ومنع أزمة طاقية كبرى.
لكن هذا التقاطع لا يعني تحالفا. فبكين قد ترى في انشغال الولايات المتحدة بالشرق الأوسط عاملا يخفف الضغط الأمريكي في آسيا. كلما اضطرت واشنطن إلى توزيع مواردها بين الخليج والمحيط الهادئ، اتسعت هوامش المناورة الصينية.
لذلك، ستدعم الصين الاستقرار عندما يهدد مصالحها الحيوية، لكنها لن تمنح واشنطن انتصارا مجانيا على طهران.
الذكاء الاصطناعي: حوار ضروري داخل صراع السيادة
أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من البنية الصلبة للقوة الدولية. فهو لم يعد قطاعا تقنيا فقط، بل مجالا للسيادة، والأمن القومي، والتفوق العسكري، والتحكم في البيانات والمعايير.
التنافس الأمريكي الصيني في هذا المجال هو صراع على بنية النظام الدولي المقبل: من يملك الخوارزميات؟ من يتحكم في الرقائق؟ من يحدد المعايير؟ ومن يدمج الذكاء الاصطناعي في الدفاع، والصناعة، والاقتصاد، والبنية التحتية؟
ورغم ذلك، يحتاج الطرفان إلى حد أدنى من الحوار لتجنب المخاطر القصوى: الهجمات السيبرانية، التلاعب المعلوماتي، الاستخدام الإجرامي أو الإرهابي للنماذج المتقدمة، والتطبيقات العسكرية غير المنضبطة.
لكن أي حوار جدي حول الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون تقنيا ومؤسسيا، لا مجرد صورة سياسية. فالمعيار ليس وجود قناة حوار، بل قدرتها على وضع قواعد، وتحديد عتبات، وبناء آليات إنذار عند الأزمات.
إفريقيا: خطر التهميش في نظام تكنولوجي جديد
تكشف القمة أن القواعد الكبرى للتجارة والتكنولوجيا والأمن الرقمي لا تزال تُصاغ داخل فضاءات تهيمن عليها القوى الكبرى. وإذا لم تبن إفريقيا موقعها التفاوضي الخاص، فقد تجد نفسها أمام نظام عالمي لا تشارك في تصميمه لكنها تتحمل نتائجه.
الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وشبكات الاتصالات، والبنية التحتية الطاقية، والذكاء الاصطناعي، كلها أصبحت أصولا سيادية. ومن يتحكم فيها يستطيع التأثير في القرار الاقتصادي والسياسي والأمني.
لذلك، لم يعد ممكنا التعامل مع التكنولوجيا كقطاع تنموي فقط. إنها مجال سيادة. والمطلوب إفريقيا هو بناء موقف قاري حول الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني، وتنويع الشراكات، ورفع القدرة التفاوضية في مشاريع البنية التحتية.
في زمن تتحول فيه البيانات إلى مادة استراتيجية، تصبح التبعية الرقمية شكلا جديدا من التبعية الجيوسياسية.
المغرب: تحويل الموقع إلى نفوذ
بالنسبة إلى المغرب، لا يمثل التنافس الصيني الأمريكي تهديدا فقط، بل فرصة لإعادة تثمين الموقع، والاستقرار، والبنية التحتية، والعمق الإفريقي.
يمتلك المغرب رصيدا مهما: استقرار مؤسساتي، واجهة أطلسية، موقع أورو إفريقي، طنجة المتوسط، الناظور غرب المتوسط، الفوسفاط، صناعة السيارات، الطيران، الطاقات المتجددة، البطاريات، والربط اللوجستي.
لكن قيمة هذه الأصول لا تتحقق تلقائيا. تحتاج إلى رؤية تربط اللوجستيك بالصناعة، والصناعة بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا بالسيادة. فالمغرب يستطيع أن يقدم نفسه لا كفضاء عبور فقط، بل كمنصة إنتاج وربط واستقرار.
الأولوية هي بناء عقيدة وطنية للسيادة التكنولوجية والصناعية: تدقيق التبعيات الحساسة، حماية البنيات التحتية الحيوية، تأمين البيانات، تطوير الحوسبة السحابية، تقوية الأمن السيبراني، وتأهيل الكفاءات.
أما في ملف الصحراء، فالأجدى هو تجنب أي تشبيه آلي بتايوان. فالسياقان مختلفان قانونيا وسياسيا. قوة الموقف المغربي تتعزز عبر مبادرة الحكم الذاتي، والحكامة الفعلية، والاستقرار، والممارسة الأممية، والاعترافات الثنائية، والاندماج الإفريقي، والانفتاح الأطلسي.
ما بعد القمة: المؤشرات الحاسمة
لن يُقاس أثر القمة بما قيل فيها، بل بما سيحدث بعدها. لذلك يجب مراقبة تنفيذ التعهدات التجارية الصينية، وتطور القيود الأمريكية على التكنولوجيا، ورد الصين في المعادن النادرة، واستمرار الدعم الدفاعي لتايوان، وردود فعل الحلفاء الآسيويين، ومستوى الحوار حول الذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة إلى إفريقيا والمغرب، تبرز مؤشرات أخرى: الاستثمارات في الكابلات البحرية لنقل البيانات ومراكز البيانات، موقع المغرب في سلاسل البطاريات والمركبات الكهربائية، الذكاء الاصطناعي التطبيقي، الأمن السيبراني، والممرات الأطلسية.
خلاصة
لم تنه قمة ترامب وشي الصراع الصيني الأمريكي. لكنها أكدت أن الطرفين يدركان خطورة تركه بلا ضوابط. نحن أمام هدنة باردة: لا ثقة كاملة، ولا قطيعة شاملة؛ لا شراكة استراتيجية، ولا مواجهة مباشرة؛ بل منافسة مضبوطة بقدر ما تسمح به المصالح والضغوط.
في هذا العالم، لن تكفي الدول سياسة الانتظار أو الحياد اللفظي. ستحتاج إلى بناء قدراتها، وتنويع شراكاتها، وحماية بنيتها التحتية، والتحكم في بياناتها، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة استراتيجية.
بالنسبة إلى إفريقيا، المطلوب ألا تكون متلقية للمعايير، بل طرفا في صياغتها. وبالنسبة إلى المغرب، تكمن الفرصة في الانتقال من التكيف مع التحولات إلى الاستثمار فيها، عبر السيادة التكنولوجية، والتموقع الأطلسي، والربط الصناعي، والعمق الإفريقي.
القمة لم تصنع سلاما بين العملاقين. لكنها كشفت ملامح مرحلة جديدة: مرحلة تُدار فيها القوة عبر التحكم في التوتر، وضبط الاعتماد المتبادل، وتحويل الاستقرار إلى نفوذ.
*أستاذ بكلية الحقوق بفاس، ورئيس مؤسس للمركز المغربي للدراسات الإفريقية والتنمية المستدامة