il m’a frappé!

أحمد مدياني
أحمد مدياني

شهر وأربعة أيام، قطعنا خلالها أزيد من 22 ألف كيلومتر، بمجموع ساعات سفر بلغ حوالي 55 ساعة، دون احتساب مدد التنقلات الماراثونية بين فنادق الإقامات ومراكز التداريب والملاعب، يوميا.

كل خمسة أيام، نقصد أحد المطارات أو نصعد إلى حافلة، للسفر نحو وجهات يزيد فيها الفارق الزمني مع المغرب أو ينقص أو يزيد بما بين خمس إلى 7 ساعات، دون فواصل راحة تمنحك فرصة للتعافي من اضطرابات ساعات النوم والاستيقاظ.

ولأني أدمنت منذ سنة التركيز عليها، حسابها مع كل حركة... أكل أو نوم، وجدت أنه باختلاف أنشطتنا اليومية، نحن الـ52 صحفية وصحفيا الذين شكلوا كتيبة تغطية مشاركة "الأسود" في نهائيات "مونديال 2026"، نحرق يوميا قرابة 3300 سعرة حرارية.

كم أحرق أنا يوميا؟

بفضل الالتزام ببرنامج التداريب اليومي منذ الساعات الأولى للصباح، يعرف كثيرون من أوفياء هذه الزاوية أن الرقم أعلاه يمكن ضربه في اثنين أو ثلاثة.

هل تعلمون كم أنتج الزميلات والزملاء خلال تغطيتهم لكأس العالم من مادة إعلامية ورقية، رقمية وسمعية بصرية؟

 قرابة 200 ألف محتوى إعلامي صِرف. أما إذا استدعينا ما تم توجيهه للنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، فسنجد ضعف الرقم وأكثر.

مقالات، حوارات، روبورتاجات، تقارير، مراسلات... تجاوزت ما هو مرتبط بحدود خطوط المستطيل الأخضر، لتشمل المجتمع والسياسة والفن والثقافة والدبلوماسية... في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك.

نفتخر بأننا لم نركز على المستديرة فقط، بل طرقنا أبواب مسؤولي مدنٍ وولايات ومؤسسات، تحدثنا معهم مباشرة عن المغرب وأشياء كثيرة أخرى. قلنا للعالم هذا هو وجه الصحافة المغربية الحقيقي، ليس ذلك الذي تُشكل ملامحه حملات التشويه الممنهجة، ممن كانوا، ذات زمان، يحتكرون المهنة بأصولها وفروعها، بكل الجشع الممكن وغير الممكن.

هنا، أقول، أنا الذي يمقُت الجحود: شكرا للجمعية المغربية للإعلام والناشرين، شكرا لرئيسها ادريس شحتان، وشكر مضاعف لرجال الميدان، المختار الغزيوي، يوسف باسور والقيدوم عيسى الكامحي. شكر خاص بطعم الإنسانية لكل زميلاتي وزملائي الذين تقاسمت معهم تفاصيل هذه المهمة.

نعم شكرا.

لماذا؟

لأن الصحافة المغربية، انتقلت من جحيم يوميات التغطية بقطر، حيث كان يبحث عدد من زملائنا، حينها، عن قوت اليوم حول موائد الرحمان، والمبيت داخل المساجد أو تحت طاولات المراكز الإعلامية، وممارسة رياضة المشي كُرها، إلى نعيم تنظيم لوجستي نسبة الخطأ فيه صفر.

نعم، كُنا نحمل همّ شيء واحد لا غير، ممارسة مهمتنا التي جئنا من أجلها، مع التشديد على أننا كنا نقوم بها باستقلالية تامة. بعثة واحدة، خطوط تحرير مختلفة، تتقاطع أحيانا دون سبق إصرار وترصد، وتتنافر أحيانا أخرى دون اصطدام.

أمام كل هذا النجاح، وأنا أكتب هذه الحروف، ترددت عندي أسئلة غارقة في التعجب، هي:

لماذا ينزعج البعض من رؤية بعثة إعلامية مغربية وفرت لها لأول مرة كل شروط الممارسة اللائقة لمهمتها؟!

هل يحنون إلى زمن كانت توزع فيه "أكواد فيفا" التي تمنح اعتمادات التغطية على الأقارب والأصدقاء؟!

كيف يفضلون شخصنة الدعم على مأسسته؟!

أين يجد بعضهم "قصوحية الجبهة" وهم يصيحون بما ليس فيهم تجاه كرامة الصحافي واستقلاليته المادية حين يُكلف بمهمة؟

أخيرا، من أنتم لتنصبوا أنفسكم حماة ما ليس فيكم منه مقدار حبة رمل؟!

خلال الاجتماع التنسيقي للبعثة الإعلامية بهيوستن، ثلاثة أيام قبل مباراة المغرب وفرنسا، قلت للزميلات والزملاء أفتخر بأنني جزء من هذه اللمة الإعلامية الاستثنائية.

ثم أضفت: "سوف أضع هذه التغطية ضمن خانة التجارب المهنية في سيرتي الذاتية".

شددت عليهم بضرورة حكي كل واحدة وواحد منا، ما عاشه خلال تغطية نهائيات كأس العالم من زاويته الإنسانية، لأن تناولها بكل الأحاسيس التي تملكت كل فرد منا، يوصل ما يحاول محترفو السوداوية حجبه بالجحود والتكبر وقليل من الغيرة، يتضح يوما بعد آخر أنها وإن كانت ليست مشروعة فهي مبررة!

تبريرها، تفرج العشرات منهم على نجاح مهمة مهنية خارج الحدود، لم يكونوا ضمن عناصرها الذين اشتغلوا على إنجاحها في الظل وإنزالها تحت الشمس. ما يزعجهم أكثر أيضا، أن منهم، بسبب نجاح هذه المهمة، من أيقنوا أن قطع إمدادات صنابير الاسترزاق البشري والمادي التي كانت تُفتح كل أربع سنوات، أصبح أمرا واقعا لا مرد منه.

 لأجل كل ما سبق، لم أستغرب ردود فعل الذين حولوا لحظة اعتداء على زميل لهم، لشجار بين شخصين، بل بلغوا حد وصف الواقعة بأنها فوضى، وكان علي لزاما لكي لا أزعجهم هُم، "نهز الدقة لي جات غفلة على كتفِي ونسكت!"

قبل الاعتذار للصحفي المعتدي، الذي ظننت، في بادئ الأمر، أنه فرنسي، ثم تبين لاحقا أنه برازيلي، لن أنسى موقف صحفية من اليابان رفقة زميل لها، هي من أرسلت لي الفيديو الذي نشرته على حسابي في موقع "فيسبوك". بعد السؤال عن لغتي الأم، استعانت بالترجمة الفورية على هاتفها، ثم كتبت: "ناقشت أنا وزميلي الواقعة، نحن مستعدان للشهادة لصالحك، سواء أمام مسؤولي (فيفا) أو الشرطة".

واقعة ندوة الناخب الوطني وهبي رفقة دياز فجرت عند كثر ما حاولوا كبته لسنوات، بل وجد فيها البعض عزاء لهم مما كانوا يهابونه، كانت لحظة انتقام معنوي لأجسادهم وأرواحهم، شعروا بنشوة انتصار زائفة، ولا أستبعد أن منهم من شاهد جميع مقاطع الفيديو التي وثقتها، بل أعادوها مئة مرة، وهم يبتسمون، فرحين، يتعافون مع كل ثانية منها.

حين انتفضت وصِحت "il m’a frappé"، كنت أجاهد للجم رد فعل غير محمود العواقب، كنت لأنتجه في موقف مثل هذا بسبب الفطرة والنشأة، في المقابل كان من يعتبرون أنفسهم لسنوات ضحايا الواقع والمواقع، يخضعون لعلاج نفسي جماعي!

مواضيع ذات صلة