هل المغرب في حاجة إلى المساجد أم المرافق الاجتماعية؟.. آراء المؤيدين والمعارضين

هيئة التحرير

الجدل الذي فجره مشروع بناء مسجد جديد في عاصمة سوس، بغلاف مالي قدره 35 مليون درهم، أثار قضية حساسة تتعلق بمال الإحسان العمومي، الذي لا يساير أحيانا الأولويات الاجتماعية للبلد. "تيلكيل" تطلق نقاشا.

"من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة"، حديث للنبي محمد (ص)، أورده الإمام مسلم، ومايزال يفتح الباب أمام أحلام وأماني كثير من المسلمين عبر العالم، والمغاربة ليسوا استثناء.

في 2016، وحسب الأرقام الرسمية، شيدت 166 من جمعيات المحسنين بالمغرب 172 مسجدا، أي أكثر من عدد المساجد التي بنتها الدولة، محددة في 29 مسجدا.

وفي 2018 تتوقع الدولة أن تفوت للمحسنين 14 بقعة أرضية تابعة لعقارات الأوقاف، ووعاء مجموعة العمران، موجهة لبناء مساجد.

وفي انتظار ذلك، بادر سكان أنزا العليا بأكادير، من الأحياء الأكثر كثافة سكانية بـ40 ألف نسمة، إلى إطلاق عريضة ضد بناء مسجد جديد يحمل اسم "يوسف بن تاشفين"، بتمويل من جمعية للمحسنين، بغلاف مالي يصل إلى 35 مليون درهم.

التبرير الذي قدمه السكان: بناء مسجد بتلك الكلفة المالية الضخمة ليس أولوية في حي يفتقر إلى كل شيء.

بيت في الجنة

"إنه أمر شاذ أن تسمح الدولة ببناء 200 مسجد في 2018، مقابل جامعة واحدة للتعليم العالي"، يقول محمد رضى الطاوجني، الناشط الجمعوي الذي كان وراء العريضة المحتجة ضد بناء مسجد أنزا العليا، التي أحدثت ردود فعل لدة عدد من رجال الدين بالمنطقة، وبعض وجوه الحركة الإسلامية بالمغرب، من قبيل عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص)، الذي وقع بدوره على العريضة.

"أنا مع الروحانية، ولكن النقاش يستحق أن يطرح. لماذا يركز المحسنون المغاربة على المساجد؟ أعتقد أن الأمر يرتبط بالإديولوجيا في معناها السيء وليس شيئا آخر. وأرى أن الإحسان لا يجب أن يظل منفصلا عن واقع البلد"، يؤكد عمر بلافريج، النائب البرلماني عن فدرالية اليسار الديمقراطي.

ويدعو البرلماني الشاب إلى دور اجتماعي" للعمل الإحساني، من قبيل: المدارس والمكتبات، وروض الأطفال في المناطق التي لا توجد بها.

الباحث بلال التليدي، العضو أيضا في حزب العدالة والتنمية وفي حركة التوحيد والإصلاح،  الذي أنجز عدة أبجاث ودراسات حول التدين بالمغرب، فيقول تقريبا الشيء نفسه: "تجب إعادة تأطير عمل المحسنين، وتنفيذ عملية تحسيس وسطهم، تشرح لهم أن الإحسان والعمل الجميل، ليس بالضرورة بناء مسجد، بل يمكن القيام برعاية شخص بدون مأوى، أو اليتامى، ومختلف الأشخاص في وضعية هشاشة".

الباحث يذهب أبعد من ذلك، موضحا أنه طيلة عقود، "كان هناك تفاوت بين الخريطة الدينية وخريطة توسع المدن"، بمعنى أن "أن عددا كبيرا من المدن افتقرت إلى فضاءات التعبد"، ليختم التليدي قائلا "في نظري، على الدولة أن تهتم أكثر بالمساجد الصغيرة".

النبرة ذاتها تحدث بها محمد رضى الطاوجني، معطيا المثال بمسجد في حي الهدى بأكادير، "بميزانية تصل إلى 50 مليون درهم، توقف المشروع منذ خمس سنوات، بسبب حاجة إلى تمويلات إضافية".

قريبا من الله ومن المسجد

بعض الأشخاص غضبوا ورأوا أنه من  المبالغة أن تجد عريضة مماثلة صدى لها في المغرب، البلد الثامن عالميا من حيث عدد أماكن التعبد. "إنها ديكتاتورية محضة. لا أحد من حقه أن يمنع المغاربة من بناء المساجد. هل يتجرأ أحدهم ويمنع تشييد الأندية والمقاهي؟"، يقول مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي المحلي في وجدة، ثم أضاف رئيس لجنة الإفتاء في المجلس الأعلى للعلماء، متحدثا عن أصحاب عريضة أنزا العليا بأكادير "فليأخذوا مبادرات وسيجدوننا في دعمهم".

وبالنسبة إلى رجل الدين الشهير "من حق أي مغربي الذهاب إلى المسجد خمس مرات في اليوم، دون أن يخاف على حياته"، أي أنه كل ما كان المسجد قريبا من البيت، كانت حياة المصلي في مأمن، مشيرا إلى أن "المساجد لا تشيد من أجل الصلاة فقط، فمنذ 1956 لم نستطع التغلب على الأمية، ولما صارت دروس محاربتها تقدم في المساجد، صرنا على الطريق الصحيح".

أما المحسنين الموجودين وراء مشروع مسجد أنزا العليا في أكادير، فيرون أن ذلك الحي بحاجة إلى عدد من المساجد، "فالمسجد الأقرب للحي، يوجد على بعد 1500 متر، والثاني على بعد ثلاث كيليومترات، والذهاب من أجل الصلاة في أكادير، يتطلب الأمر قطع مسافة 14 كيلومترا"، حسب عبد الهادي عناية، نائب رئيس الجمعية التي تحمل مشروع بناء مسجد يوسف بن تاشفين بأنزا.

بين القانوني وغير الشرعي

البرلماني عمر بلافريج يذهب بالنقاش إلى ضفف أخرى، بربطه بين بناء المساجد والإيديولوجيا. "المحسنون كان لهم دائما دور تاريخي في المغرب، يمثل في الحصول على الأموال الخليجية مقابل نشر الإيديولوجيا الدينية الوهابية"، مؤكدا وجود "عمل إحساني بخلفية إديولوجية"، ومثيرا أيضا، استعمال مال تم تحصيله بطرق غير شرعية في بناء المساجد، قائلا "في أغلب الحالات، المحسنون الذين يبنون المساجد، ليسوا دائما أشخاص نزيهين".

مصدر من شمال المغرب، يسلط الضوء أكثر مبينا المقصود بكلام البرلماني اليساري، ودون أن يكشف الأسماء، بالقول إن "عدد كبير من مساجد الريف بناها مهربو المخدارت". ولكن بعيدا عن جدل الأخلاق والنزاهة، تبرز أيضا قضية الاحتيال.

"المحسنون الحقيقيون يحبون الإنفاق دون أن يعرف أحد من هم، وبالتالي حينما أتبرع بمليون درهم على جمعية إحسانية ترمي إلى بناء مسجد، من يضمن لي أن نصف المبلغ لن يتخذ وجهة أخرى؟"، يتساءل محمد رضى الطاوجني، ويدعمه عمر بلافريج قائلا "من اللازم صراحة الانكباب على الجانب المالي للمساجد وطابع "القيسارية" الذي تتخذه كثير منها".

ويتساءل بلافريج، بالتحديد، عن "استعمال أموال وعائدات فضاءات تابعة للمساجد الكبيرة، التي تكون عادة حماما، أو فرنا ومخبزة، ومحلات تجارية"، ثم يدعو إلى ضرورة مراجعة دفاتر التحملات التي تربط بين الدولة والمحسنين.

جيش أحمد التوفيق

كم عدد المغاربة الذين يرتادون المساجد؟ لا وجود لأي إحصائيات رسمية، "وكل ما نعرفه أن ذروة الذهاب إلى المساجد تكون أيام الجمعة وخلال صلوات التراويح في رمضان"، يقول بلال التليدي. وإذا كنا لا نضبط عدد المؤمنين الذين يتوجهون إلى المساجد اعتياديا، توجد أرقام تجعلنا نعرف عدد الذين تضمن لهم المساجد لقمة العيش، علما أن بعض منهم يمارسون أعمالا أخرى.

وفي هذا الصدد، تشير أرقام وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أنها توظف 67 ألف قيم ديني (الأئمة والمؤذنين والأشخاص المكلفين بتدبير المساجد)، وتصل التعويضات التي يتلقونها، حسب أرقام 2017، إلى أكثر من مليار درهم، و200 مليون درهم من أجل تأمين التغطية الصحية لهم ولأسرهم. وفي المجموع تؤمن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حوالي 245 ألف شخص، دون أن نسيان امتيازات أخرى يستفيدون منها: منح الأعياد الدينية، ومساعدة المقبلين على الزواج.

وجدة.. الثانية عالميا في المساجد

تعد مدينة وجدة وصيفة إسطنبول، بطلة العالم الإسلامي من حيث عدد المساجد. وحسب المندوبية الجهوية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في وجدة، تتوفر المدينة على 400 مسجد، وأغلبها مساجد الجمعة، أي مساجد تحتضن صلوات الجمعة والخطب التي تلقى فيها.

و"يعكس ذلك الشعور الديني المرتفع لدى سكان تلك الجهة"، يقول بلال التليدي، وهو تدين، توجد فيه لمسة مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي المحلي، الذي قام بالشيء الكثير من أجل تسهيل مهمة المحسنين، خصوصا من حيث تعبئة الوعاء العقاري، وتسهيل المساطر الإدارية.

والذين يزورون وجدة، يلاحظون الإقبال الكبير على المساجد، التي يعد المسجد الكبير، أو تل السقافي، أقدمها، والذي شيد قبل قرنين، أما آخر مسجد كبير من حيث تاريخ البناء، فيحمل اسم "محمد السادس"، وقام الملك بتدشينه في 2012، وهو بمساحة 12 ألف متر مربع، وتصل قدرته الاستيعابية إلى 3000 مصل.

محمد بودرهم / ترجمة: امحمد خيي

مواضيع ذات صلة

أخبار أخرى

loading...