بقلم: ياسين بلكريم
ليعلم الجميع أن هناك رغبة سياسية حقيقية في تطويع الكلمة وتطويقها، ويجب على جميع مكونات المجتمع المدني، من أحزاب سياسية، ونقابات، وجمعيات، ومؤسسات حقوقية، وفعاليات مدنية وحقوقية، أن تلتف حول الحق، وحول من يناصره، وحول من لا رغبة له إلا في الدفاع عنه، وحول من يقف سدا منيعا في وجه الظلم والاستبداد، من أجل تشكيل إرادة جماعية بين هذه الأطياف الحية للتصدي لما يعيشه جسم المحاماة اليوم.
وعلى الجميع أن يعلم أن المعركة هي من أجل الحق في الدفاع، الذي يعد حقا كونيا يتمتع به المواطن، وتكمن مصلحته في وجود دفاع قوي غير مطوق أو مكبل بنصوص تمنعه من الدفاع عنه بشكل قوي وشرس. فلا عدالة دون محام قوي، ولا حقيقة دون محام قادر على إبراز العناصر والأدلة بشراسة.
إن الشعار الذي يرفعه المحامون والمحاميات في وقفاتهم الاحتجاجية: "وإلا حنا سكتنا شكون يتكلم.. وإلا حنا سكتنا المواطن يتألم"، ليس شعارا فضفاضا، بل يجسد جوهر هذه المعركة. فلا يمكن أن ترتقي المجتمعات بصمت مكوناتها، وخاصة فرسان الكلمة وأسياد المرافعات.
وبدون شك، فهذه الحكومة هي الأكثر اصطداما بشرائح المجتمع، والأكثر اعتمادا على المقاربة القمعية. فكيف لا، وهي التي أجهزت على الجسم الصحفي، وعلى أساتذة التعليم، وطلبة الطب، حيث كان للجميع نصيب من البطش والتعنت. وهو ما دفع شبابا، بكل عفوية، إلى الخروج للاحتجاج، رافعين شعارات اجتماعية وحقوقية في مواجهتها. ليأتي الدور، في آخر المطاف، على المحامين والمحاميات، باعتبارهم آخر حصن وجدار صلب ممانع، تسعى اليوم إلى دهسه.
ويفهم من ذلك، بشكل واضح، أن هناك رغبة في تمييع المجتمع، وإرادة جامحة لإسكات كل قوة حية، في مقابل تجاهل خطورة هذا الأمر، باعتبار أن مثل هذه الممارسات تضعف المؤسسات، وبالتالي تضعف المجتمع، وهو ما يضرب عرض الحائط أسس الشرعية المدنية.
لقد أبان هذا المسلسل، منذ الوهلة الأولى، أن وزير العدل ليس سوى واجهة لتلك الإرادة، وأن الأمر يتجاوز ما يجري داخل دهاليز الآلة التشريعية، ممثلة في لجنة العدل والتشريع، التي أصبحت تسير بسرعة البرق في كل ما يتعلق بالمصادقة على مشاريع القوانين، وفق الكيفية التي تناسب القائمين عليها.
فأفظع ما يمكن تصوره هو ربط مهنة يفترض فيها أن تكون حرة ومستقلة بسلطة حكومية، وتوسيع دائرة المتدخلين فيها، في الوقت الذي يعتبر فيه العالم، ومختلف التشريعات الدولية، أن هيئات المحامين، باعتبارها تنظيمات مهنية، تتمتع بسلطة التدبير والتنظيم الذاتي، ولا دخل لأي مؤسسة أو سلطة في نظامها أو تنظيمها الداخلي، ولا يحق لها أن تنصب نفسها وصية أو رقيبة عليها.
إن هذا المشروع لا يمكن النظر إليه أو التعاطي معه بشكل تقني فقط، لأنه يمس جوهر الحقوق الوطنية، ويطال مقومات دولة الحق والقانون. فإضعاف الدفاع هو، في حد ذاته، إضعاف للديمقراطية.
لقد حان الوقت ليلتف الجميع حول الدفاع، دفاعا عن الدفاع، ودفاعا عن الحق في الدفاع. لقد آن الأوان ليجتمع الجميع نصرة للحق، ولدولة الحق والقانون والديمقراطية. ولا مبرر للتراجع أو التزام الحياد، لأن العبرة تقول: "أحلك الأماكن في الجحيم هي للأشخاص الذين يلتزمون الحياد في الأزمات الأخلاقية."
إن المهنة اليوم تمر بأزمة لا يمكن تجاوزها إلا بتكاثف الجهود، وبالتفاف يشمل مختلف الإطارات الحقوقية والمدنية والسياسية.
وفي الختام، فإن الصمود والممانعة ورفض هذا المشروع هو السبيل إلى حماية المكتسبات، ولا مجال للتنازل عنها.