الكراوي لـ"تيل كيل": هذه هي التعليمات التي أعطاني الملك.. ولهذا رفضت تسقيف أسعار المحروقات

تيل كيل

ما أن تسلم إدريس الكراوي مهامه على رأس مجلس المنافسة حتى وجد على مكتبه ملفا حارقا هو طلب الحكومة تسقيف هوامش الربح بقطاع المحروقات. في هذا الحوار يكشف رئيس مجلس المنافسة مؤاخذاته على تحرير أسعار المحروقات، ويقدم تبريراته لرفه لمقترح التسقيف.

- كان مجلس المنافسة مشلولا لمدة طويلة. وقد اشتكى سلفك كثيرا من هذا الوضع في الصحافة. الوصول إلى رئاسة مؤسسة محط الأنظار والانتظارات مهمة ثقيلة لا شك...

إنني أعي جيدا المسؤولية والثقة اللذين وضعهما في جلالة الملك من خلال قراره إعادة تنشيط مجلس المنافسة. وأقدر أهمية هذا القرار السياسي الرامي إلى بناء حكامة اقتصادية تتحلى في الآن ذاته بالجودة والمسؤولية. وهذا يندرج، في تقديري، في إطار إتمام بناء الصرح المؤسساتي الوطني الذي يروم إلى منح المؤسسات المستقلة سلطة حقيقية حتى يكون لها ثقل حقيقي في التوازنات الكبرى.

أعتقد أننا في مرحلة تجسيد المستجدات التي جاء بها الدستور الجديد. فالمجلس الأعلى للحسابات، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ومؤسسة الوسيط، والهاكا، وكذلك مجلس المنافسة، كلها توجد في قلب البناء الديمقراطي من خلال نهوضها بمهامها وفقا للصلاحيات التي يمنحها لها القانون الأسمى لبلادنا. إننا في حاجة إلى تحقيق توازن بين الجهاز التنفيذي والجهاز التشريعي، والإطارات الاستشارية وكذا آليات المراقبة والضبط.

إننا إذن في قلب هذا البناء الديمقراطي بل ونساهم كذلك بقوة في ظهور سلط جديدة، حتى لا أقول سلط مضادة، مدعوة للمساهمة في الضبط الإيجابي للاختلالات والانحرافات التي يمكن أن تصدر عن فاعلين بالساحة المؤسساتية الوطنية. إنها مهمة تكتسي أهمية كبرى ومسؤولية عظيمة. وهذا ما جعل مجلس المنافسة يثير اليوم نقاشا وطنيا حول الأسئلة الحقيقية التي يطرحها المواطن المغربي والفاعلين الآخرين والقوى الحية ببلادنا.

- الحكامة الاقتصادية هي العنصر الذي لم يحظ بالاهتمام في هذا البناء الديمقراطي الذي أشرت إليه. ما هو تصورك للدور التي ستنهض به في هذا السياق؟

إن القضايا الاقتصادية توجد في قلب التحديات والرهانات المتعلقة بالتنمية في العالم اليوم. فالحكامة الاقتصادية - وبما أنها تمكن من تكريس المساواة أمام الفعل الاقتصادي، وتحارب الهيمنة، وأصناف الريع، والاحتكارات، والامتيازات، وتصادم عالم الأعمال بالحقل السياسي- تنهض بمهمة تخدم الصالح العام لأنها تساهم في بلوغ هدف مهم: تحرير طاقات المجتمع والاقتصاد. وتحرير الطاقات هو الكفيل لوحده بجعل كل المغربيات والمغاربة يسارعون إلى المبادرة وإلى الاستثمار، أي المخاطرة، والابتكار، والمساهمة في خلق الثروة في بلادنا، بعيدا عن أي قيود من أي طبيعة كانت.

فضلا عن هذا الهدف الاستراتيجي، تمسح الحكامة الاقتصادية بالانكباب على الانشغالات الحقيقية المرتبطة بالحماية الضرورية للمستهلك والحفاظ على قدرته الشرائية، وبالتالي تساهم في الاستجابة لشروط العدالة الاجتماعية.

من جهة أخرى، وبمساهمتها في وضع الأسس المستدامة لاقتصاد تنافسي حيث تسود المناسفة الشريفة، تكرس الحكامة الاقتصادية الممارسات الجيدة للديمقراطية الاقتصادية. لكل هذه الأسباب جاءت إعادة تنشيط مجلس المنافسة في الوقت المناسب للمساهمة في تحقيق هذا الطموح الوطني الكبير.

- ما هي التعليمات التي أعطاك الملك عن استقبالك (...)؟

حرص جلالة الملك على مدي بتوجيهات واضحة تنص على ضرورة التطبيق الصارم للقانون، مع الحرص على حياد واستقلالية المؤسسة، مع الابتعاد عن أي ضغوطات من أي طبيعة كانت، سواء كان مصدرها عالم الأعمال أو الحقل السياسي، حتى نمكن بلدنا من مناخ اقتصادي يقوم على الشفافية والإنصاف، ويكون قادرا على خلق ثروة أكبر ومناصب شغل أكثر. هذه هي التوجيهات الرئيسية التي مدني بها جلالة الملك.

حرص جلالة الملك على مدي بتوجيهات واضحة تنص على ضرورة التطبيق الصارم للقانون، مع الحرص على حياد واستقلالية المؤسسة، مع الابتعاد عن أي ضغوطات من أي طبيعة كانت، سواء كان مصدرها عالم الأعمال أو الحقل السياسي،

- هي في النهاية توجيهات ملكية ملموسة وعملية. إذ ما إن شرع المجلس في دراسة أول ملف وكان يخص المحروقات، حتى كانت ضغوط الوسط الاقتصادي قوية، ومن قادة سوق هم في الآن ذاته ناشطون في الحقل السياسي. كيف حمى المجلس نفسه من هذه الضغوط، وكيف اشتغلتم على هذا الملف؟

يجب ان أوضح بهذا الخصوص أن المجلس يتوصل بطلب رأي أو يتم اللجوء إليه بسبب نشوب نزاع. أول ما يقوم به هو أن يحيل الطلب على مصلحة الأبحاث، وهي هيئة مستقلة عن الأليات التداولية للمجلس. فتقوم بالتحقيق والبحث عن الأدلة الدامغة، بالطبع مع التأكد بطريقة دقيقة ومفصلة من تلاؤم الطلب مع المقتضيات القانونية الخاصة بحرية الأسعار والمنافسة.

وبناء على تلك الأبحاث، يتم إعداد تقرير يسلم للرئيس الذي يوزعه على الأعضاء الـ12 للمجلس ويبحثه معهم. وهؤلاء الأعضاء قضاة ومتخصصون في القانون، والاقتصاد والمنافسة، فضلا عن أعضاء مستشارين من عالم الإنتاج والتوزيع، والخدمات وحماية المستهلك. وقد أدى كل هؤلاء الأعضاء القسم أمام محكمة الاستئناف بالرباط(...)

ثم يقوم الأعضاء الـ12، الذين تتألف منه الهيئة التداولية للمجلس، بجلسات استماع وينظمون اجتماعات مع كل الفاعلين في القطاع المعني بالطلب الرأي أو موضوع النزاع.

خلال تعيين الملك للرئيس الجديد لمجلس المنافسة

- إلى من استمعتم في هذا الملف؟

كانت لنا اجتماعات مع الوزير المكلف بالطافة والمعادن والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة. استمعنا كذلك إلى المجلس الأعلى للحسابات، والمركزيات النقابية الخمس الأكثر تمثيلية، جمعيات مهنيي القطاع، فدراليات أرباب محطات الوقود وأرباب النقل، وفدراليات الدفاع عن حقوق المستهلك التي تتمتع بالمنفعة العامة.

كما اعتمدنا كذلك على المعلومات المسموح بها التي أدلت لنا بها وزارة الاقتصاد والمالية، والمندوبية السامية للتخطيط، ومكتب الصرف، والمديرية العامة للضرائب، والمديرية العامة للجمارك والضرائب غير المباشرة. بالإضافة إلى المذكرة التأطيرية التي تبسط دوافع التسقيف والتي أعدتها الوزارة المنتدبة المكلفة بالشؤون العامة والحكامة، وكذا مشروعي القرارين الوزاريين الخاصين بالتسقيف. ولكننا لم نتوصل بالجدول المستخلص من الدراسة التي أجراها قطاع الشؤون العامة حول تطول الأسعار وهوامش الربع في قطاع المحروقات ما بين 2015 و2018.

- لماذا لم تتوصلوا به؟

ربما اعتبر الوزير أن مدنا به ليس ضروريا. (...) ولكن ليس هذا هو الأهم، لأننا ننخرط كمجلس في إطار علاقات قائمة على الثقة والتكامل مع مؤسسات بلادنا.

- هل بدا لكم الطلب - بالصيغة التي قدمته الحكومة – في محله؟

ليس من واجبي الحكم على الطلب إن كان في محله أم لا. الأهم عند المجلس هو اتخاذ القرار بخصوص قبول هذا الطلب، أي الوقوف على مدى مطابقته لمقتضيات المادة 4 من القانون الخاص بحرية الأسعار والمنافسة التي تحدد عددا من الشروط المصاحبة والدقيقة والصارمة يجب على الحكومة احترامها إن كانت تريد التأثير على الأسعار وهوامش الربح. بعد تحليل شروط القبول، جاءت مرحلة ثانية تتجلى في تقييم جدوى التسقيف وقادنا البحث العميق إلى الأسباب العميقة لاختلال سوق المحروقات: قرار التحرير الشامل للأسعار الذي اتخذته الحكومة في دجنبر 2015.

- وفقا لما تقول فالخطيئة الأصلية تكمن في الطريقة التي نفذت بها الحكومة التحرير. لماذا؟

لاحظنا ان قرار التحرير اتخذ دون استعدادات كافية. فالمغرب لم تعد لديه وحدة محلية للتكرير بعد إغلاق "لاسامير" في غشت 2015، ووجدت بلادنا نفسها في رهينة بشكل كامل للبترول المكرر. إذ لم يعد بالسوق الوطنية للمحروقات أي فاعل محلي في التكرير، والحال انه كان يلعب دورا مهما في الحفاظ على التوازنات الاقتصادية والتنافسية بالقطاع. فهذا الفاعل كان له وزن في تزويد السوق ب (64%) والتخزين ب(اكثر من 50%)، في التوزيع وكذلك في تحديد قواعد اللعب بالسوق، ما يجعل منه سلطة مضادة حقيقية لمواجهة الشركات النفطية. إنها حقيقة بنيوية مهمة جدا.

كما أن المستهلكين والفاعلين الصغار والمتوسطين وجدوا أنفسهم امام سوق مفتوحة بدون أي إجراءات للمواكبة، وللتعويض، التي باتت ضرورية بسبب ارتفاع أسعار المحروقات إثر التحرير الذي لم يتم الإعداد له بشكل جيد. وقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن حذر الحكومة وطالبها بضرورة الحفاظ على نوع من المراقبة لحماية المستهلكين والشرائح الضعيفة بسوق المحروقات، في حال تحرير الأسعار. أما العنصر الثالث المهم فيتجلى في كون هذا التحرير الشامل للأسعار تم في غياب هيئة الضبط المؤسساتية الأساسية، وهي مجلس المنافسة.

المغرب لم تعد لديه وحدة محلية للتكرير بعد إغلاق "لاسامير" في غشت 2015، ووجدت بلادنا نفسها في رهينة بشكل كامل للبترول المكرر

- من يتحمل مسؤولية خطأ غياب مجلس المنافسة؟

أفضل التمسك بالوقائع. وعلى أي حال، فعلى المستوى المؤسساتي، كان يجب الحصول على رأي هيئة الحكامة المخولة قبل عند اتخاذ قرار مهم جدا مثل تحرير الأسعار، أي مجلس المنافسة. أكثر من هذا، فهذا التحرير جرى بدون تطهير الأسس العميقة لسوق المحروقات التي تتسم بوجود الاحتكار والتركيز، وبالتالي فقد كانت بهذه السوق عدة عراقيل منذ البداية، سواء تعلق الأمر بالتزويد أو التخزين أو التوزيع بالجملة والتقسيط. فأصبحنا امام وضعية تم فيها تقوية الشركات الكبيرة على حساب المتوسطة والصغيرة. وهذه الوضعية لم تمكن من حماية المستهلك والحفاظ على قدرته الشرائية بسبب الزيادات المتوالية في الأسعار.

- هل قمتم بالاطلاع على التجارب الدولية في هذا المجال قبل إصدار قراركم؟

أنجزنا مقارنة مع التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال. وقمنا بدراسة حالات تركيا، إسبانيا، الولايات المتحدة، استراليا، وبلدان أخرى. وحددنا بهذه الطريقة الممارسات المحمودة في هذا المجال.

ليس ضروريا أن يكون المرء حاصلا على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية ليعرف أن الفاعلين الكبار هم الذين يستفيدون عموما من مثل هذه القرارات

- هناك قضية قسمت كثيرا الرأي العام قبل نشر قرار مجلس المنافسة. من استفاد من التحرير؟ هل الدولة كما يقول بعض الفاعلين السياسيين؟ أم شركات النفط كما يقول آخرون؟

ليس من صلاحياتي تحديد من استفاد من التحرير. كل ما يمكنني قوله هو أنه عند اتخاذ أي قرار سياسي شبيه بهذا، هناك دائما خاسرون ومستفيدون. وليس ضروريا أن يكون المرء حاصلا على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية ليعرف أن الفاعلين الكبار هم الذين يستفيدون عموما من مثل هذه القرارات. والشرائح الأكثر هشاشة هي التي تتأثر في الغالب بالارتفاعات غير المتوقعة للأسعار الناتجة عن الخصخصة الشاملة، وغير المتحكم فيها، وغير المراقبة، وغير المتلائمة مع الأهداف الاستراتيجية لما يجب أن يكون عليه تحرير يحترم قواعد المنافسة. لهذا اعتبر المجلس ان التسقيف لوحده لن يحل المشاكل ذات الطبيعة الهيكلية لقطاع المحروقات، كما أنه لن  يكون مجديا على المستوى التنافسي والاقتصادي.

حاوره: عائشة أقلعي وتوما صافاج

ترجمة بتصرف عن "تيل كيل"