تمكن "زعيم" شبكة النفق السري لتهريب المخدرات، الذي تم اكتشافه داخل مستودع بمنطقة الأنشطة الاقتصادية في سبتة المحتلة على الحدود مع المغرب، من بناء إمبراطورية قوية لتوزيع المخدرات في إسبانيا لسنوات، قبل أن توجه له السلطات هناك ضربة قاصمة يوم 27 مارس.
في المغرب، وبمدينة الفنيدق الصغيرة ونواحيها، كان "الزعيم" واسمه مصطفى البروزي الشعايري (45 عاما)، يشعر بالاطمئنان، فقد كان يحتسي قهوته باستمرار في إحدى أفخر المقاهي القريبة من معبر باب سبتة، وفي العادة يجالس صديقه، صاحب المقهى، وهو من ستظهر لنا وثائق الشرطة وجود دور له في شبكة "الزعيم".
لم تواجه البروزي متاعب حقيقية في المغرب، فهو لم يكن مطلوبا لأي تهمة، وسجله الجنائي يتضمن سابقة وحيدة تتعلق بإهانة موظف، وفق ما ذكره مصدر أمني. في الواقع، لم يكن صعبا فهم طبيعة عمل هذا الرجل، لكن مع ذلك لم يُجرَ أي تحقيق جدي في خلفيته.
وكانت التسجيلات الصوتية التي زرعها المحققون داخل سيارة مرسيدس GLB الخاصة بزعيم الشبكة، الذي وصفته السلطات بـ"رأس شبكة شبكات الحشيش"، حاسمة في كشف خبايا التنظيم الذي كان يعمل كآلة دقيقة، قبل أن يتم تفكيكه بعد عملية أفضت إلى توقيف 27 شخصا، وحجز 17 طنا من المخدرات، إضافة إلى أكثر من نصف مليون يورو.
ويظهر المتهم كشخصية محورية في ملف قضائي كشف تفاصيل عمل الشبكة الإجرامية وأدى إلى اكتشاف النفق السري.

بداية القصة: "هناك عمل"
في يونيو 2025، ومع بداية اشتداد حرارة الصيف في سبتة، كان البروزي يقود سيارته عندما تلقى اتصالا من أحد شركائه يسأله عن دخول شحنة مخدرات إلى المدينة، فجاء رده مختصرا: "هناك عمل".
هذه البرودة في التعامل مع عمليات تهريب ضخمة كانت من أبرز سمات هذا الزعيم، الذي اعتاد إدارة نشاطه الإجرامي بأسلوب يبدو روتينيا.
"أمانديس".. الاسم المستعار
في التسجيلات، كان يشار إليه أيضا باسم "أمانديس"، وهو اسم شركة الكهرباء التي سبق أن عمل بها في مدينة الفنيدق المحاذية للحدود، قبل أن يتحول نشاطه بالكامل إلى الاتجار بالمخدرات عبر البر والبحر وحتى الأنفاق.
وكان يستخدم لغة مشفرة في اتصالاته، من قبيل "دراجة"، "مباراة كرة"، "ضربة جزاء صغيرة"، "عجلات" و"إطارات"، بهدف تفادي رصد السلطات.
حياة بين الضفتين
امتلك البروزي لعقارات على جانبي مضيق جبل طارق، بينها منزل في سبتة، وآخر في منطقة سوتوسيرينا بمدينة إيستيبونا (ملقة)، إضافة إلى ممتلكات داخل المغرب.
وفي سبتة، كان يتنقل غالبا على متن دراجة نارية، خاصة خلال الاجتماعات الحساسة، بينما كان يسافر إلى شبه الجزيرة الإيبيرية عبر العبّارة بسيارته، بشكل عادي لا يثير الشبهات.
ورغم نشاطه الإجرامي، أظهرت المراقبة الأمنية أنه كان يعيش حياة تبدو طبيعية، حيث كان يقضي أوقاتا في بويرتو بانوس مع شركائه، أو يتناول الطعام مع عائلته في مطاعم ساحلية بكابو نيغرو في المغرب.
شبكة عابرة للحدود
تشير التحقيقات إلى أن نفوذ هذا "الزعيم" امتد عبر شبكة واسعة تشمل المغرب، سبتة، غاليسيا، هولندا وفرنسا.
وكان يلعب دور حلقة الوصل بين ممولين كبار يسعون للحصول على كميات ضخمة من الحشيش في أوروبا، وبين المنفذين على الأرض، مثل المخازن وناقلات البحر والموزعين داخل إسبانيا.
نظام ترميز معقد
اعتمد البروزي نظاما لغويا خاصا لإدارة عملياته، حيث كانت "الدراجة" تعني وسيلة نقل مهيأة، و"مباراة كرة" تعني عملية تهريب وشيكة، و"العجلات" تشير إلى الشاحنات، و"الصناديق" تعني رزم المخدرات.
كما كشفت التسجيلات عن علاقات مشبوهة، إذ تضمنت عبارات مثل "جنود المغرب مدفوع لهم"، و"إذا لم تدفع للشرطة، فلن تنجح العملية"، ما يعكس شبهات فساد وتواطؤ.
بداية السقوط
رغم إدراكه أن الشرطة تراقبه، كما يظهر في إحدى العبارات: "عندما لا تدخل السجن، ويعرفون أنك أنت، يفتحون تحقيقا جديدا"، استمر في نشاطه.
لكن مع توالي عمليات الحجز في مدن مثل ألميريا وقرطبة وملقة، بدأت الشبكة تتلقى ضربات متتالية.
وفي فبراير 2025، كشفت عملية "هاديس" التي قادها الحرس المدني الإسباني عن أول نفق في هذه الأرجاء، ما فتح الباب أمام تحقيق أوسع.
النفق الثاني.. النهاية
في 27 مارس 2026، انهارت الشبكة بعد اكتشاف نفق ثانٍ مخفي خلف ثلاجة داخل مستودع، يبعد نحو 100 متر عن النفق الأول.
وكان النفق يمتد إلى داخل التراب المغربي، ويضم بنية متطورة تشمل بئر بعمق 19 مترا، وغرفة تخزين وسطية، وسككا حديدية صغيرة، وعربات وبكرات ورافعات. ما سمح بنقل كميات كبيرة من الحشيش دون احتكاك مباشر بين أفراد الشبكة.
بعد 13 شهرا من المراقبة، سقط الرجل الذي كان يعرف بـ"مهندس الأنفاق" و"زعيم الشبكة"، لتنتهي بذلك واحدة من أكبر شبكات تهريب الحشيش التي امتدت من شمال إفريقيا إلى قلب أوروبا.
غير أن التحقيق لا يزال مفتوحا، في مؤشر على أن خيوط هذه الشبكة قد تكون أوسع مما تم كشفه حتى الآن.
===================================
دور صغير، كبير.. لا يهم بالنسبة إلى "الزعيم"

لم يكن اسم مصطفى البروزي، المعروف داخل دوائر التحقيق باسم "البروزي"، مجرد اسم عابر في محاضر الشرطة الإسبانية، بل سرعان ما تحول إلى خيط ناظم يربط بين مختلف مراحل نشاط شبكة تهريب المخدرات التي استغلت نفقا سريا بين المغرب وسبتة. فمن خلال مئات الصفحات من محاضر المراقبة والتنصت، تتشكل صورة رجل لا يتحرك كثيرا في الواجهة، لكنه حاضر في كل التفاصيل الدقيقة التي تحكم سير العمليات.
في أولى مراحل الرصد، تلفت الوثائق الأمنية الانتباه إلى سلوك البروزي، الذي لم يكن يتصرف كعنصر عادي داخل الشبكة، إذ جاء في أحد محاضر المراقبة أن "المشتبه فيه مصطفى البروزي شوهد وهو يراقب محيطه بعناية قبل الدخول إلى المسكن، مع اتخاذ وضعية حذرة توحي بإدراكه لاحتمال وجود مراقبة أمنية". هذا السلوك، الذي قد يبدو عاديا في سياق إجرامي، اعتبرته الشرطة مؤشرا على خبرة ميدانية، وعلى وعي مسبق بطبيعة المخاطر المرتبطة بنشاط الشبكة.
لكن ما يميز البروزي، وفق نفس الوثائق، ليس فقط حذره، بل قدرته على التحكم في المجال المحيط به. إذ تشير محاضر أخرى إلى أنه "يقوم بتمشيط المنطقة ومراقبة تحركات الأشخاص والمركبات، ويوجه عناصر أخرى مكلفة بالمراقبة، ما يدل على موقعه القيادي داخل التنظيم". هنا، لا يظهر البروزي كمنفذ، بل كمنسق يحدد من يراقب، ومن يتحرك، ومتى.
ومع تعمق التحقيق، تتكشف وظيفة أخرى أكثر حساسية، ترتبط بتأمين مرور الشحنات. فقد سجلت الشرطة أن البروزي “يمتطي دراجة نارية ويتقدم القافلة، في مهمة استطلاع تهدف إلى كشف أي حواجز أو تحركات أمنية قبل مرور المركبات المحملة”. هذا الدور، المعروف في شبكات التهريب بدور “اللانتشادورا”، لا يُسند عادة إلا لعناصر موثوقة، قادرة على اتخاذ قرارات سريعة في الميدان.
غير أن دور البروزي لم يقتصر على تأمين الطريق، بل امتد إلى قلب العملية اللوجستية. ففي إحدى الفقرات، توثق الشرطة أنه “أشرف على إدخال أكياس كبيرة الحجم إلى داخل المسكن، مع اتخاذ احتياطات أمنية مشددة، ما يعزز فرضية أن هذه الأكياس تحتوي على مواد محظورة”. هذا التفصيل، رغم بساطته الظاهرية، يكشف أن البروزي كان قريبا من "المادة"، أي المخدرات نفسها، وليس فقط من مسارها.
وتضيف الرواية الأمنية بعدا جديدا لدوره، حيث تؤكد أنه “يتولى نقل الأكياس من موقع إلى آخر، مع تغيير مواقع المركبات لتفادي التتبع، في إطار خطة منظمة لإعادة توزيع الشحنات”. هذا التحرك المستمر بين مواقع مختلفة يعكس موقعه كحلقة وصل بين التخزين والتوزيع، وهي واحدة من أكثر النقاط حساسية داخل أي شبكة تهريب.
وفي سياق الاجتماعات الميدانية، تبرز الوثائق أن البروزي كان جزءا من دوائر ضيقة تُتخذ فيها القرارات، إذ جاء فيها أنه "يشارك في لقاءات ميدانية محاطة بإجراءات مراقبة مشددة، مع وجود عناصر مخصصة لتأمين محيط الاجتماع". هذه المعطيات تشير إلى أن حضوره لم يكن تنفيذيا فقط، بل كان أيضا ضمن مستوى اتخاذ القرار.
كما توضح التحقيقات أن البروزي كان يتحكم في المشهد من مواقع استراتيجية، حيث ورد أنه “يتخذ موقعا يسمح له بمراقبة الطريق بشكل كامل، ويوجه باقي العناصر وفق المعطيات التي يرصدها ميدانيا”. هذه القدرة على قراءة المشهد واتخاذ القرار في الوقت المناسب تُعد من السمات الأساسية للقيادات الميدانية في الشبكات الإجرامية.
ومن خلال تجميع هذه المعطيات، يتبين أن البروزي لم يكن مجرد عنصر داخل الشبكة، بل شخصية متعددة الأدوار: مراقب، منسق، قائد ميداني، ومشرف لوجستي. فهو يراقب، يوجه، يؤمّن الطريق، يشرف على نقل البضائع، ويشارك في اتخاذ القرار. هذا التعدد في المهام يفسر لماذا ركزت عليه التحقيقات كأحد الأعمدة الأساسية في التنظيم.