حفر وجرذان.. سعادة الرئيس!

تيل كيل عربي

بقلم: يوسف معضور

يتناسى بعض رؤساء المقاطعات، خصوصا بمقاطعتي الحي المحمدي وعين السبع بالدار البيضاء، أن محاربة القوارض، وترميم الحفر في الطرقات، وإصلاح الأرصفة، كلها تدخل في صميم الواجبات الأساسية لأي مجلس منتخب، وهي خدمات لا يختلف اثنان حول ضرورتها، لكن ما يثير الاستغراب حقا هو تحويل هذه المهام الروتينية إلى "إنجازات تاريخية" تقدم للرأي العام ولساكنة المقاطعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في قالب احتفالي، يرافقه التطبيل والتهليل، وكأنها مشاريع استثنائية غير مسبوقة.

في الدول المتقدمة، يتنافس المسؤولون المحليون على الإعلان عن مشاريع المدن الذكية، وخطط الانتقال الرقمي، وتطوير منظومة النقل العمومي، وتحسين جودة الحياة، واستقطاب استثمارات بمليارات الدراهم، وابتكار حلول مستدامة في مجالي البيئة والطاقة. وهناك تقاس حصيلة المسؤول بما أضافه من قيمة حقيقية للمدينة، لا بما قام به من واجبات يومية مفروضة عليه أصلا.

أما في المغرب، فقد أصبح بعض المسؤولين على رأس المقاطعات يخرجون بكل فخر، و"بوجه أحمر"، ليعلنوا عن إطلاق حملة "زيرو حفرة"، وحملات أخرى لمحاربة الجرذان، أو عن برنامج مستعجل لترميم الحفر وإصلاح الأرصفة. ثم تنطلق بعد ذلك أوركسترا التصفيق والتهليل من طرف المقربين، وكأننا أمام إنجاز سيخلد في سجلات التدبير المحلي لسعادة الرئيس.

المضحك في الأمر ليس القيام بهذه الأشغال، فهي واجبة ومطلوبة، بل في محاولة تسويقها باعتبارها نجاحات استثنائية، بينما هي في الحقيقة الحد الأدنى مما ينتظره المواطن من مجلس انتخبه لتدبير شؤونه اليومية، فالمسؤول الناجح لا يحتاج إلى كاميرا كلما رمم حفرة، ولا إلى حملة دعائية يقودها أتباعه، بكثير من الغباء، على مواقع التواصل الاجتماعي، كلما شن "حربا" على فئران المقاطعة والحشرات الزاحفة المنتشرة بها، لأن هذه الأعمال يجب أن تنجز بشكل تلقائي، وفي الوقت المناسب، دون ضجيج أو استعراض.

الدار البيضاء، وغيرها من المدن المغربية، تستحق أن يكون النقاش حول النقل الحضري الذكي، والتحول الرقمي للإدارة، وجاذبية الاستثمار، وتوسيع المساحات الخضراء، وتحسين جودة الخدمات، والرفع من جودة الحياة. أما أن يصبح القضاء على الجرذان أو ترميم الحفر محور البلاغات والمنشورات المنجزة بالذكاء الاصطناعي، بغباء بشري لا مثيل له، فذلك لا يعكس نجاحا في التدبير بقدر ما يكشف عن محدودية سقف الإنجاز، واتساع الهوة بين انتظارات المواطنين والخطاب الذي يقدم لهم. فتطور المدينة يقاس بمدى قدرتها على توفير فضاء حضري نظيف، ومنظم، وآمن، ومتطور، حيث تصبح مثل هذه التدخلات أعمالا اعتيادية لا تستحق الاحتفال، لأنها ببساطة جزء من الواجب.

المواطن لا ينتظر بطولات إعلامية، ولا حملات للتطبيل، بل ينتظر مدنا وأحياء تدار بكفاءة، وتنجز فيها الخدمات الأساسية بشكل طبيعي، ويترك الاحتفال للإنجازات الحقيقية التي تصنع الفارق في حياة الناس، لا للواجبات التي كان ينبغي أن تنجز دون ضجيج أو استعراض.