مدن الشمال.. موسم الهجرة نحو الازدحام

تيل كيل عربي

بقلم: يوسف معضور

مع بداية كل صيف، تتكرر مشاهد آلاف السيارات المتجهة شمالا، وتحديدا نحو الفنادق والشقق المفروشة والشواطئ الممتدة من طنجة إلى السعيدية، مرورا بالمضيق ومارتيل وغيرها من الشواطئ، التي تبلغ أقصى طاقتها الاستيعابية خلال فصل الصيف، بينما تبقى وجهات أخرى في المغرب أقل حظا من الإقبال واهتمام الجهات المسؤولة عن إنعاش السياحة، رغم ما تزخر به من مؤهلات طبيعية وسياحية. ولم تعد هذه الظاهرة مجرد اختيار لوجهة سياحية، بل تحولت إلى سلوك جماعي له جذور نفسية وتاريخية واجتماعية.

ويعد الشمال، في المخيال المغربي، ليس فقط مجرد جهة جغرافية، بل ظل، ولا يزال، يمثل فكرة "الهروب نحو الأفضل". وتاريخيا، كانت جل الهجرات الكبرى تتجه من الجنوب والداخل نحو الشمال، سواء للبحث عن لقمة العيش في الموانئ، أو للعبور نحو أوروبا ودول الشمال بصفة عامة، أو للاستقرار في المدن الشمالية التي عرفت بانفتاحها الاقتصادي والثقافي. ومع مرور الزمن، ترسخت هذه الصورة في الوعي والمخيال الجماعي للمغاربة، حتى أصبح السفر إلى الشمال جزءا من الطقوس الصيفية للكثير من الأسر المغربية، وكأن السفر إليه أصبح شرطا لاكتساب صفة "مصطاف".

وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تكريس هذه الفكرة، إذ تتصدر صور شواطئ الشمال ومناظره الساحلية المحتوى الصيفي كل سنة، فينشأ نوع من التقليد الجماعي الذي يدفع الناس إلى اختيار الوجهة نفسها، حتى وإن كانت مكتظة أو مرتفعة التكلفة.

ويطرح هذا السلوك الموسمي إشكالات حقيقية عديدة، فهو يخلق ضغطا هائلا على البنيات التحتية، ويرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، ويؤثر في جودة الخدمات هناك، في حين تبقى مناطق أخرى من المملكة، خصوصا الشاطئية منها، خارج الدورة السياحية، رغم ما تمتلكه من مؤهلات طبيعية وثقافية لا تقل قيمة.

ولا تكون معالجة هذه الظاهرة بدعوة الناس إلى عدم السفر إلى الشمال، فلكل مواطن الحرية في اختيار وجهته، وإنما يجب الاشتغال على توسيع دائرة الاختيار، وتوفير وجهات سياحية مؤهلة، وإطلاق حملات ترويجية تبرز تنوع المغرب بدل اختزاله في شريطه الساحلي الشمالي فقط، والترويج لبرامج سياحية في متناول الجميع، والعمل على جلب استثمارات أكبر في البنيات السياحية بالمناطق الأقل استقطابا، وتحسين جودة الخدمات والطرق. كما ينبغي تنظيم مهرجانات وأنشطة ثقافية ورياضية موزعة على مختلف الجهات، حتى تصبح كل منطقة قادرة على جذب الزوار خلال موسم الصيف.

وفي المقابل، يجب على وكالات الأسفار، والمؤثرين الحقيقيين الذين يتمتعون بالمصداقية، ووسائل الإعلام، أن يتحملوا جزءا من المسؤولية، عبر التعريف بوجهات جديدة وإبراز جمالها، بدل إعادة إنتاج الصورة نفسها كل عام.

صحيح أن المغرب نجح في جعل الشمال وجهة صيفية متميزة، لكن النجاح الحقيقي سيكون عندما يصبح المغرب كله وجهة سياحية متوازنة. حينها لن تكون الهجرة الصيفية إلى الشمال عادة جماعية، بل خيارا من بين خيارات عديدة، يستفيد منها المواطن، والاقتصاد، وجميع جهات المملكة على حد سواء.