ورشة حقوقية دولية بالرباط.. بلكوش: اختيار المغرب يعكس الثقة في مساره كفضاء للحوار

محمد فرنان

قال محمد الحبيب بلكوش، المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان، بمناسبة انعقاد ورشة التفكير الدولية حول الاستعراض الدوري الشامل تحت عنوان "ما بعد الجولة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل: دعم الآلية وضمان التأثير في واقع حقوق الإنسان"، إن "اختيار المملكة المغربية لاحتضان هذه الورشة الدولية للتفكير يعكس الثقة الموضوعة في بلادنا كفضاء للحوار والتشاور والبحث عن حلول مشتركة في خدمة النهوض الشامل بحقوق الإنسان".

وأضاف، في كلمته صباح اليوم بالرباط خلال الجلسة الافتتاحية لورشة التفكير الدولية، التي تمتد يومي الجمعة والسبت، أن "هذه المبادرة تجسد بالملموس جودة الشراكة القائمة بين المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ومختلف الفاعلين المنخرطين في النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها، كما تعكس قناعتنا المشتركة بأن الحوار والتعاون وتقاسم الممارسات الفضلى تظل شروطا جوهرية لتعزيز أثر الآليات الدولية لحقوق الإنسان".

للإشارة، تقييم آلية الاستعراض الدوري الشامل ينظم بشكل مشترك بين المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بالمملكة المغربية، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ومنظمة "يو بي آر إنفو" (UPR Info).

وشدد بلكوش على أنه "بعد عشرين سنة على إطلاقها، أثبتت آلية الاستعراض الدوري الشامل أنها تشكل إحدى أهم الابتكارات المؤسساتية في منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فبفضل طابعها الشمولي، ونهجها القائم على الحوار بين النظراء، وطبيعتها التعاونية، وانفتاحها على كافة الأطراف المعنية، استطاعت هذه الآلية أن تحظى تدريجيا بثقة الدول، لتصبح فضاء متميزا لتبادل التجارب وتقاسم الممارسات الجيدة والنهوض بالإصلاحات وتعزيزها".

وأبرز أن "الاستعراض الدوري الشامل، على مر الجولات السابقة، ساهم في ترسيخ ثقافة التقييم والشفافية والمساءلة، وشجع العديد من الدول على الانخراط في إصلاحات تشريعية ومؤسساتية، والانضمام إلى صكوك دولية جديدة، وتطوير آلياتها الوطنية للتتبع، وتوسيع مشاركة مختلف الفاعلين الوطنيين في المسارات المرتبطة بحقوق الإنسان".

وتابع: "بيد أن هذه الذكرى لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة للاحتفاء، بل يجب أن تشكل فرصة للتفكير الجماعي في المكتسبات المحققة والتحديات القائمة وآفاق تطوير الآلية لتستجيب بشكل أفضل لتطلعات الشعوب وتحولات العالم المعاصر، فإذا كانت آلية الاستعراض الدوري الشامل قد أثبتت وجاهتها ومرونتها، فإن التجربة المتراكمة خلال الجولات الأربع تظهر أيضا أن التحدي الحقيقي يظل كامنا في التنفيذ الفعلي للتوصيات، وترجمتها إلى تحسينات ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين، وهو طموح يقتضي مواصلة الجهود الرامية إلى ترسيخ التملك الوطني للمسار من قبل كافة الأطراف المعنية".

وفي هذا الإطار، لفت الانتباه إلى أن "الحكومات لها دور محوري، غير أن التجربة أبرزت أن النتائج الأكثر استدامة هي التي تتحقق عندما تضطلع جميع المؤسسات المعنية بكامل دورها في مختلف مراحل المسار، بدءا من صياغة الالتزامات وصولا إلى تتبع تنفيذها، كما تشكل فعلية حقوق الإنسان شرطا أساسيا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبناء مجتمعات أكثر إدماجا وصمودا وازدهارا، وفي هذا الصدد، يبرز الاستعراض الدوري الشامل كأداة متميزة لتعزيز الانسجام بين الالتزامات الدولية للدول والسياسات العمومية المعتمدة في خدمة التنمية البشرية".

من جهة أخرى، ذكر أن "المملكة المغربية باشرت خلال العشرين سنة الماضية إصلاحات مهيكلة ساهمت في تعزيز إدماج حقوق الإنسان في المؤسسات والسياسات العمومية والإطار المعياري الوطني. وقد ترجم هذا المسار، على وجه الخصوص، من خلال تعميق التجربة المغربية في العدالة الانتقالية عبر تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، واعتماد دستور 2011 الذي كرس مجموعة واسعة من الحقوق والحريات، والإصلاحات المتتالية الرامية إلى النهوض بالمساواة وتعزيز مكانة المرأة داخل المجتمع والأسرة، والاعتراف بالتنوع الثقافي كمكون أساسي للهوية الوطنية، فضلا عن الإدماج المتزايد لحقوق الإنسان في التوجهات الاستراتيجية للتنمية بالمملكة، خاصة من خلال النموذج التنموي الجديد".

وأوضح أن "المغرب لا يعتبر الاستعراض الدوري الشامل مجرد آلية دولية للتقييم، بل أيضا رافعة للتحسين المستمر للعمل العمومي وأداة لمواكبة الإصلاحات الوطنية، وقد قادت هذه القناعة بلادنا إلى بلورة تدريجية لمقاربة مؤسساتية مندمجة، تقوم على التنسيق والتشاور وتتبع التوصيات الصادرة عن الآليات الدولية لحقوق الإنسان".

وفي السياق ذاته، أبرز أن "إحداث المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان شكل تجسيدا لمقاربة وطنية رائدة تهدف إلى تعزيز تنسيق السياسات العمومية في مجال حقوق الإنسان وضمان تفاعل المملكة مع الآليات الدولية ذات الصلة، وتضطلع المندوبية اليوم، بصفتها الآلية الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع، بدور محوري في تنسيق جهود مختلف الفاعلين المعنيين وتعزيز التكامل فيما بينهم بما يكفل الوفاء الفعلي بالتزامات المملكة الدولية في مجال حقوق الإنسان، كما تندرج هذه التجربة ضمن توجه دولي متنام أفضى إلى اعتراف مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأهمية الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع والنهوض بها، باعتبارها رافعة أساسية لتعزيز فعلية التوصيات الدولية".

وأشار إلى أن "المغرب يؤمن بأن تعزيز الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع يعد من أبرز التطورات البنيوية التي عرفها النظام الدولي لحقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة، فالتجربة المكتسبة في هذا المجال، إلى جانب ديناميات التعاون التي تم تطويرها داخل الشبكة الدولية للآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع، تبرهن على أن جودة التنسيق الوطني وتتبع التوصيات يظلان من العوامل الحاسمة في إحداث الأثر الفعلي لهذه التوصيات على السياسات العمومية وعلى حياة المواطنين".