روبورتاج.. حين يتحول التكوين الطبي إلى تجربة حياة داخل منظومة واحدة

خديجة قدوري

داخل فضاء أكاديمي–صحي حديث النشأة، تتقاطع فيه قاعات التدريس مع مختبرات البحث وأروقة المستشفى، يتضح أن الأمر لا يتعلق فقط بمؤسسة للتكوين الطبي، بل بمنظومة متكاملة بصدد التشكل. حركة الطلبة داخل الفضاءات السريرية، حضور التجهيزات الطبية الحديثة، وتداخل مسارات التعلم بين الدروس النظرية والتطبيق العملي، كلها مؤشرات تعكس نموذجا بيداغوجيا يقوم على الدمج المباشر بين المعرفة والممارسة.

في هذا المكان، يبدو واضحا أن التكوين الطبي لم يعد يقتصر على القاعات الدراسية التقليدية، بل امتد ليشمل محاكاة سريرية، ومرافقة أكاديمية مستمرة، وانفتاحا مبكرا على البحث العلمي داخل بيئة مستشفوية نشطة تستقبل مرضى من محيط جهوي واسع. كما يبرز حضور فرق بيداغوجية وبحثية تعمل بشكل متكامل، ما يعزز الإحساس بأننا أمام مشروع أكاديمي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الطبيب، والباحث، والمريض داخل نفس المنظومة.

هذا المشهد العام يشكل مدخلا لفهم الرؤية التي يقوم عليها مشروع كلية العلوم الطبية التابعة لـ Université Mohammed VI Polytechnique، كما عبر عنها أحد المسؤولين عن هذا الورش الصحي والأكاديمي.

 8500 طالب… ومنظومة واحدة تربط التعليم بالبحث والابتكار

منذ اللحظة الأولى داخل الحرم الجامعي، يتبين أن الأمر يتجاوز فكرة مؤسسة للتعليم العالي نحو مشروع متكامل تتقاطع فيه الجامعة مع المستشفى ومراكز البحث في منظومة واحدة. فالمشهد العام لا يعكس فقط فضاء أكاديميا، بل بنية تجمع بين التكوين الطبي، والممارسة السريرية، والإنتاج العلمي، في تصور يقوم على إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والصحة والابتكار.

هنا، لا ينفصل المسار التكويني عن الواقع الاستشفائي، حيث تتجاور القاعات الدراسية مع فضاءات العلاج، وتتحول المؤسسة إلى بيئة يعيش فيها الطالب تجربة الممارسة قبل التخرج، ضمن نموذج يدمج بين التعلم والبحث والخدمة الصحية في نفس الوقت.

في هذا السياق، قدمت أمينة الحبابي، مديرة التواصل والعلاقات العامة بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P)، رؤية جامعة محمد السادس متعددة التخصصات باعتبارها مشروعا يقوم على بناء جامعة إفريقية من أجل إفريقيا، تواكب البحث العلمي والتنمية في القارة، من خلال الانخراط في مختلف التحديات الكبرى المرتبطة بالتنمية، سواء في مجالات الفلاحة أو التنمية المستدامة أو القضايا الصناعية، مع تركيز خاص على الإشكالات التي تواجه القارة الإفريقية.

وأضافت أن الجامعة تشتغل اليوم على أكثر من 34 محورا بحثيا، هدفها إنتاج حلول عملية مرتبطة بتطوير الفلاحة والإنتاج المحلي، مع العمل على تحويل هذه الحلول إلى نماذج قابلة للتطبيق والتصدير، بما يعكس خصوصية إفريقية قائمة على التجريب الميداني المباشر وإنتاج المعرفة في سياق واقعي.

وفي ما يتعلق بالبعد العلمي، أشارت إلى أن المنظومة البحثية داخل الجامعة تعتمد على انفتاح واسع على قضايا حديثة، من بينها الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والحوسبة السحابية، إلى جانب تحديات التنمية البشرية والسياسات العمومية، وهي مجالات يشتغل عليها باحثون مغاربة وأفارقة ودوليون، وقد تم نقل جزء مهم منها إلى المستوى الدولي.

وبخصوص النموذج البيداغوجي، أوضحت  أن الجامعة ترتكز على فلسفة "المختبرات الحية"، حيث لا يقتصر التكوين على القاعات الدراسية، بل يمتد إلى التجريب الميداني المباشر، سواء في مجالات الجيولوجيا أو الفلاحة أو غيرها من التخصصات، بما يسمح بربط المعرفة النظرية بالممارسة العملية داخل سياقات واقعية.

وفي ما يخص بالأرقام، أبرزت أن الجامعة انطلقت بعدد محدود لم يتجاوز 35 طالبا، لتصل اليوم إلى أكثر من 8500 طالب، مع اعتماد واسع لنظام المنح الدراسية، حيث يستفيد حوالي 80 بالمائة من الطلبة من منح، من بينهم 60 بالمائة يحصلون على منح كاملة، في إطار رؤية تقوم على تكافؤ الفرص والتميز الأكاديمي.

في قلب كلية العلوم الطبية: حيث يلتقي التكوين بالممارسة

في هذا السياق، يتضح أكثر حجم الرهان الموضوع على هذا النموذج، ليس فقط من حيث تطوير العرض التكويني، بل أيضا من حيث إعادة بناء علاقة جديدة بين التكوين الطبي والمنظومة الصحية ككل، حيث يصبح المستشفى فضاء للتعلم والإنتاج العلمي في آن واحد، وتتحول الجامعة إلى فاعل مباشر داخل الحقل الصحي.

وتبرز داخل هذا الفضاء معطيات رقمية تعكس وتيرة هذا التحول، إذ يستقبل المشروع حوالي 600 طالب وطالبة، تحت إشراف أكثر من 80 أستاذا وباحثا، ضمن مسارات تكوين تعتمد على إدماج مبكر داخل الوسط السريري، وتفتح المجال أمام تخصصات متعددة تشمل الطب والصيدلة والشبه الطبي، في إطار رؤية تقوم على التدرج بين المعرفة النظرية والتطبيق الميداني.

كما يقوم هذا النموذج على فلسفة بيداغوجية خاصة، ترتكز على الانغماس السريري الكامل بنسبة 100 في المائة، وعلى اعتماد التكوين بالمحاكاة الطبية، والتأطير الفردي بين الطالب والأستاذ، إلى جانب إدماج الطلبة في البحث العلمي منذ السنوات الأولى، بما يكرس فكرة التعلم داخل بيئة علاجية حقيقية.

وإلى جانب البعد التكويني، يمتد المشروع إلى بعد بحثي متقدم، حيث تنشط فرق علمية في مجالات متعددة، من بينها البيولوجيا الخلوية والجزيئية، والذكاء الاصطناعي في الصحة، وعلوم الأعصاب، والصحة العامة، مدعومة ببنية تحتية تشمل مختبرات بحث، ومركز محاكاة، وبنكا حيويا، ومنشآت للتجارب الحيوانية، ما يعزز الطابع التطبيقي للبحث العلمي.

في هذا الإطار، يأتي تصريح الدكتور رشيد الفاطمي، عميد كلية العلوم الطبية، ومدير مدينة الرعاية الصحية الذكية، والمدير العام المنتدب لمستشفيات جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، ليضع هذه المعطيات داخل سياقها الاستراتيجي ويوضح فلسفة المشروع وأهدافه. مشيرا إلى أن هذا المشروع يهدف إلى إرساء نموذج صحي جديد بشكل تدريجي، رغم ما تحقق من إنجازات مهمة إلى حدود اليوم، مع إبراز أن الطموح يتمثل في رفع مستوى الكفاءات وتوسيع حجم البرامج والبنيات.

وفي ما يتعلق بالعرض التكويني، أفاد العميد أن المؤسسة تتوفر حاليا على مسارات في الطب والصيدلة والشبه الطبي، خاصة في مجال التمريض، وذلك استجابة للحاجيات المتزايدة في الموارد البشرية الصحية.

وفي سياق النموذج البيداغوجي المعتمد، قال إن التكوين يرتكز بشكل كبير على البحث العلمي والممارسة التطبيقية، من خلال تحويل الدروس النظرية إلى تطبيقات عملية كلما كان ذلك ممكنا، باعتبار ذلك عنصراً محورياً في تكوين الكفاءات الطبية.

وبخصوص الشق الاستشفائي، أوضح أن المستشفى يشكل في الأساس فضاء لتقديم العلاج للمرضى، غير أنه في الوقت نفسه فضاء بحثي نشط يحتضن مشاريع علمية داخل بنياته الاستشفائية، ويستقبل مرضى من مختلف مناطق الجهة، كما تتوفر المؤسسة على مستشفى عام، ومركز لإعادة التأهيل، وبناية مخصصة لطب الشيخوخة.

وفي سياق تطوير المنظومة بشكل أشمل، كشف أنه يجري العمل على إرساء قطب بيوتكنولوجي متكامل يربط بين التعليم والبحث والعلاج والابتكار، في أفق بناء منظومة صحية–علمية متكاملة على مستوى الجهة.

حين يلتقي التأهيل بالتكنولوجيا الطبية: داخل وحدة العلاج بالأكسجين عالي الضغط

داخل مركز متكامل لإعادة التأهيل والترويض، تتقاطع فيه المسارات العلاجية مع تقنيات طبية متقدمة، يبرز نموذج صحي يقوم على استمرارية الرعاية من لحظة خروج المريض من الإنعاش إلى غاية استعادته قدراته الوظيفية وعودته إلى محيطه الطبيعي. ويعكس تنظيم الفضاء وتعدد وحداته طبيعة مقاربة علاجية شمولية، تجمع بين الرضوض وطب الأعصاب والطب الرياضي داخل بنية واحدة مترابطة.

قدم الدكتور خليل كيناني، عرضا حول مركز إعادة التأهيل والترويض، موضحا أنه مركز متعدد التخصصات مخصص لإعادة التأهيل الشامل، يمتد من مرحلة ما بعد الإنعاش إلى غاية عودة المريض إلى المنزل، ويشمل مسارات علاجية في الرضوض وطب الأعصاب والطب الرياضي.

وأوضح أن المركز يتوفر على بنية مكونة من طابق تحت أرضي وثلاثة طوابق علوية مخصصة بالكامل لإعادة التأهيل، بطاقة استيعابية تصل إلى 120 سريرا، حيث يضم الطابق تحت الأرضي ورشة متكاملة لصناعة الأطراف الاصطناعية والدعامات التقويمية، بما يسمح بتصنيعها في عين المكان وتكييفها حسب حالة كل مريض، فيما يخصص الطابق الأول للاستقبال والاستشارات والتقييمات والاستكشافات الطبية.

وفي سياق متصل، أوضح الدكتور أنس حميمش، أن وحدة العلاج بالأكسجين عالي الضغط تعتمد على تقنية تقوم على تنفس المريض للأكسجين تحت ضغط يفوق الضغط الجوي، بما يسمح برفع نسبة الأوكسجين في الأنسجة وتسريع عمليات الاستشفاء.

وأضاف أن هذه التقنية تستعمل في عدد من الحالات، من بينها التسمم بأول أكسيد الكربون باعتباره حالة استعجالية، إضافة إلى الجروح المزمنة، خصوصا لدى مرضى السكري، وحوادث الغوص الناتجة عن تغير الضغط، وبعض حالات الانصمام الغازي، فضلا عن استخدامها في مجال الطب الرياضي بهدف تسريع التعافي.

وفي ما يتعلق بالتجهيزات، أشار إلى أن العلاج يتم داخل حجرة حديثة من الجيل الجديد تتسع لعدة مرضى، ومجهزة بأنظمة أمان متقدمة تشمل غرف عزل ومداخل خاصة للطوارئ، موضحا أن مدة الجلسات تختلف حسب الحالة، وقد تمتد من حوالي 30 دقيقة إلى عدة ساعات.

وختم بالتأكيد على أن هذا العلاج يظل دقيقا ويخضع لمتابعة طبية صارمة، نظرا لوجود حالات تستدعي الحذر، خاصة لدى مرضى القلب وبعض الحالات الخاصة، مما يجعل الإشراف الطبي شرطا أساسيا لضمان السلامة والفعالية.

يخرج الزائر من هذا المركز محملا بصورة مختلفة عن معنى إعادة التأهيل، حيث لا يتعلق الأمر فقط بمرحلة علاجية لاحقة، بل بمنظومة متكاملة تعيد بناء الوظائف الجسدية للمريض خطوة بخطوة، داخل فضاء يجمع بين التقنية الطبية الدقيقة والمتابعة السريرية المستمرة. بين الورش المتخصصة، ووحدات الفحص، وتقنيات العلاج الحديثة، تتضح ملامح نموذج صحي يقوم على استعادة القدرة على الحياة، قبل أن يكون مجرد علاج للمرض.