لأعوام طويلة، بدا عبد الله الحاج المنبري، المعروف بلقب "ميسي الحشيش"، وكأنه يعيش خارج قواعد المطاردة التقليدية التي تطال كبار المتورطين في الاتجار الدولي بالمخدرات.
كان اسمه يتردد باستمرار في تقارير الشرطة الإسبانية والأوروبية، وتلاحقه ملفات ثقيلة مرتبطة بشبكات التهريب عبر مضيق جبل طارق، لكنه في المقابل كان يتحرك بحرية في شمال المغرب، ويظهر في الفضاء العام، ويمارس أنشطة رياضية واجتماعية بشكل علني، إلى درجة أنه شارك في مباريات رسمية لكرة القدم، وترأس ودعم أندية محلية، دون أن يبدو أنه يواجه أي ملاحقة داخل التراب المغربي.
غير أن هذه المرحلة تبدو اليوم وقد وصلت إلى نهايتها.
فوفق معطيات حصلت عليها "تيلكيل عربي"، أصدرت السلطات المغربية مذكرة بحث في حق عبد الله الحاج، قبل أن ينتقل الملف من المستوى المحلي إلى مستوى أكثر حساسية بعدما تولت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية مباشرة الأبحاث المتعلقة به.
ويمثل هذا التطور منعطفا غير مسبوق في مسار الرجل الذي ظل لسنوات أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في عالم تهريب المخدرات بين المغرب وإسبانيا.
بحسب ما وصلنا إليه من معلومات، فقد انطلقت التحريات الأولى على مستوى ولاية أمن تطوان، قبل أن يتطور الملف لاحقا ويتم تحويله إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في مؤشر على طبيعة المعطيات التي أصبحت متوفرة لدى المحققين، وعلى الأبعاد التي تجاوزت الإطار المحلي.
ولا تتوفر إلى حدود الآن معطيات أدق بشأن التهم أو الوقائع التي استندت إليها مذكرة البحث، غير أن هذا التطور يأتي في سياق تصاعد التحقيقات المرتبطة بالشبكات الناشطة بين شمال المغرب ومدينة سبتة المحتلة، خاصة بعد تفكيك شبكة الأنفاق السرية التي هزت الأجهزة الأمنية الإسبانية خلال الأشهر الأخيرة.

ولسنوات طويلة، ارتبط اسم "ميسي الحشيش" بمجموعة من المناطق الساحلية الواقعة بين طنجة وتطوان، غير أن حضوره كان أكثر وضوحا في واد المرسى، القرية الساحلية الصغيرة التابعة لإقليم الفحص أنجرة.
هذه المنطقة التي تعتمد تقليديا على الصيد البحري تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى اسم متداول في تقارير أمنية باعتبارها إحدى النقاط التي لجأ إليها عدد من كبار مهربي المخدرات الفارين من العدالة الأوروبية.
وبينما كانت السلطات الإسبانية تتحدث باستمرار عن وجود مطلوبين دوليين في شمال المغرب، ظل اسم عبد الله الحاج يتصدر تلك القوائم باعتباره أحد أكثر الشخصيات نفوذا في شبكات التهريب المرتبطة بمضيق جبل طارق.
اليوم، ومع صدور مذكرة البحث المغربية، يبدو أن تلك المناطق فقدت صفتها كفضاء آمن لتحركات الرجل.
في دجنبر 2023، كنت قد نشرت تحقيقا بعنوان: "ميسي الحشيش يلعب كرة القدم في المغرب دون إزعاج"، وثق الظهور العلني لعبد الله الحاج خلال مباراة رسمية بالقسم الثالث هواة.
في ذلك التحقيق، ظهر الرجل بصفته عميد فريق وداد طنجة وأحد أبرز مموليه، وسط حضور جماهيري وأمني عادي، ما أثار حينها تساؤلات واسعة حول وضعيته القانونية.
وكشفت المعطيات المتوفرة آنذاك أن عبد الله الحاج لم يكن موضوع أي مذكرة بحث مغربية، كما لم تكن هناك أوامر توقيف دولية قابلة للتنفيذ داخل المملكة.
أما اليوم، فإن الوضع يبدو مختلفا بالكامل.

الأنفاق تعيد اسمه إلى الواجهة
عودة اسم "ميسي الحشيش" إلى دائرة الاهتمام الأمني تزامنت مع التطورات المتلاحقة في ملف الأنفاق السرية بين الفنيدق وسبتة المحتلة.
وكانت "تيلكيل عربي" قد كشفت، استنادا إلى تقرير للوحدة المركزية لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة الإسبانية، أن المحققين الإسبان باتوا يعتبرون عبد الله الحاج أحد الأسماء المحورية المرتبطة بالشبكة التي استغلت تلك الأنفاق في نقل كميات ضخمة من الحشيش نحو الأراضي الإسبانية.
كما ورد اسمه في عدد من المحادثات والتنصتات التي أصبحت جزءا من الملف المعروض على المحكمة الوطنية الإسبانية.
سقوط مرحلة كاملة
بعيدا عن المآلات القضائية التي قد تترتب عن مذكرة البحث الجديدة، فإن ما يحدث اليوم يحمل دلالة أكبر.
فالرجل الذي ظل لسنوات يقدم نفسه كرجل أعمال وفاعل رياضي، فيما كانت الأجهزة الأوروبية تصنفه ضمن أبرز الأسماء المرتبطة بالاتجار الدولي بالمخدرات، وجد نفسه لأول مرة موضوع ملاحقة مباشرة داخل البلد الذي عاش فيه خلال السنوات الأخيرة.
وبذلك تكون مرحلة كاملة من قصة "ميسي الحشيش" قد انتهت؛ مرحلة كان فيها واحد من أشهر الأسماء المطلوبة في أوروبا يتحرك علنا بين طنجة وواد المرسى، قبل أن ينتقل الملف إلى يد الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في تطور قد يقود إلى واحد من أبرز فصول المواجهة مع شبكات المخدرات العابرة للحدود خلال السنوات الأخيرة.
ملاحقات واسعة
لا تبدو التحركات الأخيرة للسلطات المغربية معزولة عن السياق الأوسع للتحقيقات المرتبطة بشبكة "أنفاق المخدرات" بين الفنيدق وسبتة المحتلة. فخلال الأسابيع الماضية، انتقلت الأجهزة الأمنية إلى مرحلة جديدة من التعاطي مع الملف، بعدما باشرت تعقب عدد من الأسماء الواردة في التحقيق الإسباني.
وقد أفضت هذه الجهود إلى توقيف رشيد بنجعفري بمعبر باب سبتة، ثم سلمان عبد الرحمن محمد، قبل إيداعهما السجن بأمر من النيابة العامة المختصة بتطوان. كما كشفت التحقيقات عن سعي المصالح الأمنية إلى الوصول إلى أسماء أخرى تعتبرها السلطات الإسبانية من العناصر المحورية في الشبكة، وفي مقدمتها عبد الإله أدخول، المعروف بلقب "عبد الإله د هولندا"، الذي يوصف بأنه أحد الشركاء الرئيسيين لمصطفى الشعيري الملقب بـ"مهندس الأنفاق".
وتؤشر هذه التطورات على انتقال التعاون الأمني المغربي الإسباني من مرحلة تبادل المعطيات إلى مرحلة الملاحقة الميدانية للأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الملف، وهو المسار نفسه الذي تشير المعطيات الجديدة إلى أنه بات يشمل أيضا عبد الله الحاج المنبري، الملقب بـ"ميسي الحشيش".