قال محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين ورئيس جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، إن الدورة الرابعة لمنتدى مراكش البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج تتوج مسارا يروم الارتقاء بهذا الموعد البرلماني الاقتصادي إلى منصة دائمة للحوار والتنسيق، مدعومة بآليات حكامة تضمن استمرارية الاشتغال بين الدورات.
وأوضح ولد الرشيد، في كلمة ألقاها، اليوم الجمعة بمراكش خلال الجلسة الافتتاحية للدورة الرابعة للمنتدى، أن التوقيع على الإعلان المشترك بين مجلس المستشارين وبرلمان البحر الأبيض المتوسط يشكل إطارا مرجعيا لتعزيز التقارب التشريعي، وتحفيز الاستثمار، وتوطيد التكامل الاقتصادي في الفضاء المشترك.
وسجل رئيس مجلس المستشارين أن المحاور الاستراتيجية الأربع التي يناقشها المنتدى على مدى يومين، والمتعلقة بانحسار التجارة، وتفاقم المديونية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأزرق، تجمعها إشكالية مركزية واحدة، تتصل بمدى قدرة البرلمانات على المساهمة في بناء منظومة إقليمية تحول التحديات المشتركة إلى فرص مستدامة للتنمية والازدهار.
ولفت ولد الرشيد إلى أن سن تشريعات تضمن الانضباط المالي، على غرار "القاعدة الذهبية" في القانون التنظيمي للمالية المغربي، يساهم في بناء جدار واق ضد دوامة المديونية، مبرزا أن المصادقة على اتفاقيات التبادل الحر لا تعني فتح الأسواق فقط، بل تهيئ أيضا شروط نقل المعرفة والتكنولوجيا.
كما أبرز أن وضع أطر قانونية توازن بين الاستغلال المستدام للبحار وحماية التنوع البيولوجي من شأنه تحصين مصدر مستقبلي من مصادر النمو والشغل، في حين يضمن تأطير طفرة الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية تحويلهما إلى روافع للتنمية، بدل أن تصبح مصدرا للفوارق والهشاشة.
وسجل رئيس مجلس المستشارين أن خصوصية هذه الدورة تتمثل في أربعة مرتكزات كبرى، أولها الريادة، بعدما استطاع المنتدى، دورة بعد أخرى، أن يرسخ مكانته كمرجعية إقليمية للحوار البرلماني الاقتصادي الرصين، وفضاء جامع للمشرعين والفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين والأكاديميين، بفضل ما راكمه من شراكات متينة، وما يحظى به من دعم ومواكبة، خاصة من برلمان البحر الأبيض المتوسط.
أما المرتكز الثاني، يضيف ولد الرشيد، فيتمثل في الانفتاح، من خلال قدرة المنتدى على توسيع دوائر الحوار بإدراج البعد الإفريقي ضمن أجندته، انسجاما مع الرؤية الاستراتيجية للمملكة المغربية، ولا سيما ما يتصل بتعزيز الاندماج الاقتصادي الإفريقي، والتعاون جنوب-جنوب، واستشراف آفاق المبادرة الأطلسية الملكية لفائدة دول الساحل.
ويرتبط المرتكز الثالث، وفق ولد الرشيد، بصناعة الأثر، إذ إن طموح المنتدى لا يقف عند حدود التشخيص وتبادل وجهات النظر، بل يتطلع إلى بلورة مبادرات عملية وشراكات قابلة للتنزيل، قادرة على إحداث أثر ملموس ومستدام في السياسات العمومية ومسارات التنمية والتكامل الاقتصادي.
وأضاف ولد الرشيد أن المملكة المغربية تضطلع بدور استراتيجي يجعل منها حلقة وصل حيوية بين الفضاءات الأورو-متوسطية والخليجية والإفريقية، باعتبارها دوائر متكاملة لمجال تتقاطع فيه المصالح، وتتضاعف فيه فرص خلق القيمة المشتركة، وفق منطق رابح-رابح.
فعلى المستوى الأورو-متوسطي، ذكر رئيس مجلس المستشارين بأن المملكة راكمت شراكة استراتيجية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي، انطلقت باتفاقية التبادل الحر سنة 1996، وتعززت بالوضع المتقدم سنة 2008، وصولا إلى "الشراكة الأورو-مغربية من أجل الازدهار المشترك" التي أطلقت سنة 2019، بما أتاح اندماجا متزايدا للاقتصاد المغربي في سلاسل القيمة الإقليمية.
وأشار ولد الرشيد إلى أن المغرب أصبح، حسب تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، من أكثر اقتصادات المتوسط انخراطا وتنافسية ضمن هذه السلاسل، مبرزا أن الشراكة المغربية-الخليجية تجاوزت منطق العلاقات الثنائية التقليدية، لتغدو رافعة للتعاون العابر للأقاليم، مستندة إلى الثقة السياسية والمصالح المتبادلة.
وسجل أن هذه الشراكة تبرز، على الخصوص، في قطاعات واعدة من قبيل الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث تتكامل القدرات الاستثمارية الخليجية مع مؤهلات المملكة وموقعها ومنظومتها اللوجستية.
وفي بعدها الإفريقي، قال رئيس مجلس المستشارين إن التعاون الإفريقي أضحى مجالا للتمكين المتبادل والاستقرار والازدهار المشترك، وهو ما تجسده المبادرات الملكية الإفريقية، سواء تعلق الأمر بالمبادرة الأطلسية أو بمشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، ومبادرة تكييف الفلاحة الإفريقية، بما يعكس حرص المغرب على تحويل مقدرات القارة إلى رافعة فعلية للتنمية المشتركة.
وأشار رئيس مجلس المستشارين إلى أن المنطقة تمتلك من المقدرات ما يكفي لأن تكون فاعلا مؤثرا في عالم اليوم، الموسوم بالاضطراب واللايقين، غير أن هذه الإمكانات لا يمكن أن تتحول إلى واقع ملموس ما لم تسندها إرادة سياسية قوية، ملتزمة بمزيد من التنسيق والتكامل وتدعيم أسس التنمية المشتركة.