إلياس غاني
بقيت ثلاثة أشهر على نهاية عمر الحكومة، وفي المقابل، مرت سنة وشهران على الندوة التي عقدها وزير العدل عبد اللطيف وهبي، بحضور عدد من الوزراء، لتقديم الخطوط العريضة لمشروع مدونة الأسرة.
أنهى الوزيرالندوة، وانسحب للوراء بحجة الانكباب على العمل داخل الوزارة.
وفي تصريحاته الصحفية اللاحقة، بدا الوزير متحمسا، حين قال إن "المرحلة المقبلة هي للعمل الحقيقي والأكثر جدية".
واليوم، وبعد تلك الندوة، وقبلها تسليم التقرير النهائي للتعديلات للملك محمد السادس، في مارس 2024، وإحالة الأخير بعض المقترحات إلى المجلس العلمي الأعلى لإصدار فتاوى بشأنها، وظهور ما يبدو أرضية لتوافق محتمل، وتصريح الوزير نفسه بعدها بأن "المدونة جاهزة"، إلا أنها لم تخرج بعد إلى حيز الوجود.
فما الأسباب التي تمنع إصدار المدونة الجديدة حتى الآن؟
وزير العدل لا يملك جوابا عن التأخر
حول سؤال بخصوص سبب تأخر إخراج مدونة الأسرة، قال عبد اللطيف وهبي، في رده على "تيلكيل عربي": "لا أملك جوابا... احترموا هذا الأمر". وظل يكررها ثلاث مرات، دون إضافات.
لكن مصدرا خاصا من داخل وزارة العدل، تحفظ على ذكر اسمه، قال لـ"تيلكيل عربي" إن "هناك خلافا حادا داخل الحكومة حول المدونة، ومن خارجها أيضا، وهذه الأخيرة أكثر تأثيرا".
المصدر نفسه قال إن "الوزير متجاوز في هذا الملف"، لأسباب، دون أن يريد إضافة توضيحات، منها "غياب الدافع السياسي في الفترة الحالية، وتوازنات، عجز وهبي عن إمالة كفتها لصالحه".
وكان الاعتراف قد جاء من وهبي نفسه، في نونبر 2025 داخل البرلمان، حين قال وهو منفعل إن "الوزير لا يشرع وحده"، وقال إنه يواجه صعوبات في إقناع رئيس الحكومة بأفكاره، ونعته بـ"الشخص المحافظ رغم ثروته الكبيرة".
التامني: المدونة تتعرض لبلوكاج
في المقابل ترى المعارضة أن ما يحدث لمدونة الأسرة هو تجميد مقصود.
وفي تصريح لـ"تيلكيل عربي" قالت فاطمة التامني، النائبة عن فدرالية اليسار إن: "الحكومة تشرع بسرعة القوانين التي تخدم مصالحها والمقربين منها".
وتابعت "لكن المدونة خارج الحساب، لأن لا مصلحة مباشرة لها فيها، بل هي تخاف منها لأنها قد تثير حفيظة بعض الناخبين".
وقالت عن الانسجام بين مكونات الحكومة، إنه "يظهر فقط حين يرتبط الشأن بمصالحهم الشخصية، ويغيب في قوانين مرتبطة بإصلاحات تشريعية، جاء بها دستور 2011".
وأضافت النائبة أنها سألت وزير العدل في عدة مناسبات حول المدونة، في سياق تعقيبات في مجلس النواب، وفي اللجان، دون أن يجيب.
واسترسلت "حتى لو تم تقديم مشروع القانون الآن، فالوقت المتبقي من عمر الولاية التشريعية لا يسمح بمناقشة القانون، والتصويت عليه داخل الآجال".
وتساءلت "ماذا تنتظر الحكومة؟ هل إشارة من الملك لتفعل صلاحياتها؟ إنها تتصرف كحكومة تصريف أعمال".
أبرز نقاط الخلاف حول المدونة
ويتأثر مسار التشريع لمدونة الأسرة الجديدة بخلاف جذري بين تيارين رئيسيين. يضم الأول الطيف الحداثي الممثل في أحزاب اليسار والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والحركة النسائية، بينما يمثل الثاني الطيف المحافظ والإسلامي.
تدور هذه الخلافات حول قضايا شائكة، أبرزها منح الولاية الشرعية على الأبناء للأم مناصفة مع الأب. والإلغاء النهائي لزواج القاصرات.
ومطلب تمكين الأطفال المولودين خارج الزواج من إثبات النسب باستخدام الخبرة الجينية، والنقاش حول تقييد أو منع تعدد الزوجات.
هذه المطالب المرفوعة تصطدم برفض قاطع من التيار المحافظ الذي يستند إلى المرجعية الأصولية.
وفي المقابل، تجد سندا لها في التوجهات الحقوقية وفي مجموعة من المواثيق والمعاهدات الدولية التي صادق عليها المغرب والتزم بها، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل.
تحذير من تداعيات التأخر
في هذا السياق، قالت المحامية عائشة الحيان، رئيسة اتحاد العمل النسائي، إن "تأخير إخراج مدونة الأسرة يضر بمصالح الفئات الاجتماعية الهشة، خصوصا النساء والأطفال، لأنه يؤدي لاستمرارالحيف والتمييز الذي تتضمنه النصوص الحالية التي يجمع الكل على أنها تجاوزها الزمن".
وقالت الحيان، التي شاركت في تقديم مقترحات لتغيير المدونة أمام الهيئة المكلفة بمراجعتها في حديثها لـ"تيلكيل عربي": "إن تعطيل هذا الإصلاح سيفقد الثقة في المؤسسات، وفي جدية عملها، لأن تغيير مدونة الأسرة مرتبط أساسا بالدمقرطة وتحقيق المساواة".
وكان اتحاد العمل النسائي وجه، في وقت سابق، بمعية 32 جمعية أخرى، رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة ضمن التنسيقية النسائية من أجل التغيير الشامل والعميق لمدونة الأسرة، يسائلونه فيها عن هذا التأخر، الذي اعتبرنه يخرج عن مبدأ التشاركية.
وقالت رئيسة الاتحاد إن "تدبير الحكومة لمشروع تعديل مدونة الأسرة، والتعتيم الذي رافق صياغته، وعدم إخبار الرأي العام بمآله، لا ينسجم إطلاقا مع مسؤولياتها الدستورية".