أعاد تفكيك الخلية الإرهابية التي أعلن عنها المكتب المركزي للأبحاث القضائية، صباح الاثنين، طرح تساؤلات بشأن طبيعة التحولات التي تشهدها التهديدات الإرهابية الموجهة نحو المغرب، في ظل المتغيرات الأمنية المتسارعة بمنطقة الساحل الإفريقي. فالمعطيات الأولية المرتبطة بهذه القضية لا تشير فقط إلى إحباط مخطط إرهابي، بل تكشف، بحسب عدد من المتابعين، عن تطور نوعي في أساليب اشتغال التنظيمات المتطرفة، وانتقالها إلى أنماط أكثر تعقيدا في التخطيط والتنسيق والتنفيذ.
تفكيك الخلية الإرهابية الأخيرة.. ما الذي تغير في طبيعة التهديدات؟
يشكل تفكيك الخلية الإرهابية المكونة من عشرة عناصر، التي جرى إيقافها بشكل متزامن في سبع مدن مغربية يوم 6 يوليوز 2026، مؤشرا على تحول نوعي في طبيعة التهديدات الإرهابية التي تواجه المملكة. وفي هذا السياق، كشف محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن تنظيم "داعش" نقل مركز ثقل توجيه عملياته التخريبية من المشرق العربي إلى منطقة الساحل الإفريقي، في إطار إعادة تموقع استراتيجي يراهن على استثمار هشاشة الأوضاع الأمنية في المنطقة.
وأضاف أن التحقيقات كشفت عن اعتماد التنظيم تكتيكا جديدا يقوم على توجيه عناصره إلى البقاء والاستقرار داخل المغرب، وتأجيل هجرتهم إلى معاقل التنظيم في الساحل، بهدف تنفيذ عمليات إرهابية تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي. وأوضح أن التسجيلات المرئية المحجوزة، التي توثق إعلان أفراد الخلية البيعة للتنظيم والتزامهم بتنفيذ أجندته العابرة للحدود، تعكس بوضوح هذا التحول في استراتيجية التنظيم وأساليب اشتغاله.
منطقة الساحل في صدارة التهديدات
وفيما يتعلق بطبيعة المخطط الإرهابي، أوضح أن المعطيات المتوفرة تكشف عن نقلة نوعية وتطور بالغ الخطورة في أساليب اشتغال الخلايا الإرهابية مقارنة بالسنوات الماضية، إذ انتقل التنظيم من النمط التقليدي القائم على الخلايا المحدودة إلى نموذج عملياتي أكثر تنظيما وتعقيدا، يعتمد توزيعا دقيقا للأدوار بين فرق متخصصة في الرصد والاستطلاع، واختيار الأهداف الحيوية، وتدبير الجوانب اللوجستيكية، واقتناء المعدات اللازمة لتنفيذ الهجمات.
وأضاف أن المعطيات الميدانية تؤكد وصول عناصر الخلية إلى مراحل متقدمة جدا من الإعداد اللوجستي، وهو ما عكسته المحجوزات التي ضمت مستودعا يحتوي على طناجر ضغط محشوة بالمسامير وموصولة بأسلاك كهربائية، وقنينات غاز، ومواد كيميائية مخصصة لتركيب العبوات الناسفة، فضلا عن قدرة عالية على التنسيق والربط العملياتي عن بعد بين سبع مدن متباعدة جغرافيا، شملت أكادير، وتارودانت، والدار البيضاء، والحاجب، وتطوان، والفقيه بن صالح، وآسفي، بما يعكس مستوى متقدما من التنظيم والتخطيط العملياتي.
وأبرز في معرض حديثه أن هذه العملية تضع منطقة الساحل والصحراء في صدارة التهديدات المباشرة للأمن الإقليمي، بعدما تحولت، بفعل هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية، إلى بؤرة رئيسية لتصدير الإرهاب وفضاء لإعادة تمركز التنظيمات المتطرفة وإعادة بناء ما يسمى بـ"الولايات"، في محاولة لتعويض خسائرها الاستراتيجية في سوريا والعراق.
المقاربة الاستباقية أحبطت المخطط.. لكن التهديدات الإرهابية تتطور
وأشار إلى أن قيادات ما يسمى بـ"ولاية الساحل" أو "تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" تراهن على تمويل وتوجيه الخلايا المستقرة داخل الدول، بهدف اختراق المنظومات الأمنية وجعل المغرب هدفا محوريا، ردا على انخراطه الفاعل في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، مستغلة في ذلك قدراتها على تمرير التعليمات المشفرة، وتوفير الدعم اللوجستي عبر الحدود الهشة والمسالك العابرة للحدود.
وبشأن نجاح المقاربة الأمنية المغربية في إحباط هذا المخطط قبل تنفيذه، أفاد أن ذلك يرجع إلى تبني استراتيجية الضربات الاستباقية الرامية إلى إجهاض المشاريع الإرهابية في مراحلها التحضيرية، بفضل التكامل الوثيق بين المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، باعتبارها الجهة المزودة للمعلومات الاستخباراتية الدقيقة، والمكتب المركزي للأبحاث القضائية، باعتباره الذراع التنفيذي والقضائي المكلف بالتدخل الميداني. وأضاف أن المغرب راكم خبرة ميدانية وتقنية متطورة في مجال الرصد الرقمي، تتيح له تتبع خطوط الاتصال العابرة للحدود، وتفكيك شبكاتها بسرعة وفعالية، وتحييد المخاطر قبل تحولها إلى تهديد واقعي.
وخلص إلى أن هذه النجاحات الأمنية، على أهميتها، لا تلغي حجم التحديات المستقبلية التي تفرضها التحولات المتسارعة في أساليب اشتغال التنظيمات المتطرفة. وأوضح أن من أبرز هذه التحديات اتساع رقعة الملاذات الآمنة بمنطقة الساحل، بعيدا عن الرقابة الدولية، إلى جانب الاعتماد المتزايد للتنظيمات الإرهابية على تطبيقات التواصل المشفرة والعملات الرقمية لتمرير الأموال والتعليمات، وهو ما يفرض تحديثا تكنولوجيا مستمرا لمنظومات الرصد والتتبع. وأضاف أن من بين التحديات المطروحة أيضا تتبع المعتقلين السابقين في قضايا التطرف، بما يضمن عدم إعادة استقطابهم أو انخراطهم مجددا في الأنشطة الإرهابية، لافتا إلى أن هذه الخلية ضمت أحد المعتقلين السابقين في قضايا الإرهاب، بعدما نجح التنظيم في إعادة تجنيده واستقطابه.