كشفت نتائج البحث الدائم حول الظرفية لدى الأسر، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، عن استمرار تراجع ثقة الأسر المغربية في أوضاعها الاقتصادية، بعدما انخفض مؤشر ثقة الأسر إلى 60,1 نقطة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مقابل 64,4 نقطة في الفصل السابق و54,6 نقطة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
وبحسب المعطيات فإن أكثر من ثلاثة أرباع الأسر المغربية، أي بنسبة 78,3 في المائة، أكدت تراجع مستوى معيشتها خلال السنة الماضية، فيما واصلت التعبير عن نظرة سلبية تجاه قدرتها على الادخار، مع استمرار القلق من تطور أسعار المواد الغذائية.
وفي هذا الصدد، حاور "تيلكيل عربي" الفقير المهدي، المحلل الاقتصادي، الذي اعتبر أن تراجع مؤشر ثقة الأسر يجسد استمرار الفجوة بين المؤشرات الماكرو اقتصادية والواقع المعيشي للمواطنين، نتيجة الضغوط التضخمية التي أرهقت القدرة الشرائية وأضعفت الادخار والاستثمار.
كيف تفسرون أن نحو ثماني من كل عشر أسر مغربية تصرح بتدهور مستوى المعيشة، رغم المؤشرات الرسمية التي تتحدث عن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية؟
الواقع أن هذا المعطى ورد في تقرير بنك المغرب لسنة 2025، الذي قدم بين يدي الملك، إذ أشار إلى أن تحسن المؤشرات الاقتصادية لا ينعكس على مستوى عيش المواطنين، مبرزا وجود فجوة واضحة بين المؤشرات الماكرو اقتصادية، التي تسجل أداء إيجابيا وتوجد في أفضل أحوالها، والمؤشرات الميكرو اقتصادية التي، مع كامل الأسف، يطبعها نوع من السلبية وعدم الرضا لدى المواطنين بشأن مستوى معيشتهم.
هل يعكس تراجع مؤشر ثقة الأسر أزمة مرتبطة بالقدرة الشرائية، أم أنه يعبر عن مخاوف أوسع تتعلق بالتشغيل، والتضخم، والدخل، والآفاق الاقتصادية للأسر؟
الواقع أن هذا المؤشر يتحدث عن الحاضر والمستقبل، بمعنى أن هناك واقعا يشهد تناميا للضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين بسبب الضغوط التضخمية، مما يجعل، مع الأسف، من الصعب أن تتلاءم مداخيل الأسر مع غلاء المعيشة، من جهة، ويضعف قدرتها على الادخار والاستثمار، من جهة أخرى، وهو ما ينعكس في ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد التوجه نحو الاقتراض، الذي يوجه أحيانا إلى تمويل المعيشة عوض تمويل الاستثمار والتجهيز.
وبالتالي، فإن ذلك يعكس أزمة حقيقية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، ولذلك فإن هذا الانطباع، في تقديري، ليس ظرفيا، بل هو انطباع يتعلق بالحاضر والمستقبل.
ما أبرز العوامل التي دفعت رصيد تقييم مستوى المعيشة إلى هذا المستوى السلبي، وهل يمكن اعتبار هذه النتائج مؤشرا على استمرار هشاشة الوضع الاجتماعي خلال الفترة المقبلة؟
الأكيد أن المغرب، مثل عدد من دول العالم، عرف هذا الارتفاع التضخمي نتيجة الهزات التي شهدها العالم خلال السنوات العشر الأخيرة، وأتحدث هنا بالأساس عن أزمة كوفيد-19، ثم الأزمة الروسية الأوكرانية، وصولا إلى الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط وما رافقها من اضطرابات في سلاسل الإنتاج وسلاسل التوزيع، وصراع حول النفوذ الاقتصادي على الصعيد الدولي، فضلا عن الظواهر البيئية، وفي مقدمتها الجفاف، الذي أثر بشكل كبير على مستوى الإنتاج.
وبالتالي، فإن هذا الضغط انعكس على المغرب، الذي عانى لسنوات من موجة جفاف قاسية، غير أن عدم تأقلم وملاءمة السياسات الحكومية مع هذا الواقع، مع الأسف، ربما يؤشر إلى قصور هذه السياسات، رغم وجاهة بعض أوجهها، سواء تعلق الأمر بالدعم أو بتدخل الدولة، لاسيما وأن تواصل بعض الأسعار في منحاها المرتفع أثبت، مع كامل الأسف، محدودية هذه التدخلات. وإذا لم يقع تغيير في السياسات، والحديث هنا بالأساس عن سياسة الحكومة المقبلة التي ستفرزها صناديق الاقتراع في 23 شتنبر، فربما لن نعرف تحسنا على المدى القريب في هذه الوضعية.
في ضوء هذه المعطيات، ما الأولويات التي ينبغي أن تركز عليها السياسات العمومية لاستعادة ثقة الأسر المغربية وتحسين إحساسها بجودة ومستوى المعيشة؟
أعتقد أن الأولوية الأولى تتمثل في إعادة التوازن إلى أسعار المواد الأولية وضبط السوق، لأن ذلك يظل أولوية الأولويات. والواقع أنه إذا تمكنت الحكومة من ضبط السوق، فإنها ستتمكن أيضا من إعادة بناء الثقة، لأنه إذا استعادت قفة معيشة المواطن توازنها بما يسمح له بترشيد كلفة المعيشة والتوفير من أجل الادخار، فإن ذلك، في تقديري، سيشكل جانبا إيجابيا جدا في عمل الحكومة.