حذر حسن طارق، وسيط المملكة، من استمرار ضعف تجاوب عدد من الجماعات الترابية مع توصيات المؤسسة، مسجلا أن جزءا مهما منها ما يزال "خارج منطق الدستور والحكامة"، في وضع وصفه بـ"النقطة السوداء" التي لا يمكن القبول باستمرارها.
وقال طارق، خلال تقديم التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025، اليوم الخميس، إن مؤشرات تجاوب الإدارات تكشف استمرار تفاوت كبير بين القطاعات، بحسب طبيعة المسؤولين والتقاليد الإدارية السائدة داخل كل مرفق.
وأوضح وسيط المملكة أن المؤسسة أصدرت خلال السنة الماضية 129 توصية، ونجحت في تتبع تنفيذ 110 توصيات، وهو ما يعكس تقدما مهما، غير أن هذا التطور لم ينه التفاوت المسجل في تجاوب الإدارات، خصوصا على مستوى الجماعات الترابية.
وانتقد طارق استمرار جزء مهم من الجماعات خارج مقتضيات الحكامة التي أقرها الدستور، موضحا أن هذه الوضعية سبق أن سجلتها المؤسسة خلال السنة الماضية، وما تزال قائمة إلى اليوم، موضحا أن تقييم تجاوب الإدارة لا ينبغي أن يقوم على أحكام عامة من قبيل وجود إدارة جيدة وأخرى غير متجاوبة، بل يجب أن يستند إلى مؤشرات موضوعية تسمح بقياس مستوى التطور المحقق.
وكشف التقرير أن عدد الملفات الواردة على المؤسسة قارب عشرة آلاف ملف، مسجلا ارتفاعا بنحو 25 في المائة خلال سنة واحدة، فيما بلغ عدد الملفات الداخلة ضمن اختصاصها 6770 ملفا، جميعها مرتبطة بتظلمات المواطنين، مشيرا إلى أن هذا الارتفاع يعكس تزايد الطلب على الوساطة، وارتفاع منسوب الثقة في المؤسسة، إلى جانب تطور وعي المواطنين بطبيعة اختصاصاتها والأدوار التي تضطلع بها.
وسجل طارق تحولا في طبيعة شكايات المغاربة، التي انتقلت من التظلم المرتبط بالخدمات الإدارية التقليدية إلى التظلم من السياسات والبرامج العمومية، ولا سيما السياسات الاجتماعية.
ولفت إلى تصدر التظلمات ذات الطابع المالي قائمة الملفات، متقدمة على التظلمات الإدارية، ثم التظلمات المرتبطة بالبرامج الاجتماعية، بعدما ظلت التظلمات الإدارية والمالية والعقارية تشكل، لسنوات، ما سمته المؤسسة "التصنيف الكلاسيكي".
وأوضح أن جزءا كبيرا من التظلمات المالية يرتبط باستحقاقات وتعويضات والتزامات ذات طبيعة اجتماعية، لافتا إلى أن المغاربة أصبحوا يتظلمون من السياسات العمومية، وليس فقط من الإدارة ومساطرها، مبرزا أن الطلب على الوساطة انتقل من قضايا مرتبطة بالزمن الإداري، وصعوبة الولوج إلى المعلومة، والتأخر في الحصول على الوثائق والشهادات، إلى قضايا تتصل بتنزيل البرامج والسياسات العمومية.
كما رصد التقرير بروز تظلمات جديدة مرتبطة بالخدمات الرقمية، في مؤشر على انتقال شكايات المرتفقين من مجال "الدولة الإدارية" إلى مجالي "الدولة الاجتماعية" و"الدولة الرقمية"، يوضح طارق، الذي أشار إلى أن تجاوز القيمة المالية لقرارات التسوية الصادرة خلال سنة 2025 مبلغ 100 مليون درهم، فيما سجلت المؤسسة رقما قياسيا في عدد قرارات التسوية، وإن ظل دون مستوى طموحها.
وقال طارق إن قرارات التسوية تمثل "المنتوج المثالي للمؤسسة"، باعتبارها دليلا على النجاعة المؤسساتية الداخلية، ومؤشرا في الوقت نفسه على تجاوب الإدارات مع التظلمات المحالة عليها.
واستدرك بأن الأرقام، رغم أهميتها، لا تعكس دائما الأثر الكامل لتدخل المؤسسة، إذ قد يسهم قرار لا يحمل قيمة مالية كبيرة في إنصاف مواطن أو تسوية وضعية إنسانية أو مهنية معقدة.
وكشفت المعطيات ذاتها أن متوسط أجل جواب الإدارة يتراوح بين 76 و81 يوما، بينما يصل متوسط مدة البت في ملفات التظلم المنتهية إلى قرارات أو توصيات إلى نحو 296 يوما.
وتابع وسيط المملكة أن هذه المدة لا تتحمل المؤسسة مسؤوليتها وحدها، لأنها تتكون من زمن معالجة المؤسسة للملف، وزمن تجاوب الإدارة، فضلا عن المراسلات والإجراءات والمتابعات الضرورية لاستكمال المعطيات والموازنة بين حجج المرتفق والإدارة، لافتا إلى أن بعض الملفات تكون معنية بها خمس أو سبع إدارات ومؤسسات مختلفة، ما يستدعي استكمال الوثائق ودراسة المواقف المتعارضة في ضوء الشرعية القانونية ومبادئ العدل والإنصاف.
وأشار طارق إلى أن المؤسسة قدمت خلال السنة ثلاثة تقارير خاصة إلى رئيس الحكومة، في إطار صلاحياتها المتعلقة باقتراح إصلاحات تهم حكامة المرافق العمومية أو مراجعة مقتضيات يؤدي تطبيقها إلى نتائج غير عادلة، إذ يتعلق التقرير الأول بالرخصة المطلوبة من الموظفين عند مغادرة التراب الوطني، بينما يهم التقرير الثاني التأخر في الزيادة في الإيرادات الممنوحة لضحايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، ويتناول التقرير الثالث التمييز القانوني في الاستفادة من التعويضات العائلية.