بقلم: نجاة ديالمي - كاتبة وأستاذة جامعية ومدافعة عن الحيوانات
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: "هل جزاء الإحسان الا الإحسان" (صدق الله العظيم - سورة الرحمان الآية 60)
آية كريمة عظيمة تقر بقاعدة ربانية مفادها أن ثواب من يحسن في عمله وفي دنياه هو ان يحسن الله إليه وهي دعوة إلهية للتحلي بمكارم الأخلاق وبالرأفة والإحسان.
إلا أننا فوجئنا مؤخرا بقانون يخالف مفهوم الاحسان كما جاء في كتاب الله ، قانون سمي بقانون لحماية الحيوانات الضالة، ولكنه قانون لتعذيب الحيوانات عوض حمايتها، قانون رأى مشرعه والمصوتون عليه ان جزاء الإحسان هو العقاب، قانون ينص على تغريم كل من أطعم أو سقى أو عالج أو أوى حيوانا بغرامة مالية.
أولا وقبل الخوض في مواد هذا القانون التي تجرم الإحسان، لا بد من التوقف قليلا على تسميته قانون حماية الحيوانات الضالة.
لغويا، الضالة من الضلال والضلالة وهما يعنيان الانحراف والخروج عن الطريق السوي والمستقيم.
من هنا يتضح أن نعت هذه الحيوانات بالضالة غير سليم وغير صحيح ولا ينطبق عليها. هي حيوانات خلقت فوجدت نفسها بدون حامي ولا معيل، وككل كائن حي لديه غريزة البقاء، تتجول بحثا عن القوت الضروري لحياتها. فلو وجدت طعاما وماء في مكان ما، ما غادرته.
إذن كان الأجدر أن نسميها حيوانات الشارع أو الحيوانات الحرة وليست بتاتا ضالة لأنها بعيدة كل البعد عن مفهوم الضلالة.
نأتي الآن إلى المادتين 5 و 44 من هذا القانون.
في خطوة خطيرة تعد الأولى من نوعها في بلد إسلامي، تقررت معاقبة كل مواطن يتحلى بالرأفة والرحمة، كل مواطن يقدم طعاما أو ماء او علاجا لحيوان يعيش في الشارع بدون مأوى ولا حامي.
هذا يعني حرفيا:
-
إذا وجدت في الشارع قطا أو كلبا أو طائرا يحتضر من شدة الجوع والعطش، إياك ثم إياك أن تقدم له جرعة ماء أو قليلا من الطعام، دعه يتعذب ويتذوق الموت البطيء وانصرف الى حال سبيلك.
-
إذا وجدت في الشارع كلبا أو قطا أو طائرا يلهث من العطش في درجة حرارة تفوق الأربعين إياك ثم إياك أن تسقيه. دعه يموت عطشا وانصرف إلى حالك سبيلك.
-
إذا علمت ان في مكان ما توجد مجموعة من الحيوانات بدون مأوى ولا طعام ولا ماء، إياك ثم إياك أن تذهب إليهم بطعام أو ماء. أتركهم يموتون عطشا وجوعا ويتعذبون.
-
إذا وجدت كلبا أو قطا أو طائرا غارقا في دمه وسط الطريق، يئن من شدة الألم والمعاناة، إياك ثم إياك أن تقدم له المساعدة، دعه يتعذب وأذهب إلى حال سبيلك.
-
إذا وجدت كلبا أو قطا أو طائرا مريضا لا يقوى عن النهوض من شدة المرض والألم، إياك ثم إياك أن تأخذه الى بيتك لتقديم المساعدة إليه.
من الواضح أن هاتين المادتين تخالف المادة 3 من الدستور الذي تنص على أن الإسلام دين الدولة والإسلام ينص ويحث عن الإحسان وجزاءه في آيات عديدة من كتاب الله.
و بمنعها إيواء هذه الحيوانات قصد مساعدتها فهي تخالف كذلك الفصل 24 من الدستور الذي ينص على ألا تنتهك حرمة المنزل.
يحق لنا إذا ان نطرح الأسئلة التالية:
أين هاتان المادتان من الإسلام ومن الإحسان ومن الرأفة ومن الأحاديث النبوية التي توصي بالرأفة بالحيوانات؟ أين هاتان المادتان من الحديث النبوي الشريف القائل "في كل كبد رطبة أجر"؟ أين هاتان المادتان من قول عمر ابن عبد العزيز: "أنثروا القمح على رؤوس الجبال كي لا يقال جاع طير في بلاد الإسلام"؟ أي حس إنساني يود هذا القانون تلقينه للأجيال الصاعدة؟
إذا كان الله سبحانه وتعالى يوصينا بالإحسان وإطعام المساكين في قوله تعالى: "وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة" (صدق الله العظيم) .
وإذا كان الإحسان لغويا ودينيا يعني تقديم وإيصال النفع إلى الغير، أليس من الواجب علينا أن نعتبر هذه المخلوقات الضعيفة البكماء التي تعيش في شوارعنا ممن ينطبق عليهم قوله تعالى "ذا متربة" ، أي اللاصقة بالتراب من شدة العوز والجوع والمطروحة على الطريق بدون معيل؟
هل لنا أن نتصور قانونا مماثلا يقضي بمعاقبة وتغريم كل مواطن يقدم طعاما أو ماء لمسكين جائع في الشارع، قانونا مماثلا يلزم المواطنين بغرامات مالية إذا قدموا لمسكين قطعة رغيف أو كأس شاي في محلبة، أو كسكس يوم الجمعة امام مسجد أو إذا أطعموا صائما محتاجا في شهر رمضان.
أليس لنا الحق أن نقول أن هذا القانون ضرب سافر لقيمنا الإسلامية و لقيم الإنسانية بكل معانيهما الجليلة؟
ونقف مرة أخرى لنتساءل عن مال الاتفاقية التي وقعت في 28 فبراير 2019 من طرف وزارة الداخلية ووزارة الصحة و الهيئة الوطنية للأطباء البياطرة و المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغدائية التي تنص على مقاربة برنامج TNVR وهي المقاربة الوحيدة الناجعة لحماية حيوانات الشارع بدون قتلها أو تعذيبها أو تجويعها (نسخة هذه الاتفاقية بكل تفاصيلها رهن إشارة كل مهتم).
رصد مبلغ 21 مليار سنتيم لتفعيل هذه الاتفاقية و تطبيقها و نصت في المادة السابعة على أن بنود هذه الاتفاقية تصبح سارية المفعول ابتداء من تاريخ توقيع الأطراف المتعاقدة عليها أي منذ 28 فبراير 2019.
بما أن هذه الاتفاقية لم تنفذ الا يحق لنا التساؤل عن مالها و عن عدم تطبيقها و عن المبالغ المالية المرصودة لها ؟
الا يحق لنا اخيرا أن نثير الانتباه أنه بعد مرور سبعين سنة على استقلال بلادنا مدة زمنية مهولة لم تعرف فيها هذه الحيوانات أي التفاتة من غير التعذيب و القتل, يخرج اليوم إلى الوجود قانون يجرم الإحسان إليها و يعاقب المواطنين المحسنين عوض شكرهم و تشجيعهم وتأطيرهم لأنهم شركاء أساسيون في تدبير الشأن المجتمعي