أزمة زراعة القرنية.. آلاف المرضى و500 عملية سنويا فقط

خديجة قدوري

يطرح تعميم زراعة القرنية، وفق المعطيات المتوفرة، فجوة كبيرة بين الحاجيات الفعلية والواقع العملي، إذ يحتاج المغرب سنويا إلى ما بين ستة وثمانية آلاف عملية زراعة قرنية، في حين لا ينجز فعليا سوى حوالي خمسمائة عملية، تجرى غالبيتها الساحقة داخل مؤسسة صحية واحدة، مع غياب شبه تام لهذا النوع من التدخلات في المستشفيات العمومية. كما أن أغلب القرنيات المزروعة يتم استيرادها من الخارج، في ظل غياب بنوك للأنسجة العينية داخل التراب الوطني، ما يعكس اختلالا بنيويا في هذا المجال.

وتعتبر هذه الأرقام، بحسب هذا الطرح، غير مقبولة بالنظر إلى وجود آلاف المرضى من رجال ونساء وأطفال ينتظرون عمليات قد تعيد إليهم نعمة البصر، في وقت يضطر فيه بعضهم إلى السفر نحو دول مجاورة مثل تونس وإسبانيا وفرنسا للحصول على العلاج.

في هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع محسن البقالي، طبيب اختصاصي في أمراض وجراحة العيون، والكاتب العام للنقابة الوطنية لأطباء العيون بالقطاع الخاص بالمغرب، أكد فيه أن وضع زراعة القرنية يختلف من بلد إلى آخر، إذ تعتمد بعض الدول مقاربة تنظيمية مرنة تسمح بتوسيع الولوج إلى هذا النوع من العمليات وفق مساطر واضحة، بينما يطرح الوضع في المغرب تحديات كبيرة ترتبط بالبنية التنظيمية وتوفر الأنسجة، ما يجعل العرض محدودا مقارنة بالطلب المتزايد.

ما هي أبرز العراقيل التي تجعل زراعة القرنية غير متاحة بشكل كاف للمرضى المغاربة؟

فيما يتعلق بالإطار التشريعي، يقوم التنظيم في بعض الدول على مقاربة قانونية تتيح للمواطن التعبير عن رفضه أو قبوله عبر مساطر قضائية واضحة، في حين يطرح الواقع في المغرب إشكالا مختلفا يرتبط بطبيعة الضوابط القانونية والثقافية المتعلقة بالمساس بجسم الإنسان، ما يجعل مسار الاستفادة من بعض التدخلات الطبية أكثر تعقيدا ويحد من انسيابية الولوج إلى العلاج.

أما بخصوص زراعة القرنية، فتسجل في عدد من الدول مرونة أكبر، حيث يسمح للمصحات التي تتوفر على التجهيزات اللازمة بإجراء عمليات الزرع بشكل أوسع، بينما يقتصر الوضع في المغرب على مستشفى واحد ينجز حوالي 500 عملية سنويا، في وقت تقدر فيه الحاجة بحوالي 6000 عملية، وهو ما يبرز فجوة كبيرة بين العرض والطلب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير الإطار القانوني، وتعزيز ثقافة التبرع، وتوسيع القدرات التقنية، بما يتيح تقليص هذا الخصاص وتحسين الولوج إلى العلاج، على غرار تجارب دول أخرى مثل إسبانيا التي تحقق آلاف العمليات سنويا.

هل تعاني زراعة القرنية بالمغرب من تراجع حاد؟

في الثمانينيات كان المغرب يحقق نوعا من الاكتفاء الذاتي في زراعة القرنية، حيث كانت تنجز ما بين 100 و150 عملية سنويا داخل المستشفيات العمومية وبقرنيات مغربية. غير أن الوضع عرف، مع بداية سنة 2000، تراجعا حادا، لينتقل المغرب إلى مرحلة اعتبر فيها من الدول المتأخرة في هذا المجال على مستوى إفريقيا والعالم العربي، بعدما أصبح لا ينجز سوى حوالي 500 عملية سنويا مقابل حاجة تقدر بنحو 6000 حالة. كما يضم البلد مؤسسة واحدة وأخرى أو اثنتين تقوم بهذه الجراحة، في حين أن كل القرنيات المستعملة مستوردة، دون توفر أي مصدر محلي، بل إن زراعة القرنية أصبحت منعدمة داخل المستشفيات الجامعية العمومية.

ويترتب عن هذا الوضع، حسب هذا الطرح، أن نسبة كبيرة من المرضى، قد تصل إلى 90 في المائة، لم تعد تستفيد من هذا الحق العلاجي، ما خلق تأثيرا اقتصاديا واجتماعيا حادا، يمس حتى كرامة المواطن المغربي. كما أن ما بين 4000 و5000 مريض سنويا يضطرون إلى مغادرة المغرب من أجل إجراء عمليات زراعة القرنية بالخارج، رغم توفر الإمكانيات المادية والبشرية والأطر الطبية المؤهلة القادرة، وفق هذا المعطى، على تغطية مائة في المائة من حاجيات هذه الجراحة داخل المغرب.

 دعوتم إلى فرض فحص بصري إلزامي قبل الولوج إلى التعليم الابتدائي، هل تتوفر المنظومة الصحية على الموارد البشرية الكافية لتعميم هذا الإجراء؟

فيما يتعلق بالصحة المدرسية، كان هذا المجال في السبعينيات والثمانينيات في مستوى متقدم، قبل أن يعرف تراجعا لاحقا، ليطرح اليوم من جديد باعتباره مسألة أساسية لا يمكن أن تبقى اختيارية، بل ضرورة إلزامية داخل المنظومة التعليمية، بالنظر إلى دورها في الكشف المبكر عن عدد من الاختلالات الصحية لدى التلاميذ.

ويعاني حوالي 15 في المائة من التلاميذ في المغرب من الهدر المدرسي وصعوبات في التعلم، ترتبط نسبة مهمة منهم بمشاكل في البصر، ما يجعل من فحص النظر عند الولوج إلى المدرسة إجراء ضروريا. ومع وجود ما بين 1200 و1400 طبيب عيون في المغرب، يمكن تنظيم هذا الفحص بشكل ميسر عبر قوافل طبية متنقلة، على اعتبار أن التدخل في سن الخامسة يسمح باسترجاع القدرة البصرية بشكل كامل، في حين أن تجاوز سن السابعة يجعل بعض الحالات غير قابلة للاسترجاع، وهو ما يجعل هذا الإجراء، وفق هذا الطرح، ضرورة وقائية ملحة تمت المطالبة بها لسنوات.