"أمريكا من خارج الصندوق"/2.. مغاربة أمريكا: العائلة الكبيرة

أحمد مدياني

الولايات المتحدة الأمريكية - أحمد مدياني

قبل سنوات، حين كنت تلميذا بالثانوية التأهيلية "العقاد"، التي كانت الوحيدة بمحيط حي "التشارك"، سمعت لأول مرة مصطلح "الغربة" وأنا بقسم جذع مشترك.. لم أسمعه من بعض أصدقاء الدراسة بقصد الإخبار والاكتشاف، بل من أجل الإقناع بخوض التجربة، وكذلك كان.

كيف؟

كانت عبارة "الغربة" رنانة.. مغرية.. لدرجة أنني، ورغم صغر سني، حينئذ، جربت، أكثر من مرة، محاولات الوصول إلى ضفافها، ما كان سيكلفني مرات عدة حياتي.. ما بين حاويات السلع بميناء الدار البيضاء (السبعين وبوسط طارق)، أو تحتها. كان من الممكن أن يحدث لي شيء مأساوي قبل الوصول إليها... عند "الحفرة" أو "الباب الأزرق"... أو بسبب عضات الكلاب التي لم تنضبط لكلمات الحارس أكثر من مرة... كان يتسلم، مقابل صمته وحمايته للمغامرين بحياتهم من أجل الهجرة، علب السجائر من نوع "كازا" و"ماركيز".

مرت سنوات طوال، ثم جاءت فرص كثيرة للوصول إلى أكثر من ضفة ويابسة بأوروبا.. هذه المرة كان السفر بشكل قانوني، بفضل صفتي التي أحمل اليوم وأفتخر بها.

كانت أوروبا حلما... لكن بعد زيارتي الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، تحولت الأولى إلى مجرد حاجة سفر من أجل عمل ومعه الاكتشاف وقليل من الاستمتاع ما استطعت إلى ذلك سبيلا، أما الثانية، فلتعلم اقتراف القتال لأجل النجاح في الحياة أكثر.

من كانوا وراء هذه القناعة؟

هم كثر... أبرزهم شاب ودادي من سلا اسمه مصطفى... وآخرون...هم: سفيان... يوسف... إدريس المكناسي... أمير... هادي وأخته أميمية... سعيد صادق...

كل هؤلاء، وكما ذكرت، غيرهم كثير... يجعلون من يوميات مقامك بأمريكا مختلفا جدا عن مقامك في إحدى دول أوروبا... توجد بعض الاستثناءات القليلة جدا... في القارة العجوز وليس أمريكا...

مساء يوم الاثنين 16 يونيو المنصرم، كنت رفقة مدير نشر جريدة "الأحداث المغربية" مختار لغزوي. اخترنا مكانا يُعبر حرفيا عن الثقافة الأمريكية. جلسنا عند طاولة تحوم حولها جرذان سمينة ألف زوار هذا الفضاء أن تؤنس جلستهم في حضرته.

رن الهاتف... كان المتصل الأخ حمزة الخلطي، أحد أقوى المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي في كل ما يهم نادي الوداد الرياضي.

سألني: "فينك...؟"

أجبته، ثم بعثت إليه إحداثيات المكان حيث أوجد.

ثم أضاف: "معيا مصطفى... يعرفك جيدا... لكن طلب نتشاور معاك قبل ما نجيو عندك بجوج..."

تفاعلت بالقول: "أجي... واش تحتاج تشاور معايا..."

بعد دقائق، دُشنت واحدة من أروع الصداقات التي نسجتها في حياتي منذ ولادتي، ولا أبالغ.

مصطفى، كل مغاربة أمريكا يشبهونه، لكنه يفوقهم بأشياء أخرى... عذرا من الجميع... يملكها هو دون غيره.

مصطفى يحمل الجنسية الأمريكية... يقيم بفيلادلفيا منذ نجاحه في البكالوريا بالمغرب... ومع ذلك لا تختلط لكنته المغربية الدارجة بلازمة "هاذي جوج عام ما جيت للمغرب..."

مصطفى شاب ملم بوطنه... تطوراته... صراعاته... بورصة سياسته... ذكر لمختار لغزوي بحلقات قديمة جدا من برنامج "في قفص الاتهام" حين كان يديره رفقة زميله رضوان الرمضاني.

مع مصطفى كان الاندماج وسط أمريكا بسرعة أسهل مما كنت أتخيل.

مع شاب آخر ابن طنجة، اسمه سفيان، كانت أول وجبة فطور رفقة ابتسام، بطعم مغربي، وسط فيلادلفيا.

بدأ اللقاء بالبحث عن تناول ما ينطلق به الصباح كما يحب، ثم امتد نحو صداقة ولا أروع. سفيان يملك مطعما هناك بأمريكا، نجح وداع صيته، ما مكنه اليوم من قرب افتتاح آخر أكبر.

سفيان كان بطنجة كما يحكي "صفر"... اليوم، هو أرقام كثيرة على اليمين... وأرقام بما لا نهاية في روعة شخصيته...

ومع باقي الأسماء التي ذكرت، كان المقام بأمريكا أروع مما كنت أخطط له، بل مما كنت أحلم.

كل من التقيتهم، مقاتلون، وإن لم يكتسبوا ويكتسبن هذه المهارات بالفطرة، يظهر أن مقامهم بأمريكا، جعلهم وجعلهن يصنعون المستحيل لأجل ليس فقط العيش على نفقات الدولة أو المجتمع، بل انتاج فائض القيمة، بتشريف بلد مسقط رأسهم.

ما أروع مغاربة أمريكا في كل شيء وأي شيء...

من التقيتهم، بتخطيط أو صدفة، مغاربة وطنيون كما يجب. لم أجد أحدا منهم أو منهن تعرض لغسيل دماغ البؤس الموزع بالتساوي على من يتوهمون أنهم يؤثرون.

لا أود الإطالة في البؤس.. أعشق العودة للحكي لأنه يهدم المسلمات الجاهزة أكثر!

بعد آخر مباراة لنادي الوداد الرياضي، بين أحضان مطعم في مدينة ألكسندريا التي تبعد مسافة 15 دقيقة عن العاصمة واشنطن (ديسي) والتابعة لولاية فيرجينيا، كنا في حضرة سهرة بطعم مغربي أصيل.

اسم المكان "ذكريات"... مالكه لبناني... يعشق المغرب... وجل من يشتغلون معه شباب وشابات منا... لن أنسى له أنه قبل إطلاق صافرة بداية السهرة... ذكر كل البلدان... وختمها بهتاف: "عاشت المملكة المغربية... عاشت الصحراء مغربية..."

في تلك الليلة حضرنا جميعا دون أن ننسق في ما بيننا... حضر العلم المغربي فوق أي شيء آخر...

ليلتها، تعرفت على المزيد من المغاربة الذين يقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية... كلهم... يؤكدون لك أنك تنتمي إلى عائلة كبيرة لا حدود لوفائها للوطن ومن يحملون جنسيته.