الارتفاع الصاروخي لأسعار الخضر.. خبير: سببه الوسطاء والتصدير والاضطرابات المناخية

خديجة قدوري

في ظل الارتفاع الملحوظ الذي تعرفه أسعار الخضر في الأسواق المغربية، خاصة الطماطم والبصل والبطاطس، تتعدد التساؤلات حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الوضع، وما إذا كان الأمر مرتبطا بعوامل ظرفية عابرة أم بتحولات أعمق تمس بنية السوق وسلاسل الإنتاج والتوزيع.

بعد رمضان.. ثلاثة عوامل تفسّر غلاء الخضر 

كشف محمد بازة، الخبير الدولي في الموارد المائية، أن ارتفاع أسعار الخضر، خاصة الطماطم والبصل خلال شهر أبريل، يرتبط بتداعيات ما بعد شهر رمضان، الذي يشهد عادة ارتفاعا كبيرا في الطلب وما يرافقه من ضغط على العرض وسلاسل التوزيع.

وأوضح، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن هذا الارتفاع لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، هيكلية وظرفية ودورية، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور رئيسية: الاضطرابات المناخية التي تؤثر على الإنتاج، وهيمنة الوسطاء في سوق الخضر والفواكه في ظل غياب التنظيم وما يترتب عنه من مضاربات، إضافة إلى توجيه جزء من الإنتاج نحو التصدير بما ينعكس على تراجع العرض في السوق المحلية.

اضطرابات المناخ تضغط على عرض الخضر

أشار بازة إلى أن الظروف المناخية لعبت دورا مهما في هذا الارتفاع، موضحا أن المغرب شهد، بعد فترة طويلة من الجفاف، تهاطل أمطار الخير، غير أنها اتسمت بعدم الانتظام، حيث تخللتها موجات برد وأمطار رعدية قوية استمرت من شهر نوفمبر إلى غاية أبريل، وهو ما أثر بشكل مباشر على السير العادي للموسم الفلاحي.

وأبرز بازة أن هذه الوضعية تسببت في تأخر عمليات الحصاد في عدد من المناطق، ما أدى إلى انخفاض الكميات المعروضة في الأسواق، كما أن استمرار التساقطات لفترة طويلة جعل التربة ثقيلة ومشبعة بالوحل، وهو ما عرقل عمليات الزرع أو أعاقها في بعض الحالات، سواء تعلق الأمر بمحاصيل الطماطم أو البطاطس، مما انعكس لاحقا على وفرة الإنتاج وتراجع العرض في السوق.

الوسطاء وذروة الاستهلاك يعمّقان الأزمة

وبالنسبة للوسطاء، أبرز الخبير ذاته في معرض حديثه، أن سوق الخضر والفواكه في المغرب غير منظم ويعرف مستويات مهمة من المضاربة، نتيجة الدور المفرط للوسطاء وتعددهم داخل سلسلة التسويق، التي قد تمر عبر أربعة أو خمسة وقد تصل إلى ستة أو سبعة وسطاء، وكل واحد منهم يضيف هامش ربح على الكيلوغرام، لينعكس ذلك في النهاية على ارتفاع السعر النهائي، حيث يكون المتضرر الأساسي هو المنتج والمستهلك، وهو ما يشكل أحد أبرز العوامل المساهمة في ارتفاع الأسعار.

وأفاد بازة أن شهر رمضان شهد ارتفاعا في الطلب من طرف المستهلكين، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار آنذاك واستهلاك كميات كبيرة من المخزون المتوفر من المحاصيل، خاصة البطاطس والطماطم والبصل، وهو ما ساهم في ارتفاع الأثمان، في وقت لم تتمكن فيه الكميات المنتجة من تعويض هذا النقص في العرض داخل السوق.

الوقود والتصدير يرفعان أسعار الخضر

ولفت بازة الانتباه إلى عامل آخر يتمثل في تكاليف النقل والمدخلات الفلاحية، موضحا أن القطاع الفلاحي يعتمد بشكل كبير على النقل والآليات، بما في ذلك استعمال الديزل لتشغيل الجرارات والمعدات المختلفة. وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود، خاصة منذ منتصف شهر مارس في ظل التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ساهم في زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس في النهاية على ارتفاع السعر النهائي الذي يصل إلى المستهلك.

وفي السياق ذاته، قال بازة إن النقطة المتعلقة بالتصدير تعد بدورها عاملا مؤثرا، مفسرا أن هناك طلبا قويا في الأسواق الخارجية، خاصة على الطماطم، لاسيما من أوروبا، حيث يفضل منتجو الطماطم في المغرب التوجه نحو التصدير بالنظر إلى الأسعار المحفزة مقارنة بالسوق الداخلية. وأضاف أن تصدير كميات مهمة من الطماطم، خصوصا نحو أوروبا ودول أخرى مثل إنجلترا، يساهم في تقليص العرض داخل السوق الوطنية، وهو ما ينعكس على الأسعار ويدفعها إلى الارتفاع.

أزمة البصل: تصدير وعرض محدود يرفعان الأسعار

وفي سياق متصل، كشف أن هناك، بالنسبة للبصل، إشكالين أساسيين يجب الانتباه إليهما، موضحا أن الإشكال الأول يرتبط بالتصدير، حيث يتم جني البصل عادة خلال شهري غشت وشتنبر، غير أنه خلال فترة الخريف وبداية السنة، خاصة في شهر يناير، يتم توجيه كميات منه نحو التصدير إلى عدد من الدول، خصوصا في غرب إفريقيا.

وأضاف أن هذا التصدير لا يقوم به الفلاحون مباشرة، بل يتم عبر وسطاء يقومون باقتناء البصل وإعادة تصديره نحو أسواق مثل السنغال وموريتانيا وغيرها، وهو ما يؤدي إلى تقليص الكميات المتاحة في السوق الوطنية، وبالتالي انخفاض العرض مقابل ارتفاع الطلب، الأمر الذي ينعكس في الأخير على ارتفاع الأسعار.

واستطرد قائلا إن الإشكال الثاني المرتبط بالبصل يتمثل في البصل اليابس من الموسم السابق، موضحا أنه يصعب الاحتفاظ به خلال هذه الفترة، إذ يبدأ مع حلول شهري فبراير ومارس في إطلاق النبتة، مما يجعل تخزينه إلى غاية شهر أبريل أمرا صعبا جدا. مضيفا أن هذا الوضع يدفع إلى الاعتماد على بصل الموسم الحالي الذي لا يزال ورقه أخضر، في انتظار نضجه وجاهزيته للجني خلال فصل الصيف، ما بين شهري يونيو ويوليوز وغشت.

وخلص إلى أن العرض الحالي من المنتجات المعنية، سواء الطماطم أو البصل أو البطاطس، يبقى أقل من الطلب، نتيجة تأخر الموسم وعدم تمكن الفلاحين من غرس بعض المحاصيل، خاصة البطاطس، في توقيتها المعتاد خلال شهري دجنبر ويناير وما قبلهما، وهو ما أدى إلى نقص في الكميات المتاحة حاليا. مؤكدا أن هذا الخلل بين العرض والطلب، إلى جانب العوامل الأخرى المذكورة، يساهم في ارتفاع الأسعار ويزيد من الضغط على القدرة الشرائية، خاصة لدى الفئات الضعيفة والمتوسطة.