انطلق الدكتور عبد الله مطيع، أستاذ التربية الفنية والجمالية بكلية علوم التربية بالرباط، في تشخيصه لـ"رهانات التربية والثقافة من أجل مغرب الغد"، من فرضية وصفها بأنها قد "تظهر للبعض أن فيها شيئا من السخرية (أو المزاح)"، لكنها تحمل في جوفها عددا من المعاني العميقة، وهي مقولة الشاعر والفيلسوف الألماني فريدريش شيلر: "أن المشكل السياسي هو مشكل جمالي".
وخلال مداخلته في لقاء فكري حول "المغرب الصاعد وسؤال تغيير العقليات"، من تنظيم منظمة المرأة الاستقلالية، عقد الأربعاء المنصرم، بالمقر المركزي لحزب الاستقلال، أعلن مطيع اتفاقه الصريح مع هذه الفرضية، مؤكدا أن المشكل الذي يعيشه العالم حاليا، والمغرب جزء منه، هو "مشكل جمالي" بامتياز.
وأوضح المتحدث ذاته، أنه إذا اعتبرنا أن السياسة هي "تدبير عيش مشترك"، فإن حل هذا التدبير يكمن في "التربية الجمالية للإنسان".
وفي هذا السياق، أكد منسق مسلك الإجازة في التربية تخصص فلسفة بكلية علوم التربية، أننا نعيش حاليا "تغيرا دراماتيكيا" لا نملك إلا خيار "مواكبته".
وقارن مطيع هذا التحول بـ "حدث الكتابة" الذي جلب معه "الزواج بالورق، والقراءة بالورق، والامتحانات والكتابة".
واستطرد الأستاذ بماستر التربية الجمالية قائلا أن الحدث الأهم الذي لم نستوعبه بعد فهو "الحدث الرقمي".
وشدد على أن هذا الحدث غير بنيات ذهنية كبيرة، مما خلق مشكلا في "عملية الإدراك" ذاتها، قبل أن نتمكن من بناء حكم حول هذا الواقع.
وأشار مطيع إلى أنه ليس كارها للرقمي، وقال "لدي هاتف متصل بالأنترنت، وأريد أن أكون جزءا من هذا العالم"، لكنه شدد على ضرورة فهم كيف "يفعل فينا".
ولتفكيك هذا التأثير، حدد الدكتور مطيع ثلاثة عناصر أساسية تشكل بشكل موضوعي الذهنية الجديدة للثقافة الرقمية.
تتمثل السمة الأولى، وفق تعبيره، في "ثقافة ما بعد الإنتاج" (Post-Production)، وهي كلمة مأخوذة من السينما، ومعناها أن كل ما نتلقاه الآن عبر الوسائط الرقمية هو محتوى "معدل" ويخضع للتعديلات والمونتاج، وبالتالي، فإن ما نتلقاه "ليس ثقافة خام".
أما السمة الثانية، فحددها في "التخصيص والتحكم" (Personnalisation et Contrôle)، حيث أشار مطيع إلى أن اختيارات الفرد وتفضيلاته تخضع لتحليل البيانات، (Big Data)، وهذه البيانات "تتعلم من أنا"، وبالتالي يتم التحكم في المحتويات التي تصل إليه.
واعتبر أن هذا التحكم هو الذي يشكل البنية الذهنية، فمثلا قائمة الأغاني على منصة "يوتيوب" هي التي تقول "من هو عبد الله مطيع".
في حين يكمن العنصر الثالث في "الإفراط في التأويل والمجاورة والانتماء"، وهي ثقافة تمنح الفرد "الحق في إبداء الرأي والحكم دون أن أتعلم".
وأوضح أنه يمكن لأي شخص أن يدخل و"يكتب عن أي موضوع، ولو لم يكن يعرف عنه شيئا" لأنه "لا يخسر شيئا".
وحذر من أن هذا الواقع يولد مجموعة من الذهنيات الخطيرة، منها "ذهنية السرعة"، و"ذهنية الاختصار" التي تدفع نحو معرفة المعلومة فورا وماهيتها، و"ذهنية التفاعل الآني"، وذهنية "الانغماس في التجربة الحسية".
وفي هذا الإطار، دعا الدكتور عبد الله مطيع إلى ضرورة التحول في تصورنا للتربية، بالانتقال من التربية بما هي مجرد "تعليم" ينتهي بامتحان المتعلم على مجموعة من المعلومات، إلى التربية بما هي "نقل للثقافة".
وأوضح أن نقل الثقافة يعني تعليم "جوهر الأشياء"، ولهذا يجب تجاوز المحاسبة على الرياضيات والفيزياء فقط، والاهتمام بدلا من ذلك ببناء الإنسان عبر محاور ثقافية عملية تشمل "الثقافة العلمية"، مع الاهتمام بتدريسها "بشكل أكبر في المختبرات"، و"الثقافة الفنية"، و"الثقافة الرياضية" التي يجب أن تهدف لأن يعيش المتعلم "تجربة وأخلاقيات الممارسة الرياضية" قبل أن "يتجه لتخريب الملاعب".
وأكد الدكتور مطيع أن بناء الإنسان يتم بالتربية الثقافية، على أساس أن الثقافة ليست جزيرة منعزلة تقتصر على "قاعات المسرح أو ما شابهها"، بل يجب تعليم جوهرها في كل ممارسة.
ولتفعيل هذا التغيير ومواكبة الحدث الرقمي، حدد الدكتور مطيع ثلاثة رهانات أساسية، يتمثل الرهان الأول في تطوير الحس النقدي، وذلك عبر تفعيل المختبرات في المدارس ليتعلم التلميذ كيف يتم "مونطاج" الفيديو (تحرير الفيديو) وكيف تتشكل المعلومة، وهو ما يقوي "التأويل الواعي للمحتوى".
أما الرهان الثاني، فيتعلق بضرورة صمود المدرسة كمؤسسة وانخراطها في التغيير، وأكد مطيع أن المدرسة، التي جاءت مع حدث الكتابة، "يجب عليها أن تنخرط في هذا التغيير" لكي تصمد.
ويتم ذلك، حسب رأيه، بتحويل الأنشطة التي كانت تعتبر "موازية" – مثل المسرح المدرسي، والصحافة المدرسية، والمحاكاة التفاعلية – لتصبح "جزءا من الحياة المدرسية".
ويقوم الرهان الثالث والأخير على الاستثمار في الإنسان القادر على إنتاج المعنى، مشترطا أن يكون هذا الاستثمار في "إنسان متصالح مع جذوره".
وحذر مطيع من إنتاج "إنسان فقاعي ينتج في الفقاعة"، مؤكدا أن المطلوب هو إنسان قادر على "إنتاج المعنى"، وليس مجرد مستهلك.
وأشار إلى أن استهلاك "الطوندونس" (الترند) يفرغ المعنى، وأن ما كان هامشيا، أصبح الآن هو الأساس.
وأكد الدكتور على أن الرهان الأكبر هو الانتقال بـ "المتعلم الرقمي" ليصبح "المواطن الرقمي" الذي سيقود مسار التغيير في المستقبل.