انطلق الموسم الدراسي لسنة 2025-2026، في ظل هواجس أسرية تتوزع بين ارتفاع أسعار الكتب المدرسية وتحديات الدخول المدرسي التي بات من الصعب حصرها، لتجسد عند فعاليات نقابية "فشلا جديدا" للحكومة في إدارة المنظومة التعليمية.
غياب إرادة سياسية
في هذا الصدد، قال ادريس قصوري، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إن الدخول المدرسي يكون كل سنة، وهو ليس مسألة عرضية كي يشكل استثناء يكون قابلا للدراسة، حيث أصبح يشكل، كل سنة، منظومة مستقرة من الضغوط على الآباء وعلى الأسر .
وأفاد قصوري أن المغرب لا يتوفر على رؤية للتعليم الاستراتيجي منبثقة من تصور لمشروع مجتمع حضاري حداثي، ويشكل فيه البحث العلمي قاطرة النمو والتنمية والعلم والمعرفة مما يشكل استقلالية للبلد في منظومة التعلم الذاتي، وقد يعطيه قوة في العالم الخارجي، على غرار مجموعة من البلدان التي كانت صغيرة في مراحل التاريخ وأصبحت رائدة في التعليم وفي مجالات كثيرة، ونموذج سنغافورة يظل واضحا.
وأوضح أن غياب المشروع ناتج عن غياب إرادة سياسية لتحديث العقل والفكر المغربي ولتطوير وعي الإنسان المغربي، بشكل يواكب التطورات العصرية، فكريا وماديا وتقنيا كذلك، مما يحقق الاستقلالية والتنمية المستدامة وربما يعطي فائض إنتاج لترويج البضاعة أو الخبرة والتجربة للتميز نحو دول أخرى، وهذا ممكن.
وأورد قصوري أن تكلفة المعرفة بالحقوق والواجبات والقانون من شأنها أن تؤدي إلى زخم في المطالب، وربما وعي كبير بالإشكالات المطروحة في تسيير البلد والدولة وفي منظومة تدبير السياسة، وبالتالي سيطرح إشكالات كبيرة للدولة، بمعنى أن المصلحة العليا للدولة والنظام لا تلائم رفع مستوى منسوب الوعي الذي يؤدي إلى رفع منسوب الحرية وتكون تكلفته، حسب تقدير المسؤولين، خطيرة وتشكل تحديا كبيرا للنظام.
تعليمات البنك الدولي
في هذا الإطار، قال قصوري إن هناك توصيات وتعليمات البنك الدولي الذي يعمل على ألا يكون هناك تعليم جيد في مجموعة من الدول، ونوع من التعليم الذي تريده الرأسمالية هو الذي دعم هذه الأخيرة، فعوض استثمار الدولة في التعليم، على الأخير أن يدر الأموال والأرباح على الرأسماليين من التعليم الخاص، ولهذا كانت جميع الإصلاحات تعمل على تفكيك منظومة الوظيفة العمومية ومنظومة التعليم وتوسيع دائرة التعليم الخاص على حساب التعليم العمومي، ورسمت أهدافا بأرقام ومؤشرات تفوق 20 في المائة منذ مدة خاصة بأن ينهض بها التعليم الخاص.
وأورد أن الدولة ملزمة بتنفيذ تعليمات البنك الدولي وتقديم أرقام معينة له لأنها تأخذ القروض باسم الإصلاحات ووفق شروط معينة، لهذا يجتهد لوبي التعليم الخاص، ويستفيد من هذه المعطيات التي يعرفها جيدا ويساهم فيها فلا أحد يسائل التعليم الخاص. مضيفا أن قروض البنك الدولي التي تعطى للمغرب تجعل التعليم يعيش في وضع غامض ورمادي، يسير نحو الأسود وكأننا لسنا بحاجة له، فقط نجعله ملهاة على أساس أنه مؤسسة شكلية.
وأعرب عن قلقه، قائلا إنه لا يعقل أن أكثر من 17 محاولة إصلاح للتعليم في المغرب على مدى 60 أو 70 سنة لم ينجح منها ولو برنامج واحد في تحقيق جميع أهدافه، إذا الإشكال سياسي بامتياز.
وأضاف، مستفسرا، لماذا ننجح في ظرف 13 شهرا في بناء معلمة رياضية في الرباط، ببنية تحتية صلبة قوية وحداثية ومعاصرة ولا ننجح في رفع تحديات ورهان التعليم.
وتابع قصوري، أن هذا هو الإطار العام الذي يجعلنا نعيش كل سنة في الدخول المدرسي قلقا وضغطا ماديا وضغطا في المساطر وفي التوجيهات والتعليمات والقرارات والقوانين والمذكرات، وضغطا في التكوين والتدريب من مدرسة النجاح إلى مدرسة الريادة، وكل مرة نأتي بشعارات جوفاء.
منطق التجارة في التعليم
في هذا الإطار، أشار قصوري إلى المراجعة السيئة للكتب وطبعها بطريقة رديئة، كما أنها لا تخضع لمنطق المدرسة العمومية، وإنما تخضع لمنطق التجارة و"لوبيات"، تتكلف بالكتب وأخرى بالأدوات المدرسية، وحتى في التعليم الخاص حيث وجدت أسر وجدت نفسها مجبرة على هذا الخيار. مشيرا إلى أن لوازم التسجيل باهظة جدا فوق طاقات المغاربة، والأتعاب الشهرية مكلفة أيضا.
ولفت الانتباه إلى أنه لا يتم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وحتى إن وضع يظل محاطا بالتعليمات والتوجيهات ومجبرا على تنفيذها. هذه التوجيهات العشوائية الطائشة العرضية والمؤثرة تبقى دون تقييم ودون تشخيص ودون إيجاد بدائل وحلول نظرا لغياب التصور وغياب الإرادة كما ذكرنا، وهذا ما يدفع إلى فتح التعليم العمومي أبوابه نحو تفريغه في التعليم الخاص الذي يشتغل بحرية وبإرادة ودون رقيب ودون مراقب ودون تقنين ودون ضوابط، علمية أومعرفية أوأخلاقية.
التعليم كأزمة تاريخية
في هذا الصدد، قال قصوري، إن أزمة التعليم تاريخية ومقصودة ومستمرة كذلك وشاملة وتتطلب علاجا جذريا إذا ما أردنا التخلص من الضغط والقلق الموجودين، إذا المسألة أكبر من الأسرة لأن التنظيم والدعم مسألة ثانوية لا تؤثر في المنظومة، الدعم الأسري يكون دائما لفئة محدودة سواء المحتاجة أو المتدنية أو ذات الدعم.
وذكر المتحدث ذاته، أنه "لو كانت هناك إرادة لإصلاح حقيقي لتعليم فعال وذي كفاية بشكل شامل ومتكامل ستكون النتيجة إيجابية، أما المسؤولون عن التعليم فيتم تعيين الضعفاء غير الأكفاء في المناصب، ويتم تعيين من يستجيبون للتعليمات فقط، وهم أصحاب المظاهر الشكلية وليس أصحاب التكوين الرصين العميق".
وأشار قصوري، إلى أنه "في تعليمنا هناك غبن مضاعف وطبقية، إن كان الخطاب الملكي تحدث عن أن المغرب يسير بسرعتين فهذا أقل ما يمكن أن يقال ولكن هناك مغرب واقف متصلب في مكانه لا يتحرك، وهناك مغرب يسير بسرعة البرق، وهذا يدخل ضمن إعادة الإنتاج لما هو تقليدي وما هو متخلف.. من يملك الأموال بطرق معينة هو الذي تكون له إمكانيات التدريس في الداخل والخارج والعودة لأخذ المناصب والمسؤولية وإعادة الإنتاج".
المسافة بين المدن والقرى في التعليم
وفي ما يتعلق بالمسافة بين المدن والقرى في التعليم، أفاد قصوري بأنها كبيرة جدا، "فالمشكل في المساطر وفي طريقة التدريس وتنويع طريقة التدريس من الحضوري والرقمي حسب الظروف، هذه مستجدات جاءت بها الظروف الحالية، فمساطر التسجيل الحضوري الرقمي مسألة مؤشرات أو عناصر تقتحم المنظومة وتطرح فيها في إطارها الشكلي من أجل التكيف حسب ظروف معينة وفي لحظات".
واستطرد قائلا: "عند توفرنا على مؤشرات فذلك يعني أنه لدينا سياسة لتدبير الأمور، حتى وإن كانت هذه المؤشرات ضعيفة فهذا ليس إشكالا، ولكن حينما تنعدم المؤشرات ويتم فقط إقحام عناصر معينة في منظومة معينة لظروف معينة ودون استراتيجية معينة هنا الإشكال الحقيقي".
وخلص قصوري إلى القول إن "الحديث عن تكافؤ الفرص بين المدن والقرى من خلال مساطر التسجيل، سواء الحضوري أو الرقمي، لا أرى لها أي معنى، التكافؤ بينهما هو عطب ومأزق تاريخي، دائما القرى مهضومة ومهملة وليست لها أي علاقة بالمدينة، والفجوة بينهما كبيرة ولا يمكن تداركها، وحتى وإن حولنا الاهتمام إلى القرى لمدة 50 أو ستين سنة، وهناك غبن بين المدن أيضا".