في سياق الجدل السياسي الدائر حول الإصلاحات الانتخابية المقبلة، تضمنت المذكرة الانتخابية لحزب الاستقلال جملة من المقترحات التي تهم الاستقرار التشريعي، وتخليق الحياة السياسية، وضبط استعمال المال والإشهار في الفضاء الرقمي، إلى جانب تعزيز تمثيلية النساء والشباب والمغاربة المقيمين في الخارج.
وفي هذا السياق، أجرى "تيليكل عربي" حوارا مع عبد الجبار الراشدي، رئيس المجلس الوطني لحزب الاستقلال وكاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، كشف فيه عن أبرز مضامين هذه المذكرة، مؤكدا أنه لا مكان للمفدسين في الحياة السياسية.
كما شدد الراشدي على أن الاستعمال غير المشروع للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في الحملات الانتخابية يشكل تهديدا مباشرا للتنافس الحر، ويستوجب وضع ضوابط وميثاق أخلاقي صارم.
ما هي الرؤية العامة التي انطلق منها حزب الاستقلال في مذكرته الانتخابية؟
نحن ننطلق من قناعة أساسية مفادها أن استقرار المنظومة الانتخابية شرط أساسي لترسيخ الثقة في العملية السياسية، فالمغرب راكم تجربة طويلة، ومن الخطأ أن يتم تغيير كل القوانين مع كل استحقاق انتخابي، نحن مع إصلاحات تبنى على المكتسبات وتحسن المقتضيات القانونية القائمة، بما يضمن الشفافية ويقوي المسار الديمقراطي، فلسفتنا واضحة وهي الاعتماد على التراكم بدل التغيير الشامل.
ما هي أبرز مقترحات الحزب بخصوص تخليق الحياة السياسية؟
أبرزنا في مذكرتنا أن تخليق الحياة السياسية مدخل أساسي لإعادة ثقة المواطن في المؤسسات، لذلك تقدمنا بمقترحات عملية، أبرزها الميثاق الأخلاقي الذي نادينا به منذ سنوات. هذا الميثاق يجب أن يترجم إلى التزام فعلي، خاصة بعد أن أصبح اليوم مطلبا لجميع الأحزاب. غير أن جوهر الأمر هو إبرام هذا الميثاق الذي يتم بموجبه التزام الأحزاب بمنع تزكية أو ترشيح أشخاص لديهم قضايا رائجة أمام المحاكم تهم ملفات فساد، لاسيما في ما يتعلق بتدبير المال العام، هذه مسؤولية جماعية، فلا مكان للمفسدين في الحياة السياسية التي تبنى على النزاهة والشفافية وخدمة الصالح العام.
هناك دعوات إلى التصدي للاستعمال السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي خلال الاستحقاقات الانتخابية، كيف ترون هذا الموضوع؟
نحن واعون بمخاطر هذا المجال، هناك من يلجأ إلى شراء الحسابات الوهمية من الخارج، أو التلاعب بالخوارزميات، أو استعمال الذكاء الاصطناعي لمهاجمة مرشحين وأحزاب وتشويه صورتهم.
هذه ممارسات تضرب في الصميم التنافس الحر، وتشكل خطرا على نزاهة الاستحقاقات، نحن نطالب بميثاق أخلاقي بين الأحزاب واضح ينظم استعمال هذه الوسائل في الحملات الانتخابية، نحن كحزب قدمنا مرافعة في هذا المجال، بحيث دعونا إلى أن تظل منصات التواصل الاجتماعي فضاء للتنافس النزيه واحترام البرامج والآراء، لا مجالا للتضليل والابتزاز السياسي، هذه رسالة موجهة إلى كل الفاعلين لا يمكن أن نقبل أن تستخدم التكنولوجيا في الاستعمالات غير المشروعة والمدلسة والتي تضرب في الصميم التنافس الحر.
ما تصوركم لرفع تمثيلية النساء والشباب والمغاربة المقيمين بالخارج في الانتخابات؟
نحن مع الانفتاح على كل الطاقات والكفاءات، لذلك اقترحنا تخصيص دوائر محلية لفائدة النساء، وأخرى للشباب، وأخرى لمغاربة العالم، لكننا ضد تحويل انتخابات مجلس النواب إلى "تفييء" فئوي يفرغها من طابعها العام، بخلاف مجلس المستشارين الذي له طبيعة فئوية بحكم طبيعته، فالمطلوب أن تنفتح الدوائر المحلية على هذه الفئات حتى تعطى فرص الترشيح والمشاركة، لكن في إطار طابع وطني جامع، بهذه الطريقة نرفع نسب تمثيلية النساء والشباب والمغاربة المقيمين في الخارج.
وماذا عن علاقة الإعلام العمومي بالأحزاب السياسية؟
نحن ندعو إلى إعادة صياغة هذه العلاقة على أسس الانفتاح والتعددية، فالإعلام العمومي يجب أن يكون فضاء للنقاش السياسي الحقيقي من خلال مناظرات بين الأحزاب، وتقديم حصيلة البرامج والأحزاب السياسية وانتقادها والتعليق عليها، وأيضا نقاشات حول القضايا الكبرى حتى لا يترك المجال فارغا ويتم التصدي لخطاب الشعبوية على وسائل التواصل الاجتماعي.
لقد أظهرت التجارب الديمقراطية المتقدمة أن النقاش السياسي في الإعلام العمومي يعطي للحياة السياسية جاذبية ومصداقية، نريد إعلاما مواكبا للشأن العام، ويفتح المجال من الآن للأحزاب السياسية سواء كانت في الأغلبية أو المعارضة.
دعوتم إلى تسقيف الإشهار الانتخابي خاصة الرقمي منه، ما خلفيات ذلك؟
نعم، لا يمكن أن نسمح لحزب يملك إمكانيات مالية ضخمة أن يحتكر الفضاء الإشهاري، فالمطلوب أن يكون هذا الفضاء متاحا للجميع، ويعكس التعددية السياسية لأن الاحتكار خطر على الديمقراطية، لذلك نطالب بتسقيف الإنفاق في مجال الإشهار الرقمي، سواء في الإعلام الإلكتروني أو عبر وسائل التواصل الاجتماع، وهذا يضمن تكافؤ الفرص ويمنع تحويل المال إلى أداة للهيمنة السياسية.
خلال الانتخابات السابقة، تشير إحصائيات إدارة فيسبوك إلى أنكم جئتم في المرتبة الثانية بعد حزب التجمع الوطني للأحرار من حيث الإنفاق على المنشورات الدعائية عبر فيسبوك وإنستغرام، حيث خصص الأحرار 270 ألف دولار مقابل 29 ألف دولار لحزب الاستقلال. كيف تقيمون هذه الأرقام؟
نحن لا نقيس قوتنا فقط بالرتب، حزب الاستقلال لديه إمكانيات مادية متواضعة، لكنه يمتلك رصيدا سياسيا كبيرا وانتشارا ترابيا ومناضلين في جميع الجماعات، هذه قوة حقيقية لا تشترى، ولسنا مضطرين لشراء "اللايكات" أو الإنفاق المبالغ فيه على الحملات الرقمية، لقد كنا ندعم بعض المحتويات والمواد المنشورة، حتى لو صحت الأرقام التي تتحدث عن إنفاق 29 ألف دولار في ستة أشهر، فإن ما يهمنا هو مبدأ لا احتكار ولا هيمنة، بل تنافس نزيه على أساس البرامج والاقتراحات.
ما مقترحاتكم لتيسير مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة خلال الاستحقاقات المقبلة؟
نحن نولي هذا الموضوع أهمية خاصة، اقترحنا اعتماد لغة الإشارة في جميع الوصلات الرسمية للانتخابات، وإضافة فرع جديد في القانون التنظيمي لمجلس النواب بعنوان "مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة"، كما اقترحنا إضافة مادة جديدة تجيز للناخبين في وضعية إعاقة الاستعانة بمرافق أثناء التصويت، بشرط أن يكونوا قادرين على الاختيار الحر، كما طالبنا بتجهيز مكاتب التصويت بالولوجيات الضرورية، ومنح دعم مالي إضافي للأحزاب التي تقدم مرشحين من ذوي الإعاقة، هذه ليست فقط إجراءات تقنية، بل رسالة تؤكد أن الديمقراطية لا تكتمل إلا بمشاركة كل المواطنات والمواطنين دون استثناء.
ما موقفكم من القاسم الانتخابي، الذي تم تغييره خلال الانتخابات السابقة، حيث أصبح توزيع المقاعد يتم على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بدل عدد المصوتين؟
لم ندع إلى تغيير في القاسم الانتخابي الحالي، فكما قلت سابقا انطلقنا من مبدأ استقرار المنظومة الانتخابية.
لكن القاسم الانتخابي الحالي يستند في احتسابه إلى اللوائح الانتخابية، وهي نفسها محل انتقادات واسعة من مختلف الأحزاب السياسية، بحكم ما تعرفه من اختلالات.
نحن أيضا مع مراجعة شاملة للوائح الانتخابية، بما يضمن تحيينها عبر التشطيب على المكررين والمتوفين، وكذا على من غيروا أماكن سكنهم بسبب حركة الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن، أو نتيجة عمليات إعادة إسكان القاطنين بدور الصفيح خاصة في عدد من المدن الكبرى مثل الدار البيضاء وسلا، وفي هذا الإطار، نقترح نقل القيد تلقائيا إلى النفوذ الترابي الجديد الذي يقطن فيه السكان المعنيون، مع وجوب إخبارهم بذلك بشتى وسائل التبليغ.
هل أنتم مع التسجيل التلقائي للناخبين؟
نرفض هذا الطرح، لأن التسجيل في اللوائح الانتخابية حق دستوري وسياسي، وهو في الآن نفسه تعبير عن إرادة حرة، لا يمكن أن نجعل التسجيل آليا، لأن ذلك يتعارض مع مقتضيات الدستور ومع الاتفاقيات الدولية.
نحن مع حرية المواطن في أن يقرر بإرادته أن يكون ناخبا، باعتبار أن المشاركة فعل اختياري يعكس الوعي والمسؤولية.
ماذا كانت مقترحاتكم بخصوص الدعم العمومي؟
الدعم الحالي لا يكفي، لأن الأحزاب تتحمل مسؤولية دستورية في تأطير المواطنين، وهي مسؤولية كبرى تتطلب إمكانيات أوسع، لذلك اقترحنا الرفع من قيمة الدعم العمومي مع تعزيز الشفافية في طرق صرفه، على أن يؤخذ بعين الاعتبار واقع العالم القروي حيث يصعب أحيانا تبرير المصاريف بالفواتير بالشكل المعتاد.
نحن حزب ولسنا شركة، ونشتغل في ظروف عملية تستوجب معالجة خاصة، ومن هذا المنطلق دعونا إلى مراجعة شاملة لمنظومة الدعم في اتجاه الرفع من قيمتها، مع اقتراح رفع سقف التبرعات التي يمكن أن يتلقاها الحزب من 600 ألف درهم إلى 800 ألف درهم.