بدعة "السانديك" !

تيل كيل عربي

بقلم: يوسف معضور‎

اعترف أنني كلما حضرتُ اجتماعا للسانديك، أو سمعت نقاشا حول تدهور أوضاع الاقامات السكنية، أخرج بفكرة وحيدة، نحن لا نعاني من أزمة مالية، أكثر ما نعاني من أزمة وعي وانتقائية في فهم الواجبات!

مشكلتنا ليست في قيمة المساهمة الشهرية الواجبة علينا في إطار السكن المشترك الذي يحدده القانون الخاص به، بل في الطريقة التي نحدد بها ما نعتبره “واجبًا مقدسا” وما نراه تفصيلا قابلا للتجاهل والتناسي!

في العمارات والإقامات السكنية، نطالب جميعا بخدمات جيدة، بالنظافة اليومية لمرافق العمارة، بمصعد كهربائي يشتغل وبصيانته الشهرية المستمرة، وبالأمن، ونغضب حين تختفي كل هذه الخدمات، لننتقد مباشرة السانديك، بل ونشكك في نواياه أحيانا.

لكن حين يحين وقت أداء الواجب الشهري، يختفي هذا الغضب فجأة، ويحل محله صمت مريب، أو تبريرات جاهزة، وتهرب من أداء مبلغ يدخل في خانة الواجبات كأي خدمة مؤدى عنها !

ما يثير الاستغراب، ويدعو إلى القلق، هو أن هذا السلوك يصدر في أحايين كثيرة عن أشخاص يحرصون بدقة شديدة على أداء واجبات يعتبرونها دينية لا تحتمل الاغفال عنها أو تعطيلها، يؤدون الشعائر والفرائض الدينية في وقتها، مثلا يحرصون الأشد الحرص على شراء أضحية العيد بموصفاتها الكاملة وقد يتنقلون إلى مدن أخرى تبعد بمئات الكيلومترات لاقتنائها وما يرافقها من طقوس، ويتحدثون كثيرًا عن القيم والأخلاق وأداء الفرائض والواجبات الدينية، لكنهم لا يرون أي تناقض في التهاون بحقوق الجيران المشتركة أو في الإخلال بالتزامات جماعية واضحة!

هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح، هل يمكن أن يكون الالتزام انتقائيا؟ وهل القيم تُجزّأ حسب ما يريحنا؟

من وجهة نظري، الدين وأي دين كيفما كان، لا ينفصل عن المعاملة والسلوك، وحتى رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام قال في حديثه المعروف "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وكان حرصه الشديد على السلوك والاخلاق، وكذلك احترام العهد، وأداء الأمانة، وعدم الإضرار بالغير، هذه كلها ليست تفاصيل ثانوية، بل جوهر القيم التي نتغنى بها كمسلمين!

حين نختزل الالتزام في الطقوس، ونُقصي الواجبات اليومية البسيطة، فإننا نكون قد افرغنا الخطاب الأخلاقي من معناه الحقيقي.

الامتناع عن أداء واجب السانديك في الكثير من الاقامات السكنية ليس موقفا فرديا بريئا، بل سلوك جماعي مدمر، هو قرار ينعكس على الجميع، ويحوّل الملكية المشتركة إلى فضاء مهمل، تسوده الفوضى، ثم نعود ونتساءل بعد ذلك عن سبب تدهور المستوى. و‎الأسوأ أن هذا الامتناع غالبا ما يُقدم وكأنه شكل من أشكال الاحتجاج، بينما هو في الواقع شكل من أشكال الهروب من المسؤولية.

شخصيا، لا أرى في واجب السانديك عبئا ماليا لأن المبلغ يحدد حسب نوعية السكن والمستوى الاجتماعي للساكنة، وأداؤه يبقى مثل أداء مصاريف الانترنيت و الماء والكهرباء، وأرى في الامر، تمرينا بسيطا على المواطنة وحسن الجوار بعيدا عن الانانية والاستغلال، واختبارا صغيرا لقدرتنا على احترام القوانين والمساهمة في الصالح العام، حتى عندما لا يكون هناك رقيب مباشر.

في النهاية، المشكلة ليست في السانديك، ولا في القانون، ولا حتى في قيمة الواجب الشهري. المشكلة في ذهنية ترفض الالتزام حين لا يكون مرتبطا بثواب فوري أو ضغط اجتماعي، وربما آن الأوان لنطرح السؤال الحقيقي، هل نؤدي الواجبات لأننا نؤمن بها… أم فقط لأننا اعتدنا عليها!