تقرير: حرية الصحافة تتراجع والقانون يستخدم لتقييدها أكثر من أي وقت مضى

خديجة قدوري

 كشفت منظمة مراسلون بلا حدود، في تصنيف حرية الصحافة لعام 2026، عن تراجع حاد يضع أكثر من نصف دول العالم في خانة "الصعب" أو "الخطير للغاية"، في إشارة إلى مرحلة حرجة تعيشها الصحافة عالميا.

تآكل حرية الصحافة عالميا.. القانون يتحول إلى أداة للتقييد والصمت

فمنذ عام 2001، تقوض الحق في الوصول إلى المعلومات بشكل تدريجي، حتى في بعض أعتى الديمقراطيات، وذلك تحت وطأة اتساع ترسانة تشريعية آخذة في التقييد وتشديد الخناق، ولا سيما في ظل تنامي سياسات الأمن القومي، علما أن التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود أشار إلى أن المؤشر القانوني تراجع أكثر من غيره هذا العام، بما يعكس اتجاها متزايدا نحو تجريم العمل الصحفي.

هذا وقد شهدت منطقة الأمريكتين تقلبات ملحوظة، حيث فقدت الولايات المتحدة سبعة مراتب بينما تجد بلدان عديدة في أمريكا اللاتينية نفسها عالقة وسط دوامة من العنف والقمع.

وكشف المصدر ذاته أنه إذا كانت الانتهاكات التي تطال الحق في الوصول إلى المعلومات تتخذ مع مرور الوقت أشكالا أكثر تنوعا وتعقيدا، فإن الجهات التي تقف وراءها لم تعد تكلف نفسها عناء التخفي، علما أن جميع هذه الجهات تتحمل مسؤولية مباشرة وجسيمة في هذا الصدد. فأمام كل ذلك، يصبح الصمت مرادفاً للرضا بالأمر الواقع.

وسجل أن المسألة لم تعد تتوقف على مجرد التأكيد على المبادئ؛ فقد أضحت سياسات الحماية الفاعلة ضرورة لا غنى عنها، على أن تؤدي دورا محركا في هذا المضمار. وأكد المصدر ذاته أن البداية ينبغي أن تنطلق من وضع حد لتجريم العمل الصحفي، سواء من خلال الالتفاف على قوانين الأمن القومي، أو عبر الإجراءات القضائية الكيدية، أو التضييق الممنهج على كل من يحققون ويكشفون الخبايا ويسمّون الأشياء بأسمائها.

بينما لا تزال آليات الحماية هشة إلى حد بعيد، يزداد القانون الدولي تآكلا ويتفاقم الإفلات من العقاب إلى درجة بات معها من الضروري إرساء ضمانات حازمة وفرض عقوبات فعلية. وأوضح المصدر ذاته أن الكرة الآن في ملعب الدول الديمقراطية وشعوبها، لأنهم وحدهم مطالبون بالوقوف في وجه من يحاولون إحكام جدار الصمت. ذلك أن عدوى الاستبداد ليست قدرا محتوما لا سبيل إلى دفعه.

تصنيف 2026 يكشف انهيارا غير مسبوق لحرية الصحافة عالميا

حسب مراسلون بلا حدود هناك خمس نقاط رئيسية تميز نسخة 2026 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة، إذ لم يسبق أن هبط متوسط سجل البلدان التي يشملها التقييم إلى هذا الحد من التدني على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية. فللمرة الأولى في تاريخ التصنيف، بات أكثر من نصف بلدان العالم يندرج ضمن المنطقة التي يوصف فيها الوضع بأنه "صعب" أو "خطير"، كما تظهر المؤشرات الخمسة التي تقيس حالة حرية الصحافة (الاقتصادية، القانونية، الأمنية، السياسية والاجتماعية) أن الإطار القانوني هو الأكثر تراجعا هذا العام.

وكشفت معطيات التصنيف كذلك عن فقدان الولايات المتحدة سبعة مراكز لتستقر في المرتبة 64، إلى جانب تراجع بلدان أمريكية أخرى مثل الإكوادور وفنزويلا. وفي المقابل، تواصل النرويج تصدرها للترتيب للسنة العاشرة على التوالي، بينما تظل إريتريا في ذيل القائمة منذ ثلاث سنوات، في حين سجلت سوريا في مرحلة ما بعد الأسد أكبر ارتقاء لها في نسخة 2026 بوصولها إلى المرتبة 141.

بين مطرقة الحروب وسندان تقييد المعلومات.. خريطة حرجة لحرية الصحافة في 2026

بين مطرقة الحروب وسندان أساليب تقييد الوصول إلى المعلومات، كشف تصنيف 2026 لحرية الصحافة واقعا متدهورا في عدد من مناطق العالم، إذ يبرز تأثير النزاعات المسلحة بوصفه أحد أبرز العوامل الضاغطة على عمل الصحفيين وسلامتهم.

في بعض البلدان، يعزى هذا التراجع إلى اندلاع النزاعات المسلحة بوتيرة متكررة، كما هو الحال في العراق (162) والسودان (161) واليمن (164)، إذ تركت الحروب الدائرة بصمتها الواضحة هذا العام، ولا سيما في فلسطين (156)، على إثر الحرب التي تشنها حكومة بنيامين نتنياهو، والتي قتل فيها في غزة أكثر من 220 صحفيا منذ أكتوبر 2023، من بينهم 70 على الأقل في سياق عملهم.

وفي بلدان أخرى، تظل الأوضاع على حالها تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية، كما هو الحال في الصين (178) وكوريا الشمالية (179) وإريتريا (180)، حيث يمضي الصحفي داويت إسحاق عامه الخامس والعشرين رهن الاحتجاز من دون محاكمة. كما تظل أوروبا الشرقية والشرق الأوسط من أكثر المناطق خطورة على سلامة الصحفيين، في ظل استمرار القمع والحروب، بما في ذلك روسيا (172) وإيران "177".

وكشف التقرير عن انكماش واسع في الفضاء المعلوماتي بعدد من الدول خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، بفعل تشدد الأنظمة أو تغيرها، كما في هونغ كونغ (140) والسلفادور (143) وجورجيا (135)، فيما سجلت النيجر (120) أكبر تراجع في نسخة 2026، وسط تصاعد الهجمات المسلحة والقمع العسكري، إلى جانب استمرار التدهور في دول أخرى مثل المملكة العربية السعودية (-14)، بينما عرفت سوريا ارتقاء لافتا بعد سقوط النظام السابق، صاعدة من المرتبة 177 إلى 141.

تجريم الصحافة يتسع عالميا.. القانون يُستخدم كسلاح ضد الإعلام

أشار التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2026 إلى أن المؤشر القانوني تراجع أكثر من أي مؤشر آخر هذا العام، حيث سجل هذا الانخفاض في أكثر من 60 بالمائة من البلدان، أي في 110 من أصل 180 بلدا بين عامي 2025 و2026، وشمل ذلك كلا من الهند (157) ومصر (169) وإسرائيل (116) وجورجيا (135)، على سبيل المثال لا الحصر. ويعكس هذا التراجع اتساع النزعة إلى تجريم العمل الصحفي، عبر الالتفاف على قانون الصحافة وتوظيف القوانين الاستثنائية أو العامة على نحو تعسفي.

ويظهر التصنيف أن توظيف قوانين الأمن القومي بات أحد أبرز أدوات هذا التراجع، إذ أصبح بعد أكثر من عقدين على هجمات 11 شتنبر 2001 وسيلة لتقييد التغطية الإعلامية لقضايا تهم المصلحة العامة. ولم يعد هذا النهج مقتصرا على الأنظمة الاستبدادية، بل امتد إلى بعض الديمقراطيات، حيث يستخدم خطاب مكافحة الإرهاب لتبرير التضييق على الصحفيين.

وفي هذا السياق، تعتمد روسيا (172) بشكل منهجي على قوانين الإرهاب والانفصال والتطرف لتشديد الخناق على حرية الصحافة، إذ كانت سجونها تضم حتى أبريل 2026 ما لا يقل عن 48 صحفيا، فيما اضطر آخرون إلى المنفى ومواجهة قمع قضائي عابر للحدود. ويمتد هذا النمط إلى دول أخرى مثل بيلاروسيا (165) وبورما (166) ونيكاراغوا (168) ومصر (169)، حيث تستخدم الأدوات القانونية نفسها لتقييد العمل الصحفي.

وأفاد  المصدر ذاته، أنه حتى داخل البلدان الديمقراطية، تتجه القيود التشريعية بدورها إلى التضييق على الصحافة؛ ففي اليابان (62)، يفضي الإبقاء على قوانين أسرار الدولة إلى إضعاف عمل الصحفيين، نظرا إلى غياب ضمانات كافية تكفل سرية المصادر والاستقلالية التحريرية.

 أما في الفلبين (114)، التي تعتبر ديمقراطية على الورق، فقد استخدمت تهم الإرهاب ذريعة لإسكات مراسلين مستقلين، من بينهم الصحفية فرنتشي ماي كومبيو، التي أدينت رغم غياب الأدلة، كما كشف تحقيق أجرته مراسلون بلا حدود. وفي هونغ كونغ (140)، أفضى قانون متشدد حول الأمن القومي إلى احتجاز جيمي لاي، الذي حكم عليه مؤخرا بالسجن لمدة 20 عاما، في أقسى عقوبة تفرض على صحفي في هذا الإقليم على الإطلاق.

وفي تركيا (163)، لا يقتصر الأمر على استخدام قوانين الإرهاب؛ حيث توظف باستمرار تهم مثل "نشر معلومات مضللة" و"إهانة الرئيس" و"الحط من مؤسسات الدولة" لقمع العمل الصحفي والزج بالفاعلين الإعلاميين في السجون.

وفي شمال إفريقيا، لا تخرج تونس (137) عن هذا المنحى العالمي القائم على "الحرب القانونية": فرغم أن المرسوم 54 المتعلق بـ"نشر أخبار زائفة" يشكل أداة رئيسية من أدوات تجريم الصحافة الناقدة في البلاد، فإن حالات تعليق عمل المنابر الإعلامية والملاحقات القضائية المتكررة تنم عن توظيف متزايد للقضاء ضد أهل المهنة.

القضاء كسلاح ضد الصحفيين.. تصاعد الدعاوى وتآكل الحماية

وكشف المصدر ذاته أن التراجع المسجل في المؤشر القانوني يعود أيضا إلى التعسف في استخدام التشريعات السارية لملاحقة الصحفيين أمام القضاء، مع ارتفاع وتيرة الدعاوى القضائية الكيدية، سواء في بلغاريا (71) أو غواتيمالا (128)، حيث لا تزال قضية خوسيه روبن زامورا تلقي بظلالها. أما في إندونيسيا (129) وسنغافورة (123) وتايلاند (92)، فإن النخب السياسية أو الاقتصادية تستغل الإطار القانوني الذي لا يوفر حماية كافية للصحافة، علماً أن هذه العراقيل القانونية لا تقتصر على البلدان المتراجعة في التصنيف، بل تسجل أيضا في بلدان تحتل مراتب متقدمة نسبيا، مثل فرنسا "25".

وفي ظل تعدد المخاطر التي تحدق بالصحفيين، سواء من الناحية الأمنية أو القانونية، تبدو السياسات العامة عاجزة عن طرح أي حل هيكلي، علما أن آليات الحماية إما منعدمة أو غير فعالة في أكثر من 80 بالمائة من البلدان التي شملها التحليل. ويكشف ذلك عن فجوة واضحة بين النصوص القانونية والواقع العملي، حيث يظل تطبيق الضمانات المرتبطة بحرية الصحافة محدودا أو غير كاف في العديد من السياقات.

وفي المقابل، ورغم أن اللائحة الأوروبية الخاصة بحرية الإعلام (EMFA) تهدف إلى ضمان استقلالية وسائل الإعلام واستدامتها داخل الاتحاد الأوروبي، ولا سيما وسائل الإعلام العمومية، فإن المبادرات التشريعية الوطنية غالبا ما تُفرغ هذه الأهداف من مضمونها. ويظهر ذلك في حالات مثل المجر (74) تحت حكم فيكتور أوربان، وكذلك في دول تصنف أعلى نسبياً مثل سلوفاكيا (37) وليتوانيا (15) وجمهورية التشيك (11)، ما يعكس تباينا واضحا بين الالتزامات المعلنة والممارسات الفعلية.