جنيراسيون الستينات والسبعينات

تيل كيل عربي

بقلم: هادي معزوز

تقول إحدى الدراسات في علم النفس، أن الأشخاص الذين شبّوا إبان العقدين السادس والسابع من القرن السالف، يتميزون بخصائص متفردة عن كل سكان العالم، من خلال مجموعة من العوامل الموضوعية. بيد أن الملاحظ في ذلك، أن أغلبهم يتميزون بالهدوء والصّلابة الداخلية وعدم التسرع، خاصة وأن هناك مجموعة من العوامل التي ساهمت في هذا الشأن.

ومن المعلوم أن الخصائص التي سنفصّل فيها القول، لا تعني أنهم متفوقون فطريا، بقدر ما أنه ثمة من القوى الخارجية والموضوعية من كان لها الفيصل في هذا التفوق، سواء المتعلق بالجانب النفسي أو الذهني. فلنعد مثلا إلى ما هو نفسي الذي يعطي صورته المعهودة انطلاقا من ترسبات الطفولة وكيف أنها تساهم بشكل مباشر في صنع شخصية الفرد ورسم معالمها. تقول الدراسة أن المناعة النفسية التي يتميز بها جيل الستينات والسبعينات، تعود بالأساس إلى هامش الوقت الحر الذي كانوا يتمتعون به، وأن شعورهم بالملل آنئذ، ولّد لديهم بطريقة غير مباشرة إمكانية التأقلم والتكيُّف مع متطلّبات العصر الحالي، فتراهم لا يحاكمونه وإنما يقفون أمامه وقفة تأملية، تعتبره جزءا لا يتجزأ من واقعهم لكن دون الذهاب معه إلى أقصى مدى. لنعتبر تصرفهم إذن إزاء التحولات الراهنة ميزانا لا يرجح أية كفة طلبا للتوازن.

وهكذا، فقد أكدت هذه الدراسة أن الإطار الذي احتواهم لحظتئذ، أي عند طفولتهم المبكرة، كان الملل يشكل جزءا لا يتجزأ من طبيعة حياتهم اليومية، تلك الحياة التي كانت خالية من الشاشات وكانت أقل بعثا للراحة، الأمر الذي جعلهم يربطون علاقة تَضَمُّنٍ مع واقعهم، والذي لا يتميز كما نعلم بالسخاء المتواصل، بل هو صعود ونزول، نجاح وفشل، انهيار وانتفاضة.. الأمر الذي كان له تأثيرا بيّنا على النمو النفسي لشخصيتهم التي عاشت معنى الصبر لحظة الانتظار، مثلما عاشت سحر النظر إلى الخارج عبر النافذة أو من خلال الشرفة، وما يرافقه من تأمل وتخيل يغني الرصيد الوجداني للفرد، ويمنح له مساحة التريث ودقة الملاحظة، شأنه في ذلك شأن استماعهم للموسيقى عبر "الكاسيط" والتي كان إرجاع الأغنية فيها، تمرينا شاقا لا يعرفه سوى الذين استعانوا ذات يوم بالأقلام من أجل ذلك. هذا دون نسيان الدقة في المواعيد التي كانت تبدأ من خلال البرامج التلفزية القليلة، والتي إذا لم يشاهدها الفرد في حينها، فلربما لن يعيد الكرّة إلا إذا جادت بها إدارة القناة التلفزية.

لقد ساهم الفراغ الذي كان يطبع جيل الستينات والسبعينات، في قدرتهم على الجلوس طويلا مع ذواتهم، على إبداع المشغلة من الملل، وعلى إضفاء طابع الهدوء على نظامهم الذهني والعقلي من خلال الوقت المتوفر لديهم خارج منطق الضغط، بل هي عوامل كانت لها اليد المثلى في جعلهم أقوياء على المستوى النفسي، مقارنة بالأجيال الصاعدة التي تتأثر بشدة عند أول سقوط، حتى ولو كان بسيطا لا يدعو إلى الاهتمام الكبير.

ولا شك أن الدراسة سالفة الذكر، تصور لنا الحياة الخاصة التي كان يتمتع بها جيل ستينات وسبعينات القرن العشرين، وتقدم لنا مثالا حيا للسفر عبر وسائل النقل التي لم تكن تتمتع بأساليب الراحة المتواجدة اليوم، إلا أنها كانت ذات أثر إيجابي عليهم. والحال أنه على طول الطريق، لم تكن هناك سماعات الرأس يضعها المسافرون خلال الرحلة من ألفها إلى يائها. لم تكن أجهزة الحاسوب المرتبطة بالشبكة العنكبوتية التي تتيح للمسافر السفر مرة ثانية وإن كان جالسا في نفس المكان، هذا وإذا حصل له أن تاه عن المقصد فإنه لن يتعرف إليه بخرائط غوغل والجيبي إس، بل بالخريطة الورقية أو طرح السؤال على شخص آخر قد يجده أو قد لا يجده.

لم يكن يتمتع بهذه العوامل التي باتت اليوم تعرف تجددا وتغيرا في وقت متسارع، بل كان الطريق بالنسبة إليه فرصة للتأمل والمقارنة والجلوس مع الذات، التي باتت اليوم تمرينا يُقدّم للناس من طرف مدرب معتمد وبمقابل مادي أيضا، بعدما كان في ذلك العهد عنوانا عفويا على طبيعة العصر، لا يحتاج إلى إدراكه أو بذل المجهود للوقوف عليه.

إن الفراغ وغياب الجاهز الذي طبع إنسان بداية القرن العشرين إلى عقوده الوسطى، كان حقا مرحلة مفصلية أنهت نموذجا معينا للإنسان الذي كانت البساطة عنوانه الأبرز، وعوضته بإنسان التكنولوجيا والثورة الرقمية، التي بقدر ما تبدو أنها تقربنا إلى بعضنا البعض، بقدر ما تبعدنا عن أنفسنا وعن أقرب المقربين منا.

لقد تغير العالم بطبيعة الحال، وهذا التغيير لا يجب أن نقرأه فقط على مستوى الظاهر والأشياء، بل إن له تأثيرا أيضا ـ بقوة مبدأ تحول الكمّ إلى كيف ـ على الطبيعة النفسية للفرد، هاته الطبيعة التي باتت اليوم أقل صبرا مما مضى، إنها تشبه إلى حد كبير علبة البيتزا التي يحملها عامل توصيل إلى بيت أحدهم، والذي يمتعض كثيرا حينما تتأخر في الوصول، خاصة إذا كان على عجلة من أمره. إذ أن عدم الصبر على تأخرها، هو الوجه الآخر لنفسيته التي لا تعرف هي الأخرى معنى الصبر.